-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

شهوة أكل لحوم الأموات..!!

أبو جرة سلطاني
  • 4201
  • 4
شهوة أكل لحوم الأموات..!!

بعد نشر مقالي: “فستذكرون ما أقول لكم”، تواصل معي كثير  من أصدقائي عامة ومن أبناء الصحوة خاصة.. يشكرون ويباركون هذا النوع من الكتابات الهادفة ويصنفونها في خانة “نشر الوعي” وتبصير الرأي العام بالحقائق التاريخية التي يجهلها جيل الشباب لأنهم لم يعاصروها بين سنوات 2012/1988. لأسباب يطول شرحها.

من بين هؤلاء المتصلين صديق قديم كان إطارا ساميا في مسمى “حكومات العصابة”..!! لكنه كان نظيفا جدا وخدوما للمستضعفين.. ساقته الأقدار ليشتغل في ظروف غلب عليها الفساد. وأنا أعرف سيرته منذ 40 سنة وأثق في عقله وخلقه ودينه وكفاءته. روى لي حكاية حدثت له في حفل زفاف. قال: كنت في وليمة عرس نجل صاحبي فلان..!! فسمعت بأذني شابا (كان يأكل لحمي مع طعامه وأنا انظر إليه..!!) يغتابني علنا أمام الحضور بصوت واثق..!! ويسرد تاريخا أسود حافلا بالمخازي ويؤكد بثقة أنني ارتكبت كذا وتورطت في كذا وعندي كيت وكيت من الشركات والأرصدة في الخارج.!!  ورأيت من كانوا حوله يستمعون إليه باستغراب وينظرون إليّ مشدوهين من وقاحته ومن صمتي وصبري.

لما فرغ من سرد “سيرتي السوداء” على الحضور سألته: هل تعرف الشخص الذي كنت تتحدث عنه بسوء؟ قال: كل الناس يتحدثون عنه بسوء. لقد كان مع الرئيس المخلوع..!! قلت له: دعنا من الرئيس المخلوع. أنت ذكرت “فلانا” باسمه وعددت مخازيه وسرقاته ومشاريعه..!! هل تعرفه؟ هل لديك ما يثبت صحة تهمة واحدة مما ذكرت؟ قال: سمعت الناس يروون عنه فرويت..!! قلت له: إذن أقدم لك نفسي: أنا هو الشخص الذي كنت تتحدث عنه..!! هل تعرفني؟؟ فبُهت وقام يسلم عليّ ويعتذر ويقول: سبحان الله سمعته من ثقات..!! قلت صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ” إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.  وتركت المجلس وغادرت المكان.

ضغطت هذه الحادثة على مشاعري منذ سمعتها فوجدت من واجب الوقت التّذكير بحرمة أكل لحوم الأموات ( الحديث بسوء عن إنسان غائب)، من منطلق أن مثل هذه القصص صارت “فاكهة مواسم الفارغين”. وقد سمعت منها الكثير  على ألسنة قوم زادهم الوحيد القدح في سيّر رجال أفاضل لا يعرفونهم، وأكل لحومهم في غيابهم..!! والله يحذر من هذا الصنيع المنحط: ” أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ” الحجرات: 12.

تناول أعراض الناس بالسّوء فعل مرذول يعبّد الطريق إلى الجحيم، وهو الدرس الذي علمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لسيدنا معاذ بن جبل (رضي الله عنه) بموعظة جليلة نصحه في خاتمتها بلجْم لسانه عن لغو الحديث وفضول الكلام. فقال له : ” وأمسك عليك هذا”، وأخرج لسانه الشّريف وأمسكه بالسّبابة والإبهام. فتعجب معاذ وسأله: أوَ مؤاخذون على ما نقول يا رسول الله؟ قال (صلى الله عليه وسلم):” ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبّ الناس على وجوهم ( أو قال على مناخرهم)في النار إلا حصائد ألسنتهم”. صحيح الترمذي عن معاذ.

قلت: لا يستقيم حال المرء ( مهما كانت درجة ورعه وتقواه ونظافة ثوبه) حتى يستقيم أصغراه: لسانه مع الناس. وقلبه مع الله. وهي حقيقة مطلقة أدركها كل من خالط الناس واكتوى بأذاهم. ولم يشذ عن هذا الإدراك الواعي حكيم شعراء الجاهلية زهير بن أبي سلمى. فقد وعاها بالتجربة فصاغها في حكمة جميلة قال:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده  * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

قيمة الإنسان قلب ولسان: قلب تقيّ يقرّبه إلى الله. ولسان نقيّ يقيه مصارع السوء. فالإنسان بمنطق الرياضيات نصفان صغيران:

   1- 50% من قيمته في قلبه، وذلك سرّ يعلمه الله.

   2- و50% في لسانه، وذاك جهر يسمعه الناس.

والباقي كتلة من شحم ولحم ودم.. يشترك فيها مع الإبل والأبقار والأغنام والقردان.. فإذا تركنا ما في القلب من نيّات يعلمها الله صار الرجل لسانا وقلما ( فقلمه لسان. وأسلوبه لسان.  وتعليقاته على ما يسمع وعلى ما يكتب غيره لسان..) فمن لسان المرء تعرف قيمته. والله يقول عن المنافقين:” ولَتَعْرِفنهُم في لحْن القَوْل” محمد: 30. والحكمة تقول: المرء مخبوء وراء لسانه. ومن بدائع ما في كتاب الله تعالى أنه عندما يتحدث عن أقوال غير المسلمين يرد أصلها إلى تشابه قلوبهم: ” كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ” البقرة: 118. ولم يقل: تشابهت أقوالهم لثلاثة أسباب خفية:

   1- القلب وعاء مملوء يغرف منه اللسان.

   2- إذا أصيب القلب بداء الحقد والحسد تصيّد اللسان السقطات. فإن لم يجدها اخترعها.

   3-لا يقدح في عرضك ويؤلف فيك القصص ويبتدع حكايات الزور.. سوى من عجز أن يكون مثلك.

في هذا المقام أسوق ثلاثة أمثلة من كتاب الله تعالى أبدد بها غيوما تراكمت في سماء أخلاقنا منذ صار ” غوغل شيخنا”.!!  فصارت جرأتنا على أعراض الناس عونا للشياطين عليهم شهوة في أكل لحوم الأموات.

الأول؛ من محيط آل عمران: فطهارة مريم (عليها السلام) وعفتها واحتجابها عن الناس منذ ولادتها وانتماؤها للبيت النبوي.. لم تشفع لها ولم تعصمها من القيل والقال. فبمجرد أن رآها قومها تحمل طفلا رموها بما في صدورهم من غلّ وبما في قلوبهم من مرض السفاهة (ولا يظن السفيه إلا بما فيه) فلم يسألوها عن وليدها وبادروها بتهمة ثقيلة: “قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً” مريم: 27 ولو كانت قلوبهم سليمة لسألوها قبل أن يصدروا في حقها حكما متسرعا بظاهر ما رأوا فحكموا عليها بسوء ظن . وفي سوء الظن إثم وظلم كبير ..!! فلما أشارت إلى رضيعها أنْ كلموه سيجيبكم بما يسفه عقولكم أنطقه الله بالحقيقة فعلموا أنهم لم يتبينوا فأصابوا طاهرة بجهالة فأصبحوا على ما فعلوا نادمين.

والثاني؛ من قصور الملوك: فيوسف (عليه السلام) نبيّ بن نبيّ دخل السجن بفرية ملفقة. ولبث فيه سبع سنوات بسبب إشاعة أطلقتها نسوة في المدينة..!! ولو لم يبرئه الله ( جل جلاله) برؤيا العزيز للبقرات والسنابل التي عجز حراس المعبد عن فك رموزها فأرسل إليه يسأله تعبير رؤياه. لو لم يحصل هذا لمات في السجن قبل ظهور براءته ولقيل اليوم: شاب سقط في حب ملكة..!!  فالإشاعة أقوى من كل توضيح، إذا أطلقت كانت كوقع “الحبر الصيني” على الثوب الأبيض لا تزيله جميع منظفات الدنيا.

والثالث؛ حادثة الإفك: التي يعلم الجميع أن وراءها رأس المنافقين (ابن سلول). ولكنها وجدت آكلي لحوم البشر فصدقوها وروجوا لها واتهموا الفراش الطاهر لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخدشوا عفة أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها).  فنزلت سورة تنفي ما تم الترويج له ظلما، وتسلط النور على “البقع السوداء” في قلوب المؤمنين. ومع ذلك مازال في زماننا من يلوك عرضها (رضي الله عنها) . لأن منافقا يشتهي أكل لحوم الأموات فجر قنبلة من العيار التقيل بقول سافل: “زوجة نبيكم باتت مع رجل والله ما نجت منه ولا نجا منها..!

سبحانك هذا بهتان عظيم.

التثبت من مصدر الخبر والتبين مع ناقليها يكشف آكلي لحوم البشر . وما أجمل ما استقبل به سليمان (عليه السلام) نبأ الهدهد، مع أنه لم يكذب عليه من قبل، ومع وصفه الخبر بالنبأ اليقين. ولكن سليمان (عليه السلام) احتاط للأمر بما يقطع الشك باليقين:” قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ” النمل: 27. هذا هو أسلوب الحزم الواجب مع المرجفين والمغتابين والمغردين في سماء الفضاء الأزرق.. ولو كانوا “هداهد” يزعمون أن أخبارهم أنباء يقينية. فقد نقل أحدهم إلى الإمام الشافعي رحمه الله غيبة سمعها من آكل لحم بشري فقال له:  إذا كنت صادقا فأنت نمام. وإذا كنت كاذبا فأنت فتان. ونقل أحدهم إلى الحسن البصري نميمة فقال له: ألم يجد الشيطان بريدا غيرك؟..فاقتلوا الإشاعة بتطهير أسماعكم من ملوثات السمع. فالله يقول:”يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ” التوبة:47

فاللهم اهد قومي فأكثرهم لا يعلمون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • أمغار

    مهما طال البهتان لابد إن تظهر الحقيقة، طال الزمن أم قصر. المهم أن يبقى الإنسان نظيف و بعيد على الشبهات. و قد يلصق بالإنسان ما ليس فيه لمجرد أنه وضع نفسه في بيئة لا تليق بيه. و الحديث قياس....

  • Salem noureddine

    عليكم أيضا بانتقاء الشبهات

  • حقيقة مرة

    نعم فمن يثق في كلام جزائري هذا الزمن فالكل فاسد ولا وجود لشخص نظيف في هذا البلد : فرؤساء البلديات جلهم ومدراء الشركات والمؤسسات والاداريين جميعهم والوزراء والولاة ورؤساء الدوائر ورؤساء المصالح والجمارك ومصالح الأمن ... وأكثر من ذلك فكل من اشترى بيتا أو سيارة فارهة أو بذلة جديدة ... فهو فاسد و أشتراها بأموال الفساد والرشاوي .. والغريب أن مثل هذا الكلام يتم حديثه علنا وبصوت عالي في المقاهي والساحات ... من قبل من يجهلون خطورته وعواقبه والعجيب أيضا أنك لو سألت المتحدث : هل تمتلك دليل على ما تقول فجوابه : نعم فقد سمعت الناس يقولون ... وكأن كلام الناس دليل .

  • لزهر

    فأما اللحوم فأوجاع و أسقام و ابتياعها مصيبة و الطرى منها موت و أكلها غيبة لذالك الرجل الذي ينسب إليه الحيوان و المُمَلح من لحوم الشاء إذا أُدخل الدار فهو خير أتى أهلها بعد مصيبة كانت من قبل بقدر مبلغه و السمين منه خير من الهزيل و إذا كان من غير لحم الشاء فهو رزق قد خمد ذكره و قيل الهزيل رجل فقير و قيل هو خسران و القديد ( اللحم المجفف) ذنوب في اغتياب الأموات وقيل من أكل اللحم المهزول المملح ( العنز ) نال نقصا في ماله و أما لحم البقر فأنه يدل على تعب و أما لحم الثور فأنه يقدم إلى حاكم والحم النيء يأكله مع شيخ ارتفع أمره عند السلطان و لحم السمك رزق من جهة البحر و اللحم المجهول يدل على تركات الهلكى و أكل لحم الإنسان فأنه يغتابه (يتكلم في غيابه) . سيرين و النابلسي