-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شهاداتٌ عن جرائم دولة حقوق الإنسان

بشير فريك
  • 882
  • 0
شهاداتٌ عن جرائم دولة حقوق الإنسان

يعود المجاهد والمربي الأستاذ فرحات نجاحي صاحب السابعة والثمانين ليطل علينا بعمل جديد ومتميز من خلال مذكراته الموسومة بعنوان: “رحلة عمر مناضل من الأوراس”، من مراجعة وتقديم الأستاذ الدكتور مسعود فلوسي عميد كلية الشريعة بجامعة باتنة.

ما يميز مذكرات المجاهد المربي فرحات نجاحي دقة المعلومات وغزارتها، وهو يعود إلى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي واصفا ظروف الحياة الاجتماعية والأسرية القاسية التي كان” الأهالي “في أعماق الأوراس يعيشونها تحت نير الاستدمار الفرنسي حيث تتقاطع وتتشابه جل مذكرات من عاشوا تلك المرحلة الحالكة وتشكل مادة غنية وثرية للمؤرخين وعلماء الاجتماع لاستقراء واقعنا الذي فرضته فرنسا الاستعمارية آنذاك على آبائنا وأجدادنا وتمجِّده بوقاحة وعجرفة اليوم.

يعرِّفنا الكاتب بظروف التمدرس، وكيف كانت الكتاتيب القرآنية موزَّعة ومنتشرة في القرى والمداشر لتتدعم بمدارس جمعية العلماء عبر ربوع الوطن، والتي كانت إلى جانب الأحزاب الوطنية آنذاك (حزب الشعب ثم انتصار الحريات الديمقراطية وحزب البيان وحتى الحزب الشيوعي)، إذ كانت كل هذه المكونات الروحية والفكرية والسياسية عبارة عن مشاتل ومفارخ أنتجت وأثمرت أبناء جيل نوفمبر 1954 الذي كان لأستاذنا المناضل شرفُ الانتماء إليه دراسة وتدريسا ونضالا وجهادا. ويستعرض كاتبنا المخضرم كيف خاض غمار معركة طلب العلم في ظروف مادية واجتماعية قاسية بقرية تكوت مسقط رأسه ومشونش، وينوه كثيرا بأستاذه واستأذنا جميعا الشيخ الفاضل سي احمد السرحاني طيب الله ثراه إذ كان مديرَنا بثانوية عباس الغرور بباتنة في مطلع الاستقلال.

رحلة اعتقال الكاتب دامت أربع سنوات عبر ست معتقلات من المسيلة إلى بلعباس فوهران وأفلو، ويصف الكاتب ظروف الاعتقال ومعاناته القاسية غير الإنسانية وغير الأخلاقية من تعذيب معنوي وأحيانا جسدي بصور يندى لها الجبين مؤهلة لتشكل جرائم دولة في حق الإنسان غير قابلة للتقادم وينطبق عليها ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في كتابه: “عارنا في الجزائر”.

ومن مشونش كانت الوجهة معهد ابن باديس بقسنطينة ثم الالتحاق بجامع الزيتونة بتونس وحصوله على الشهادة العلمية التي مكنته من تبوإ منصب معلم بمدرسة جمعية العلماء ببسكرة، لينخرط في العمل النضالي السري ويتم اختطافه من طرف جنود الاستدمار من القسم وهو يرتدي مأزر التدريس ويساق إلى الثكنة العسكرية ببسكرة ومنها إلى ثكنة باتنة في رحلة اعتقال دامت أربع سنوات عبر ست معتقلات من المسيلة إلى بلعباس فوهران وأفلو، ويصف الكاتب ظروف الاعتقال ومعاناته القاسية غير الإنسانية وغير الأخلاقية من تعذيب معنوي وأحيانا جسدي بصور يندى لها الجبين مؤهلة لتشكل جرائم دولة في حق الإنسان غير قابلة للتقادم وينطبق عليها ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في كتابه: “عارنا في الجزائر”؛ ومع ذلك لم يلِن ولم يستكِن المناضلون المعتقلون وحاولوا إضفاء بعض الإيجابية في حياتهم بالمعتقلات من خلال تنظيم حلقات التدريس والتوعية استعدادا لحمل السلاح بعد مغادرة جحيم تلك الظروف الجهنمية المأساوية.

ومما استوقفنا في استعراض الأستاذ المجاهد فرحات نجاحي لمعايشته القاسية في مختلف المعتقلات وتقاسمه المحنة مع الكثير من الوجوه المناضِلة المعروفة سياسيا وإعلاميا أثناء الثورة وغداة استرجاع السيادة الوطنية على غرار المناضل بشير بومعزة الذي أنهي مساره كرئيس لمجلس الأمة، والنقابي الكبير عيسات ايدير مؤسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين، والمناضل الكبير إلى مماته مؤخرا علي يحيى عبد النور، والشيخ الشبوكي صاحب نشيد “جزائرنا يا بلاد الجدود”، والمحامي المناضل عمار تومي أول وزير للعدل، والدكتور أحمد عروة عميد جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، والممثل الكبير حسان الحسني (بوبقرة)، والشيخ سحنون أحد أقطاب جمعية العلماء وإحدى المرجعيات الدينية في جزائر الاستقلال، والموسيقار هارون الرشيد، والأستاذ الدكتور عبد الله الركيبي، والشهيد حيحي المكي، وعبد القادر الياجوري، وحرشة حسان الرياضي البارع…

والواقع انه من الصعوبة الإتيان على ذكر كل المناضلين الذين اقتسموا محنة تلك السنوات الحالكة مع المؤلف في معتقلات العار الاستعماري، ويذكر الكاتب أن عدد النزلاء كان يتأرجح بين معتقل إلى آخر من 350 إلى 900 معتقل من جميع جهات الوطن شرقا وغربا جنوبا ووسطا، إذ تم انتقاء خيرة المناضلين عبر الوطن لعزلهم عن الثورة والثوار مما يعكس بوضوح شمولية الكفاح المسلح وانخراط القوى الخيرة النيرة فيه، بيد أن فرنسا الاستعمارية كانت واهية بمحاولة عزل الثورة عن النخب الوطنية آنذاك إذ التحق جلُّ المعتقلين بعد إطلاق سراحهم بالكفاح حاملين السلاح في الداخل أو لتمثيل الثورة في الخارج..

وهذا شأن أستاذنا سي فرحات نجاحي الذي أطلق سراحه من معتقل تلاغ ببلعباس بتاريخ 28 فيفري 1959 مع شرط الإمضاء أسبوعيا مرتين لدى محافظة الشرطة بباتنة ومع ذلك كلف ليتولى مهمة قاضي للثورة بنفس المدينة، ولم يمكث طويلا ليلتحق بالجبل تحت قيادة المجاهد المرحوم محمد الشريف جار الله قائد المنطقة الأولى للثورة التي تمتد من باتنة ومروانة وعين التوتة إلى سطيف وبريكة حيث عايش مواقف حرجة في جبال عين التوتة والرفاعة تارشيوين يستعرضها بالتاريخ والمكان والأسماء، إذ احتضنته الرعاية الإلهية وكُتب له أن يعيش فرحة وقف إطلاق النار واسترجاع السيادة الوطنية مخلفا وراءه ذكريات استعمارية أليمة، متطلعا إلى المساهمة في بناء جزائر الاستقلال بإرادة وعزم حيث تولى منصب رئيس دائرة مروانة لسنتين ثم يستقيل مفضلا تكوين الأجيال من خلال التربية والتعليم التي تبوأ فيها مناصب نائب مفتش الأكاديمية مكلفا بالموظفين بباتنة ثم مديرا للتربية في بسكرة التي له حنينٌ خاص إليها وأخيرا مفتشا عاما للتربية لعديد ولايات الجنوب الشرقي، قبل أن يحال إلى التقاعد في1986 ويمتهن المحاماة بعد حصوله على شهادة الليسانس في الحقوق وذلك إلى غاية سنة 2012 تاريخ تقاعده المهني، ليواصل نضاله من خلال الإصدارات التي أثرى بها المكتبة الأوراسية خاصة والوطنية عامة. وقد تناولت “الشروق” أحد مؤلفاته حول الولاية التاريخية الأولى منذ شهور.

أخيرا نتمنى أن يحذو من بقي من المجاهدين حذو الأستاذ العصامي والمجاهد فرحات نجاحي ويسجّلوا معايشاتهم وذكرياتهم حول الثورة وأحداثها ومآثرها قلّت أو كثُرت لتبقى للأجيال والمؤرخين شاهدة على عظمة الثورة ورجالها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!