-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
موائد للإفطار الجماعي وأمسيات اجتماعية وفنية مغاربية:

صائمون يتحدّون الغربة ويُحيون تقاليد رمضان بفرنسا

الشروق
  • 2152
  • 1
صائمون يتحدّون الغربة ويُحيون تقاليد رمضان بفرنسا
ح.م

تنتشر بحي برباس- المشهور بالدائرة الثامنة عشرة بباريس، وهو واحد من عشرات الأحياء الشعبية- طوال أيام شهر رمضان إلى لحظات تحري هلال العيد، روائح تجهيز وتحضير ما لم يخطر على بال بشر، لمئات الأكلات والأطباق التراثية التي تمتزج فيها ثقافات مختلف جنسيات تقارب ستة ملايين مسلم مقيم بفرنسا، حيث تتنافس وتتفنن النسوة بالمحلات التجارية والمطاعم وحتى ما يعرف بـ”دلالات” لتزيين أزقة هذا الحي بأصناف من معجنات الحلو والمالح، وتشكيلات الطواجن واللحوم والأسماك والمشروبات والعصائر والألبان والمكسّرات، تتشابه في نكهاتها تماما بطقوس رمضان بلدان العالم الإسلامي كي تثير لعاب الصائمين وتغري شهواتهم للشراء.
ولباريس أيضا، عاداتها الرمضانية التي يقوم عليها محسنون بمعية الهيئات الدينية لجل مساجد العاصمة وضواحيها لاسيما المنظمات الإسلامية بتنظيم موائد إفطار جماعية بالمساجد وبعدد من خيم للصائمين والصائمات بعد طول 19 ساعة من الصيام وحتى لغير المسلمين من الفقراء والمعوزين.
وللأجواء الدينية الروحانية النصيب الأكبر حيث يمتلئ مسجد باريس الكبير وغيره من المساجد بالمصلين بعد صلاة المغرب، حرصا على أداء صلاة التراويح، فترتفع تلاوة القرآن والأدعية يوميا والخطب الدينية.
وبالموازاة، تقترح بعض المطاعم عروض عشاء للعائلات لكسر روتين العمل والحياة اليومية المتشابهة، مرفقة بسهرات وأمسيات اجتماعية فنية غنائية.

الشوارع بألوان زلابية بوفاريك

عندما تتجول بأحياء الجاليات العربية والمغاربية وأكبر وجهة لمسلمي فرنسا خلال شهر رمضان، مثل مونتراي وبيل فيل وأوبرفيلي سين سان دوني قرب باريس أو حي كليشي وانيير بالإضافة إلى حي بارباس، يغمرك مباشرة عبق رمضاني متميز يُنسيك مشقة البعد عن الوطن. ولعل أول شيء يلفت نظرك هو الصفوف المتعالية لزلابية بوفاريك والسيقار وقلب اللوز والمسمن والبوراك والحلويات العربية بمظهرها التقليدي الأصيل تملأ واجهات المحلات والمطاعم.
وحتى وكالات السفر العربية تعرض خصيصا لشهر رمضان الفضيل، تتخللها واجهات أخرى تعرض ملابس تقليدية نسائية ورجالية بكل أشكالها مع أنواع البخور والعطور ومسابح في تزايد الإقبال عليها خلال هذا الشهر الفضيل.

30 ألف وجبة فطور

على طريقة موائد الرحمة الإسلامية، تتضاعف مبادرات تقديم وجبات كسر الصيام مجانا، بعديد المساجد بفرنسا وبباريس خاصة، يتقدمها كالعادة وجبات طوال ثلاثين يوما بقاعات صلاة مسجد باريس الكبير وأخرى بقاعات الصلاة بأحياء باريس وما جاورها، وهو ما أكده لنا أحد المترددين على مسجد حي منطقة جوراس القريب من حي بارباس بباريس. من جنسية سويسرية سمي بيحي، اعتنق الإسلام منذ أربعة عشر عاما، يقيم حاليا بباريس بصفة مؤقتة بسبب عمله كباحث بإحدى جامعات العاصمة. بعدما عبّر لنا عن شعوره بالفرحة والراحة النفسية وهو مسلم صائم بين باقي المسلمين، إضافة إلى أنه أعزب ويعيش بعيدا عن عائلته، ولهذا اختار الإفطار مع صائمي المسجد القريب لسكنه الذي اعتاد الصلاة فيه.
ومن جهة أخرى، اعتادت هيئة الإغاثة الإسلامية الفرنسية وللعام التاسع على التوالي بنصب أكبر خيمة وهي الوحيدة بباريس بموقف سيارات بمخرج محطة ميترو بورت دو باري سين سان دوني بضاحية باريس، الممتدة على مساحة 500 متر مربع. تفتح الخيمة أبوابها يوميا قبيل ساعة المغرب كل يوم من شهر رمضان خصيصا للعائلات المعوزة والمهاجرين غير الشرعيين وأيضا المسنين والشباب العاطلين عن العمل الذين تستقبلهم بوجبة ساخنة شهية، يتذوقون من خلالها طبق الحريرة أو الشوربة مع سلطة وطبق من أنواع اللحم أو السمك مع الفواكه والتمر والخبز والمشروبات وتقدم أيضا طبقا تقليديا ثراثيا في كل يوم جمعة.
رئيس تنظيم خيمة إمساك رمضان، محمد الوردي ذكر لـ”الشروق” وهو متطوع من بين متطوعين يعملون بالخيمة لإعداد وجبات وتوزيع وتنظيف، أن لديهم أكثر من 1200 وجبة يومية توزع على الفقراء والمحتاجين الصائمين من مختلف جنسيات أكثرهم من سوريا وحتى غير الصائمين في جو جماعي بهيج كفرصة لتبادل أطراف الحديث والتعارف بينهم. وأوضح أن هيئة الإغاثة الإسلامية الفرنسية تقوم أيضا بتوزيع وإيصال طرود غذائية أساسية على الأسر والأفراد الفقيرة خصوصا السورية المقيمة مؤقتا بفنادق العائلات أو بمراكز إيواء فضلا عن توزيع 5500 طرد آخر على السجناء الصائمين الموزعين على 19 سجنا بفرنسا.

سهرات رمضانية بطابع الفن المغاربي

عروض حفلات الإفطار والسهرات تكاد تكون غير موجودة أو محدودة نسبيا بالنصف الأول من رمضان، إلا ببعض قاعات الشاي ذات الطابع الشرقي أو بمقاهي الأحياء السياحية التي تسهر لساعات متأخرة. زد على ذلك، أنه يصعب على الجالية المسلمة بباريس التمتع ببعض أجواء السمر الرمضانية خلال أيام الأسبوع؛ فصيام طيلة تسع عشرة ساعة مع العمل طيلة أيام الأسبوع وقلة النوم تجعل أغلبهم يتعبون كثيرا ما يضطرهم إلى النوم بعد الإفطار مباشرة إلى غاية السحور لاستعادة قليل من العافية استعدادا للعمل في اليوم الموالي.
ولكن بالمقابل يشهد النصف الثاني حركية لعروض سهرات وأمسيات ثقافية وفنية مكثفة جاءت خصوصا من طرف مبادرة فريدة تحمل اسم “وجبة طعام رمضانية” من ابتكار صاحبة شبكة “سيلكت المغرب”، جميلة زراوي من أصل جزائري تقدّم عروضا مناسبة أيام نهاية العطلة الأسبوعية، بالتعاون مع أصحاب مطاعم عربية لتنظيم إفطار مع سهرات غنائية وحلقات ترفيهية إلى غاية ساعة السحور.
واختارت نهاية الأسبوع الماضي مطعم “خيمتنا” بحي مونتراي بضاحية باريس لاستضافة أول حفل رمضاني لما تحمله خيمة المطعم من ديكور جلسات تقليدية من تراث قبائلي جزائري، تتناسب في ألوانها بين الأحمر والأسود وشكل طاولاتها وكراسيها منقوشة ومصابيحها مزخرفة متجانسة في طرازها البربري تعكس سحر ملامح جمال الجزائر لتحقيق أجواء من الشعور بالفرحة والراحة.
قدمت الخيمة قائمة وجبة إفطار مقابل 30 يورو للشخص، تمثلت في أطباق تقليدية من الجزائر وتونس والمغرب مع مشروبات ومعجنات إلى حلويات رمضانية مرفَقة بالقهوة والشاي للسهرة، على ألحان موسيقية أندلسية هادئة استقبل صاحب المطعم مع صاحبة المشروع ابتداء من التاسعة مساء جميع الضيوف من عائلات وأصدقاء فيما بينهم وإرشادهم إلى مكان الطاولات الرمضانية.
ضمت وجبة الإفطار أطباقا من المغرب، الحريرة المغربية، ومن تونس مقبلة البوراك التونسي، وطاجين اللحم بالزيتون من الجزائر مرفقا بتمور وحليب ومسمَّن ومشروبات غازية جزائرية “سيلكتو” وصولا إلى تقديم القهوة والشاي المغربي وتشكيلة من الحلويات السورية واللبنانية. بعدها إلى غاية ساعة السحور، استهلت أجواء السهرة أمسية فنية متنوعة لوصلات غنائية مشهورة من فنانين جزائريين من الشعبي والراي الجزائري ولفنانين تونسيين ومغاربة بالخصوص، تفاعل معها الحاضرون وعلت الزغاريد المغاربية والتصفيق والرقص وترديد أشعار الأغاني تعبيرا عن فرحتهم. واختتمت في الأخير بعرض خاص لما يدعى بفن الوهم لساحر استعراضي.
السيدة فروجة من مدينة تيزي وزو التي رافقتها ابنتها لتقاسم لحظات من أجواء رمضان خارج البيت، ذكرت، بعدما قصت أجزاء من حياتها وهي شابة بالجزائر إلى أن انتقلت مع والدها في الستينيات إلى فرنسا حيث تزوجت وأنجبت أبناءها، أنها توصلت بصعوبة عبر الإنترنت إلى عنوان محدد لسهرة رمضانية اجتماعية خاصة بالعائلات فقط وأنها بالصدفة وجدت عرضا لبرنامج وجبة طعام رمضان. وفوجئت بجمال المطعم ولذة الطعام وبديكور قبائلي. العائلة التونسية التي رافقتها بالمائدة بعدما تبادلا أطراف الحديث، أشارت إلى تجربتها الأولى مع مبادرة المطعم مؤكدة نجاحه في جمع عائلات من جنسيات مختلفة على أجواء رمضانية وحيدة. وينتظر عائلات مهاجرة بباريس عروض أخرى لوجبة طعام رمضان نهاية الأسبوع القادم بمطعم “اومكا” بشارع لاشابال بالدائرة الثامنة عشرة بباريس يليها في آخر أسبوع نهاية شهر رمضان بمطعم “ماست”.

طقوس رمضان تنشط التجارة الفرنسية

ذكرت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية في شهر ماي أن شهر رمضان بفرنسا يمثل صفقة العمر لمحلات السوبر ماركت الفرنسية عملاقة مثل كارفور وأوشان ولوكير بحكم أن المسلمين البالغ عددهم ستة ملايين مسلم يترددون بشكل متزايد على هذه المحلات التجارية خصوصا خلال اليومين ما قبل بداية ونهاية رمضان لاقتناء ما يلزمهم من استعدادات لشهر رمضان وعيد الفطر مما يؤدي إلى ارتفاع أضعاف مضاعفة لطلب المنتجات الغذائية الحلال. أدى إلى رفع إنفاق عائلات خلاله إلى نسبة 34% من المال لاقتناء منتجات تحضير أكلات رمضانية يعني بمعدل 434 يورو لكل أسرة.
وأضافت الصحيفة أن سوق “الحلال” يلاقي إقبالا كبيرا منقطع النظير، ويحقق أرباحا خيالية تصل إلى 7 ملايير يورو وإن نسبة أرباح هذه المحلات الفرنسية بشهر رمضان وحده تساوي أرباح أحد عشر شهرا متبقية. واصفة بزنس الحلال الموافق للشريعة الإسلامية بفرنسا، الذي تنامى وازدهر بأوروبا وبالدول العربية، بأنه يمثل قطعة كعك دسمة، تتنافس من أجلها كبرى المراكز التجارية الفرنسية من خلال تقديم عروض خصم تصل إلى 50% إلى غاية نهاية شهر رمضان في كل من كارفور وأوشان بالخصوص على مستلزمات تحضير كعك العيد حاليا، بل وخصصت جناحا خاصا لعرض أصناف وألوان الحلويات رمضانية من زلابية وبقلاوة وقلب اللوز ومقروط بما فيها حلويات العيد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • عمار الفني

    الاسعار تنافسية ورحمة ربي هي السائدة ماذا عنكم يا .... الشعب الملهوف