الإثنين 30 مارس 2020 م, الموافق لـ 05 شعبان 1441 هـ آخر تحديث 23:39
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

صاحب “مِيزان الحِكْمة”؟!

أبو بكر خالد سعد الله أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة
ح.م
  • ---
  • 8

قبل نحو ثلاثة أسابيع قدّم أحد الأساتذة البارزين الزائرين من فرنسا عرضًا ضمن نشاط مخبر المعادلات التفاضلية الجزئية بالمدرسة العليا للأساتذة-القبة، واستهلّ محاضرته بمقولة (بالإنكليزية) وردت في مقدمة كتاب غربي حول الجاذبية. وأبدى المحاضر إعجابه بهذا العالم الذي كان قد سبق في مضمون هذه المقولة علماءَ أوروبا. وكأنّ المحاضِر استغرب من كون هذا العلم أتى من الشرق.. فاستغربنا من استغرابه!

صاحب المقولة هو أبو الفتح الخازني (توفي عام 530هـ/1135م)! وقد ولد بمرُو (عاصمة خُراسان)، وكان غلاما لأبي الحسين الخازن، ولذا عُرف بالخازني. وكان سيّده شديد الاهتمام بالعلوم فشجّعه على تعلّمها. وهكذا نال الخازني منها نصيبا في الرياضيات وعلم الفلك والفيزياء والعلوم الفلسفية.

كان نَقِيَّ الجَيْبِ…

عاش الخازني حياة الزهد والتقشف. يقول عنه المؤرخ والفلكي ظهير الدين البيهقي (توفي 565هـ/1170م): “…وكان نقيّ الجيب عن الأطماع الخسيسة… وكان يلبس لباس الزهاد ولا يأكل إلا طعام الأبرار…”. وروى البيهقي عن مدى ترفّع هذا الرجل عن أمور الدنيا، فهذا حاكم خراسان -الذي كان يرعى العلماء- أرسل ذات يوم إلى الخازني ألف دينار فردّها قائلا: “لا أحتاج إليها، وبقيَ لي عشرة دنانير، ويكفيني كل سنة 3 دنانير، وليس معي في الدار إلا سنّور”!

والملاحظ أن اسم الخازني قد أُخلط في العديد من المؤلفات مع الرياضياتي والفلكي الشهير أبي جعفر الخازن (القرن 4هـ/10م)، ومع أبي الفتح الخازمي، وهو فلكي عاش في بغداد خلال القرن 6هـ/12م. كما يُخلط مع الحسن ابن الهيثم (430هـ/1038م) لأن هذا الأخير اشتهر في الغرب باسم Al-Hazen (وهو تحريف لاسم الحسن).

وقد عُرف الخازني بمؤلفيْن هامين، هما “ميزان الحكمة” و”الزيج المعتبَر”. ومن المعلوم أن اكتشاف هاذين الكتابين تمّ على أيدي مستشرقين من القرن التاسع عشر.

ففي الفترة 1845-1859 أقام المستشرق الروسي خانيكوف Khanikoff في بلاد فارس حيث كان قنصلا للإمبراطورية الروسية في مدينة تبريز (عاصمة إيران آنذاك). وهناك تحصل على مخطوطات نادرة أهداها في ما بعد إلى جامعة بطرسبورغ الروسية. ثم كتب خانيكوف بحثا حول كتاب “ميزان الحكمة” عام 1857، ونشره في مجلة الجمعية الاستشراقية الأمريكية بعد أن ترجمه الناشر إلى الإنكليزية.

وقد بيّن هذا البحث أهمية مضمون كتاب “ميزان الحكمة” الذي لم تكن اكتشافاته في مجال الميكانيكا والفيزياء معروفة لدى الغرب قبل العصور الحديثة. ولم يكن آنذاك يُعرف شيءٌ عن شخص اسمه الخازني حتى إن المهتمين شكّكوا في وجود هذه الشخصية!

تقول الباحثة ماريام روزنسكايا Rozhanskaya : “… يمكن اعتبار ‘ميزان الحكمة’ بحق موسوعة لعلم السكون في الشرق في القرون الوسطى. فقد أدرج المؤلف في كتابه موجزاتٍ عديدة لأعمال أسلافه، ومن بينهم القوهي (ق. 10م) وابن الهيثم (ق. 10-11م) والرازي (ق. 11م) وعمر الخيـام (ق. 11-12م) وغيرهم. ونذكر أن الكثير من أعمال هؤلاء المؤلفين قد فُقِدَت”.

واستخلصت روزنسكايا أن الخازني هو “أول من وضع في تاريخ علم الميكانيك الفرضية التي تقول إن أثقال الأجسام تتغيّر تبعا لبُعدها عن مركز الأرض. ولم يأخذ أي مؤلف من المؤلفات في القرون الوسطى التي نعرفها هذه المسألة بعين الاعتبار”. وترجّح الباحثة أن الخازني كان مطلعا ليس على الترجمة العربية لكتاب “الأجسام العائمة” لأرخميدس فحسب، بل اطلع أيضا على “النص اليوناني الذي لم يعرفه العلم الأوروبي إلا في بداية القـرن العشرين”.

كان المظفّر الأسفِزاري (توفي 480هـ/1087م) قد صنع قبل الخازني ميزانا سماه “ميزان الحكمة”. وروى البيهقي بهذا الصدد أن الأسفِزاري صنع هذا الميزان ليكشف الغش في الوزن. لكن خازن السلطان خشيَ أن تنكشف تحايلاتُه فأتلفه. وحين سمع الأسفِزاري بذلك مرض ومات أسفًا.

لقد عمّم الخازني نظرية أرخميدس الخاصة بالأجسام الممتلئة العائمة في سائل فشملت أجساما فارغة عائمة. وقسّم الموازين إلى مجموعتين (المتساوية وغير المتساوية الذراعين). كما اهتمّ بعدد الأثقال اللازمة ليتم وزن ما نشاء. واكتشف الحل الذي يجعل ذلك العدد أصغريا، فهو حلّ لم يهتد إليه الأوربيون بسرعة.

الطرق التجريبية في العلم

وفي ما يتعلق بالميزان المائي، فقد ظهرت فيه كفّة ثالثة لاستخدامها عندما يتم الوزنُ داخل الماء. يقول الخازني بخصوص الأوزان وإسهام الأسفِزاري فيها: “وكان الإمام المظفر الأسفِزاري ناظرًا فيه مدة أحسن نظر، ومتأملا في صنعته، ومتأنقا في حدته. وسعى في تسهيل العمل به على من أراده…”.

ويشير الباحثون إلى أنـه بفضل أعمال الخازني والبيـروني استطـاع أن يطلع المؤرخـون المعاصرون على أعمال علماء من البلاد العربية الإسلامية مثل تلك التي ألّفها سند بن علي (ق. 3هـ/9م) ويوحنا بن يوسف (ق. 4هـ/10م) وأبو الفضل البخاري (ق. 4هـ/10م) والنيريزي (ق. 4هـ/10م) والرازي (ق. 4-5هـ/10-11م) وعمر الخيام (ق. 5-6هـ/11-12م)… بل تذهب مؤرخة العلوم روزنسكايا إلى القول إنه يمكن أن نعتبر “أعمال البيروني والخازني، بحق، بداية تطبيق الطرق التجريبية في العلم في القرون الوسطى”.

والجدير بالتنبيه أن مفهوم الثقل النوعي (وهو نسبة وزن جسم إلى حجمه) لم يكن معروفا بهذا المعنى وبهذه الدقة قبل الخازني. فأسلافه استخدموا مفهوم الثقل النوعي بشكل ضمني. “وأول تعريف دقيق لهذا المفهوم يعود إلى الخازني”.
أما الكتاب الشهير الثاني للخازني، وهو “كتاب الزيج المعتبَر” فقد اكتَشف مخطوطته بمكتبة الفاتيكان المستشرق كارلو نالّينو Nallino (1872-1938) في نهاية القرن التاسع عشر. فكان ذلك بداية لدراسات مستفيضة عن أعمال الخازني لا زالت متواصلة إلى اليوم.

اقتبس الخازني في هذا الكتاب من مؤلفات أسلافه. ولفظ “المعتبَر” في عنوان الكتاب تعني أن حساباته تم التأكد منها بمقابلتها مع الأزياج (الجداول الفلكية) التي أنجزها غيرُه من العلماء. وقدّم هذا الكتاب الثري معلوماتٍ عن الكسوف والخسوف والرؤية. كما نجد فيه تواريخَ مهمة، وأيامَ الأعياد وسيَر الحكام والأنبياء، فلا غرو أن يسمى هذا الكتاب أيضا “جامع التواريخ”. وقد ترجم الكتاب إلى اللاتينية واستعمله خلال القرن 8هـ/14م، وبصفة خاصة من قِبل ثيودور مليتنيوتس Meliteniotes (1320-1393) الذي كان فلكيا باسطنبول في أواخر نفس القرن.

يقول المستشرق روبرت هول Hall إنه إذا كان من الصعب تحديد مكانة الخازني فإن ميزانه المائي لا يدع مجالا للشك بأنه يعدُّ -بوصفه صانع آلات علمية- من بين أكبر هؤلاء العلماء في كل زمان.

تلك هي شهادات العارفين من المستشرقين بفضل أبي الفتح الخازني على العلم والعلماء. فكيف نستغرب بعد ذلك في عبقرية هذا الزاهد؟!

مقالات ذات صلة

  • الله لا يزيد أكثر!

    الآن، عرفنا جميعا، وبدون استثناء، قيمة الحرية والطمأنينة والاستقرار النفسي والهدوء والسكينة وحرية التجوال والتنقل، من أي مكان إلى أي مكان آخر، وفي أيّ وقت،…

    • 1046
    • 4
  • كرامة الجزائريين خط أحمر..!

    تتداول مواقع التواصل الاجتماعي منذ أيام بالصوت والصورة مشاهد مؤلمة وصادمة وغريبة لمئات الجزائريين العالقين بمطار إسطنبول الدولي، وهم يصرخون وسط الرضّع والشيوخ والمرضى، يستنجدون…

    • 1484
    • 9
600

8 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • العاصمية

    مقال يحلق بك بعيدا حيث سماء المعرفة والفكر والعلم بلغة راقية ماتعة عذبة كأني أقرأ لأديب، لكنها لاستاذ رياضياتي مقتدر أتاه الله غيرة على تراث امته فنقل الينا عن بعض أعلامها وعرفنا بمناراتها العلمية بأسلوب مهذب رائع.
    احسن الله اليك استاذ يعد الله ودام قلمك الوفي، وحفظك الباري

  • أستاذ

    الحضارات بالطبع تأخذ وترتشف من بعضها ويستمر التطور و هكذا نحن الآن على أبواب الحضارة الصينية و التي تلي الحضارة الغربية
    هم أقصد الغرب كانوا يقرؤوا لنا بالعربية التي كانوا يفقهونها ونحن للأسف تجد في العلوم الانسانية والاجتماعية تقوقعنا وأهملنا اللغات وندرس طلبتنا إلا بالعربية ! ترى أي عولمة لجامعاتنا وأي تطور لنا بجهلنا علوم وقوانين الجنس الأصفر والغرب المتطور لأننا لم ندرس بلغته ونبحث علومه
    الجامعة الجزائرية متفوفعة مادامت مهملة للغات الحية خاصة في العلوم الانسانية والاجتماعية !!!

  • أبو يونس

    كعادته الأستاذ سعد الله يتحف القراء بما يجهل عن حضارتنا العربية الإسلامية …بارك الله فيك أستاذ خالد ورزقك موفور الصحة والعافية…

  • بوزياني عادل

    مقال رائع شكرا

  • فيزيائية

    بارك الله فيك استاذ، لكن اعلمكم اننا في السنة الرابعة فيزياء(مقرر تعليمية الفيزياء) في درس” دافعة ارخميدس” نتحدث عن العالم الخازيني وميزان الحكمة ومبدأ عمله.

  • عبدالله FreeThink

    أستاذ ، شكرا على المقال الجميل والشيق والمفيد ، بالمناسبة هل لك علم بالجرة التي كانت بالعراق والتي وجدوا أنها بطارية من نوع ما. لكن فقدت خلال الغزو… ماتفسيرك لذلك ؟ هل كان لديهم علوم عن الكهرباء؟
    وماتفسيرك أيضا للآلات التي كانت تصنع للترفيه والزينة وكان بعضها روبوتات من نوع ما وبعضها يحفظ الصوت (تسجيل صوتي مثل التكبير في أوقات الصلاة مثلا) ؟

  • أبو بكر حالد سعد الله

    إلى عبدالله FreeThink
    معذرة … فلا علم لي بهذا الموضوع.
    شكرا على الاهتمام.

  • احمد

    روعة لا فض فوك

close
close