-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"مافيا" التزوير تستغل "الفايس بوك" وأجهزة الرقابة بالمرصاد

صفحات ومجموعات بأسماء مموَّهة لبيع عملات مزوَّرة

مريم زكري
  • 2143
  • 0
صفحات ومجموعات بأسماء مموَّهة لبيع عملات مزوَّرة
أرشيف

يحذر حقوقيون من انتشار خطير لصفحات مشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي، تروّج لأوراق نقدية مزوَّرة وطرحها للبيع والتداول عبر “الفايس بوك”، وهو ما من شأنه الإضرار بالاقتصاد الوطني، وتوسيع نطاق الجريمة الإلكترونية عبر الفضاء الأزرق. وتتصدى الأجهزة الأمنية لهذه الشبكات التي تنشط بأسماء مموَّهة، وتشهد المحاكم تزايدا لهذا النوع من القضايا التي شدد المشرِّع الجزائري عقوبتها لتصل إلى السجن المؤبد.
تمثّل جناية تقليد أو تزوير أو تزييف الأوراق النقدية، أخطر صور الاعتداء المباشر على العملة، سواء الأجنبية أم الوطنية، وباعتبار هذه الأخيرة رمزا من رموز السيادة الوطنية، فقد أقرّ لها المشرِّع حماية قانونية خاصة، عبر تجريم كل اعتداء يقع عليها إما بالتقليد أو التزوير أوالتزييف.
وبهذا الصدد، كشف رجال قانون ومحامون لـ”الشروق” عن وقائع خطيرة، يروّج لها عبر مواقع وصفحات بالفضاء الأزرق، من خلال منشورات تروِّج لعمليات بيع الأوراق النقدية المزوَّرة، واستدراج الزبائن من أجل الاتفاق سرا على صفقات البيع.

مجموعات إلكترونية مغلقة لبيع “الأوراق المزيّفة”
وقد وقفت “الشروق” على بعض الصفحات والمجموعات عبر الفضاء الأزرق، تعمل على ترويج أوراق نقدية مزوَّرة عبر نشر إعلانات بيع. وخلال تصفّحنا بعض المنشورات المتضمنة صفقات بيع، لاحظنا وضع صور للأوراق المزيفة أو ما يعرف بـ”س12″، كشكل من أشكال التمويه، وإرفاق تلك المنشورات بشروط البيع وطريقة تسليم النقود المزيَّفة، مع تحديد أسعارها التي تتراوح بين مليون ومليوني سنتيم صحيحة لكل عشرة ملايين سنتيم مزوَّرة، كما تراوحت طلبيات بعض الزبائن ما بين 700 مليون ومليار سنتيم والضغط على المموِّن أو “المزوِّر” لتوفيرها في الوقت المناسب.
وتضمّ هذه المجموعات آلاف المنخرطين من مختلف الولايات، لمتابعة آخر أخبار وأسعار العملة المزوَّرة، أو تقديم اقتراحات للتواصل بينهم باستعمال عبارات مشفَّرة حول عمليات التزوير ونوعية الورق المستعمَل وكذا المُعدّات اللازمة لذلك.
وأظهرت بعض التعليقات التي اطّلعنا عليها بعد الولوج إلى مجموعةٍ تضم نحو 8 آلاف متابع، أن أغلب الصفقات مجرد عروض وهمية، تنتهي عادة بجرائم نصب واحتيال أو اعتداءات خطيرة، تطال بعض الزبائن من قبل تلك الشبكات، بعد استدراجهم بعروض بيع مغرية مع عرض صور للسلع المطلوبة، والاتفاق على أماكن محددة من أجل تسليمهم المبالغ المتفق عليها، إذ يتعرض الكثير منهم إلى حالات اعتداء وضرب بواسطة أسلحة بيضاء، بحسب ما تداوله العديد من النشطاء بالمجموعة.

مصالح الأمن تتصدى لشبكات الجريمة
وفي هذا الإطار، عالجت محكمة الجنايات بالعاصمة قضية تخص شبكة متكونة من 5 أفراد، كانت تعمل في مجال تزوير العملة وترويجها عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وتمكّنت مصالح الأمن من تفكيك مخططاتهم استنادا لصورٍ تم عرضها بحساب إلكتروني بالفايسبوك لمبلغ مالي مزوَّر قارب 40 مليون سنتيم.
المتهمون مثلوا أمام محكمة الجنايات بمجلس قضاء العاصمة، عن جناية تكوين جمعية أشرار وتزوير أوراق نقدية وتوزيعها، وقال المتهم الرئيس خلال استجوابه أمام الضبطية القضائية إن المبلغ المالي تلقاه كعربون مقابل بيع شقته، ليتراجع في ما بعد عن تصريحاته، وقال إنّه التقى رعية من جنسية مالية على شاطئ البحر عرض عليه شراء كوكايين، إلا أنه رفض الفكرة، فاقترح عليه أن يبيعه مبالغ مالية مزوَّرة من العملة الأجنبية والوطنية، لتتكون لديه فكرة تزوير الأوراق النقدية من فئة 1000 دينار و2000 دينار، وتم تنفيذ المخطط بالاستعانة بعامل في مقهى إنترنت تكفَّل بعملية التزوير، قبل أن تقرر المحكمة توقيع عقوبات تراوحت ما بين 15 و10 سنوات سجنا نافذا بحقِّهم.
وفي ملف آخر، أطاحت فرقة الدرك الوطني بالعاصمة مؤخرا، بعصابة إجرامية مسلحة تمتهن النصب عبر “الفايس بوك”، باستعمال صفحة خاصة لبيع مواد البناء واستخدامها غطاء لإبرام صفقات بيع مبالغ مالية مزوَّرة بالعملة الصعبة.
وتمكَّن أفراد العصابة من الإيقاع بضحاياهم بعد استدراجهم عبر عرض إعلانات لبيع العملة بـ”الفايس بوك”، والاحتيال على الزبائن بوضع مناديل ورقية داخل أظرفة بريدية وتسليمها للضحايا وإيهامهم بأنها الأموال المعروضة للبيع عبر الصفحة الإلكترونية الخاصة بهم.
وتم توقيف الجناة في آخر عملية لهم، قاموا خلالها باستدراج ضحيتين قدِمتا من ولاية داخلية نحو العاصمة، بعدما اتفقوا على موعد لشراء مبلغ من العملة الصعبة تم عرضه على فايسبوك، ولدى بلوغهما المكان المتفق عليه، صعد شخصٌ يدعى “ش. إسلام” إلى مركبةٍ كانا على متنها لتسليم ضحيتيه ظرفا بريديا معبَّأ بمناديل ورقية، ولدى محاولة الضحية الأول فتح الظرف للاطلاع على المبلغ المالي، بحسب اعتقاده، هجم المتهمون عليه باستعمال ساطور وسكاكين للاعتداء عليهما وسرقة أغراض ومبالغ مالية كانت بحوزتهما.

“حراڤة” أفارقة وراء ترويج العملات المزوَّرة
لم تعد آفة تزوير العملات بالجزائر تقتصر على مواطنيها فقط؛ فبعد تحوُّلها إلى دولة عبور للمهاجرين الأفارقة في السنوات الأخيرة، أضحى هؤلاء مصدرا لإغراق السوق الوطنية بالعملة المزوَّرة، بل حتى بالوثائق الرسمية وجوازات السفر.
ويكشف شريفية محمد، محام لدى المجلس، أن “التزوير بات أقصر الطرق للمهاجرين الأفارقة لكسب المال في الجزائر، خاصة بعد ارتفاع الطلب على العملات المقلَّدة، وأضاف المتحدث لـ”الشروق”، أن الكثير من الأفارقة بمجرد دخولهم عبر الحدود البرية الجنوبية، يشرعون في تكوين شبكات متعددة الجنسيات، من بينهم جزائريون، يعرضون “خدماتهم” في تزوير العملات وجوازات السفر، وبأسعار مغرية مباشرة لضحاياهم أو عن طريق استدراجهم عبر “الفايس بوك”، ويوضح الأستاذ أن هؤلاء استغلوا عروضا مغرية لتحويل العملة الصعبة، باستخدام بعض المحاليل الكيميائية أو باستخدام طقوس السحر أحيانا أخرى.
كما أن التحقيقات الأمنية -يضيف المتحدث- وعشرات القضايا التي طرحتها عدة محاكم عبر الوطن، كلها أثبتت تورُّط مئات المهاجرين الأفارقة في عمليات تزوير العملة لتغطية نفقاتهم بالجزائر، أو للهجرة من جديد نحو الضفة الأخرى، حيث ينشط هؤلاء ضمن شبكات مختصَّة تستعمل أجهزة ووسائل متطورة لطباعة هذه الأوراق المزوَّرة، ونسْخِها واستعمال محلول خاص كالزئبق الأحمر، يجعلها تشبه الأوراق النقدية الحقيقية ويتخذون من منازل ومحلات مستأجَرة ورشات لاستنساخ الأوراق النقدية المزوَّرة.

أوكار سرية لتزوير النقود
ويلجأ أغلب مزوِّري العملة إلى توفير أماكن وأوكار لتنفيذ جرائمهم، بعيدا عن أعين الأمن، من خلال تحويل منازلهم إلى ورشات سرية يتم فيها طبع النقود المزوَّرة، وهو ما تكشف عنه عشرات القضايا التي تعالجها المحاكم يوميا، خاصة أمام محكمة الجنايات التي تستقبل ملفاتٍ ثقيلة تخص جريمة التزوير الذي يطال العملة، من بينها ملف تورط أفراد شبكة وطنية لتزوير أختام وزارات ومؤسسات عمومية والنقود والمتاجرة في المخدرات، تتزعمها سيدة وزوجها، وقد راح ضحيتهما مصالح بلدية محمد بلوزداد بالعاصمة والمركز المهني لبلدية الحمامات التي تأسّست أطرافا مدنية بعد العثور على وثائق مزوَّرة تحمل أختام هذه المصالح الإدارية بمنزل أحدهم.
ونقلا عما تضمَّنه ملفُّ القضية، فقد تمكنت مصالح الأمن من الإطاحة بشخصين اشتُبه في تحركاتهما بعد تلقي معلومات من مجهول، واستطاعت استغلالا لذلك حجز 136 ألف دينار مزوَّرة في أثناء توقيفها، وكذا حجز وثائق رسمية بمنزل متهم ثالث، وتبيَّن لاحقا من خلال التحرِّيات التي باشرتها مصالح الضبطية القضائية أن المشتبه بهما ينشطان ضمن شبكة وطنية تضم سيدة حوّلت رفقة زوجها منزلها الكائن بمنطقة الحمامات إلى ورشة لتزوير الأوراق النقدية، كما أن الشبكة التي تضم 11 عنصرا سبق وأن نشطوا في تجارة وترويج المخدرات، واتخذت المجموعة من تلك الشقة ورشة لتنفيذ عملياتها الإجرامية.
وحاول المتهمون خلال توقيفهم إخفاء أدوات ومعدات كانت تستعمل في تزوير الأوراق النقدية بمجرد مشاهدة عناصر الشرطة تقترب من المنزل، وتم حجز 136 ورقة بيضاء كانت مجهَّزة للتزوير، ثلاث منها منسوخة من جهة واحدة لورقة ذات فئة 1000 دينار، واثنتان من جهتين لنفس الفئة، كما تم استرجاع آلات ناسخة، وشهادات مدرسية، ووثائق للحالة المدنية تبيَّن أنها مزوَّرة، واتضح أن العصابة تمكنت من طرح ما يفوق 46 مليون سنتيم مزوَّرة للتداول على مستوى شارع طرابلس بحسين داي.

بهلولي: المؤبّد للمزوِّرين
وفي هذا السياق، أكد المحامي إبراهيم بهلولي لـ”الشروق” أن التعديلات الأخيرة التي مست باب التزوير من خلال تشديد العقوبات ضد المزوِّرين كانت في محلها، باعتباره من الجرائم المادية التي تطال عادة المحررات الرسمية والمصرفية وحتى الأوراق النقدية، موضحا أن هذه العصابات الإجرامية اتخذت التزوير مكسبا غير مشروع للمال، يكون بطرق احتيالية وتدليسية.
ونبّه بهلولي إلى أن مثل هذه الجرائم أصبحت خطيرة بدرجة أكبر بعد استخدام وسائط التواصل الاجتماعي لترويجها، واتخذت أبعادًا أخرى إذ أصبحت تصنف ضمن خانة الجرائم الالكترونية، إضافة إلى ممارسة النصب والاحتيال من خلال عرض هذه النقود المزيفة على الغير من دون الإفصاح عن حقيقتها، قائلا إن عملية بيع الأوراق النقدية المزوَّرة والعملة الصعبة عن طريق المواقع الافتراضية، تفتح المجال لارتكاب جرائم أخرى مثل النصب والاحتيال وتكوين جمعية أشرار.
وبخصوص العقوبات التي أقرَّها المشرع الجزائري ضد المزوِّرين، فتتراوح، بحسب بهلولي، بين الحبس غير النافذ مدّته بين عامين وخمس سنوات بالنسبة للقضايا التي تُعرض على قسم الجنح، وفي حالة التشديد وإحالة الملفات أمام محكمة الجنايات، فتتراوح العقوبة المسلطة على المتورطين بين عشرين سنة والمؤبد، خاصة بالنسبة للقضايا التي يتورط بها أجانب ويتوفر بها ظرف التعدد أو تكون جريمة عابرة للحدود.
وأشار بهلولي إلى أن جرائم التزوير المتعلقة بالعملة، تعالَج أمام محاكم الجنايات إذا كانت المبالغ محل الحجز كبيرة، إلى جانب حجز المعدات الحديثة المستعملة في عمليات التزوير والاستنساخ.

الآفة في تصاعد
من جهته، قال شريفية محمد، محام لدى المجلس، إن ظاهرة عرض العملة المزوَّرة للبيع ببعض المواقع والصفحات، تشهد تصاعدا رهيبا؛ إذ يعمل مروجون في شكل عصابات على طرح “سلعتهم” للبيع أو ما يعرف بـ12س، للتمويه ويتم عرض الأسعار وشروط الصفقة قبل إبرامها وقد تصل أحيانا إلى قرابة مليار سنتيم.
وطالب المحامي بضرورة التحلي بثقافة التبليغ وإخطار مصالح الأمن حول مثل هذه التجاوزات الخطيرة، في حال الاشتباه بصحة أي ورقة نقدية يتسلّمها الشخص، وذلك نظرا لسهولة معرفة الفرق بين القطعتين في حال ما إذا كانت مزوَّرة أو العكس، ودعا المتحدث إلى فحص أي ورقة نقدية مشكوك بها جيدا، قبل استعمالها، حتى يتفادى تورطه في جريمة تداول أوراق نقدية مزوَّرة، والمساهمة في الحملات الأمنية لتفكيك هذه الشبكات والعصابات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!