-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صورة الكيان في حربه على الصورة

عمار يزلي
  • 554
  • 0
صورة الكيان في حربه على الصورة

العدوان الغاشم غير الإنساني وغير الأخلاقي الذي تجاوز كل الأعراف وكل القوانين الإنسانية والدولية، لم يسبق له مثيل في عصر الصورة والانترنت والبث الحي عبر الأقمار الصناعية في اللحظة والثانية وعبر الهواتف الذكية. مع ذلك، يجد الكيان نفسه مجبرا على إعلان حرب موازية لا تقل فظاعة عن الصورة وحامل وناقل الصورة ومصور الصورة.
لم نشهد فظاعة أكبر مما شاهدنا في غزة، ثم في الضفة بعد تحرير الأسرى.
حرب الكيان ضد الصورة، هي حرب الضعيف الخائف من اكتشاف الفضائح رغم التغطية عليه مخافة التعرية، إذ راح يروج لأطروحاته ورواياته التي لم تعد تنطلي على أحد حرّ في العالم إلا من أبى وبغى وأمعن في تغطية الشمس بالغربال وعدم الرغبة في معرفة الحقيقة وصم آذانه وأعمى أبصاره مخافة أن تصدمه الحقيقة الحارقة المرة المؤلمة والقاتلة.
بعد التعتيم الإعلامي على الجرائم غير المسبوقة في حق المدنيين والأطفال والنساء في غزة وضد البنية التحتية التي تحميها القوانين والأعراف الدولية من مستشفيات وأطقم طبية وإسعاف، ومدارس ومراكز لجوء، ومصادر مياه وأسواق ومخابز، والتي استهدفتها كلها ترسانة الكيان الإسرائيلي في ألعن حرب على شعب أعزل في تاريخ العالم “المتحضر”، على مرآى ومسمع منه بعد أن اتبع سياسة القرود الثلاثة: “المغمض لعينيه، المغلق لأذنيه، المطبق على فمه”، بعد كل هذا.. والذي لم ينته بعد، ومازالت الفظائع تنكشف وأخرى تحت الأنقاض ستظهر يوما جلية لأعين فاعليها والمتسبِّبين فيها والساكتين عنها.. بعد كل هذا، تبدأ حرب الصورة في الضفة ضد الفرح، حرب ضد لحظات رؤية دموع الفرح، التي كان الكيان يريدها دوما دموع قرح تشفيا ونكاية واستمتاعا كأي مريض نفسي ساديٍّ يستمتع بمشاهدة معاناة الآخرين.
تكشّف وجه الكيان القبيح في كراهية ومحاربة صورة كل شيء جميل حتى الفرح، حتى مظاهر الاحتفال باستقبال الأحباء العائدين من سجون الاحتلال، لامرأة تحتضن وحيدها بعد سنوات من الاعتقال، ومن فتاة عادت امرأة، من احتضان أمها، من رؤية الحلويات في بيوت المستقبِلين زوار العائلات والجيران، ومظاهر البهجة المنقوصة وصورة الفرح المكبوت المقهور الممزوج بالقهر والضيق والنكد على فقدان الأعزَّاء والأهل والأصدقاء والجيران وفي غزة الجريحة والمجازر المروِّعة في حق الأطفال والنساء والمدنيين والمرضى والمصابين في المستشفيات، وحرب المستشفيات، ضد الخدّج والأطقم الطبية.. وضد الشجر والحجر..
صورة الكيان وهو يحارب طواحين الهواء على الهواء، على كل الجبهات كأي حيوان مسعور، جريح الكبرياء، مقهور المعنويات على يدي فتية غزة الأشاوس: يحارب مظاهر الحياة ويحارب الصورة الجميلة والفرح والأخلاق باسم “الأخلاق”: أخلاق من لا خلاق له ولا ضمير ولا إنسانية.. أخلاق الغاب.
صارت الصورة في زمن الصورة، هي الهدف، ولكنها أيضا هي المستهدَف: لا يراد للصورة، ولو كانت مهزوزة ومشوهة وضعيفة المحتوى والإقناع، أن تكون لهم وحدهم، ولا يراد لغير الصورة التي يفبركونها عن أنفسهم وعن غيرهم، أن تنشر أو أن تصدر أو تروَّج أو تباع أو تشترى، فالحقيقة تُزعج، لا بل تقتل وتمسخ الصورة التي يريد الكيان أن يسوِّق بها صورته الملمَّعة بمساحيق التجميل الغربي العالمي، تجميل دام طويلا، لكن ليس دائما ولا للأبد، وهاه و العدوان، يكشف عن وجهه القناع: صورة الوحش المختفي خلف جلد الإنسان والأخلاق والإنسانية. الصورة، التي تمحي الصورة، الصورة الحقيقية بالألوان، التي لا يمكن أن تعوض أو تلغي النسخة بالأبيض والأسود، ولا أن تبيّض الأفعال السوداء أبدا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!