-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صور وشهادات من جنبات الحرمين الشريفين

عبد المجيد البركة قدي
  • 586
  • 0
صور وشهادات من جنبات الحرمين الشريفين

شاءت إرادة المولى أن أجدد العهد مع البقاع المقدسة لأداء عمرة في شهر الله شعبان من هذا العام، وهذا بعد انقطاع دام أعواما. ساهمت فه جائحة كورونا وموانع أخرى. وإن كان من فضل لهذا الانقطاع، فإن له فضل السماح لي بالمقارنة بين أوضاع البقاع المقدسة قبل سنوات ليست بالبعيدة ووضعها اليوم؛ لأقف على جوانب التطور والتغير، والذي كما بدا كانت عميقة وجوهرية، حيث استطعت أن أرصد مجموعة من الصور والمشاهد، لعل أبرزها:

  • التوسعة الكبيرة التي مازالت أشغالها قائمة بالنسبة للمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف. ففي المسجد الحرام بالإضافة إلى توسعة المطاف، هناك الكثير من الإضافات المكانية وإقامة أبواب ومآذن جديدة تصدح بالأذان وقراءة القرآن، فضلا عن إضافة العديد من الطوابق وتهيئةساحات ومرافق جديدة. وبهذا يستطيع رواد البيت العتيق أداء طوافهم في أكثر من مستوى؛ مما يتيح استيعابا أفضل للتدفقات البشرية. ومما يسترعي الانتباه في هذا الجانب، الإدارة الدقيقة لتسيير التدفقات البشرية نحو صحن الطواف، بالحرص على تمكين المحرمين دون غيرهم من الولوج إلى الصحن، للتوسعة على الطائفين وللمحافظة على الأنفس من مخاطر الزحام؛ وربما الآثام الناجمة عنه. ومن الإنصاف، لابد من الإقرار بأن إدارة التدفقات البشرية تعتبر من أعقد القضايا، لأنها تقتضي التعامل مع المورد البشري بما يراعي ظروفه والحفاظ على كرامته وإنسانيته. ولا يتم اعتماد إدارة التدفق البشري فقط للتحكم في الولوج إلى صحن الطواف؛ وإنما في كافة المداخل المؤدية إلى البيت العتيق، بما يضمن توازنا في الاستيعاب بين مختلف أرجائه وجهاته وطوابقه، فضلا عن ساحاته. وفي اعتقادي، أن لهذا الأمر صلة بإدارة المخاطر والتقليل من آثار وانعكاسات الطوارئ المحتملة. وهذا باستلهام الأحداث والكوارث الماضية، خاصة في رمي الجمرات، باعتبار أن الأزمات مصدر للإبداع والالهام.
  • إعادة تهيئة الفنادق المحيطة بالحرمين الشريفين، وفق نماذج عمرانية، راعت القدرة على الاستيعاب ليكون أكبر عدد من الحجاج والمعتمرين قريبا من الحرمين، مع الحرص على معايير السلامة والأمان، وتزويد هذه الفنادق بأحدث ما جادت به التكنولوجيا المعاصرة لضمان الراحة وجودة تقديم الخدمات، وتيسير سرعة الانسياب نحو الحرمين.
  • وتنتمي هذه الفنادق في عمومها إلى السلاسل الفندقية العالمية الرائدة، ما جعلها تتوفر على قاعات رياضية، قاعات مؤتمرات، مطاعم متعددة تراعي تنوع أذواق ورغبات المقيمين الوافدين من مختلف أصقاع العالم الإسلامي… إلخ. ويدخل تجديد الفنادق ضمن ترشيد استثمار الأوقاف وتحسين مردوديتها، لأنها أقيمت في الغالب على أراض وقفية يذهب ريعها لخدمة الحرمين والانفاق في شؤونها.
  • الاتجاه نحو المزيد من الاهتمام بالاستثمار الروحي والثقافي، وشاهد ذلك إقامة متاحف ضخمة؛ منها متحف السيرة والسنة بجوار المسجد النبوي، ومتحف الوحي أسفل جبل حراء أين كان المصطفى يتحنث وحيث نزل عليه فيه الوحي للمرة الأولى. وهو ما يضفي على هذه المتاحف بعدا روحيا فضلا عن بعده الثقافي والعلمي. والمبهر، أن هذه المتاحف تستخدم أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الأحداث والمواقع ومحاكاتها، وتبرز التطور العمراني والحضاري الذي شهدته بلاد الحرمين. ولا تقف هذه المتاحف عند حدود الجوانب الاستعراضية؛ وإنما هي زيادة على ذلك مراكز بحث تعمل على التنقيب في كل ما له علاقة بحياته المصطفي وسيرته وتفاصيل حياته وعلاقاته المجتمعية والأسرية. وهو ما أتاح إنتاج موسوعات متعددة عكست صفاء الرسالة المحمدية وشموليتها. كما بينت دقة تدوين الوحي وتاريخ العناية بالمصحف الشريف وترجمة معانيه إلى مختلف اللغات والألسن؛ ما ييسر نشر الهدي الإلهي، وتسهيل فهمه. ويعتبر هذا المسعى معركة كبيرة وتحديا عظيما أمام الأمة الإسلامية في عصر يعرف انفجارا في إنتاج المعلومات، التي يحمل جزء كبير منها كل صنوف العداء للإسلام ورميه بما ليس فيه، فمعركة المعارك هي المعركة الفكرية الحضارية.
  • إعادة تأهيل العديد من المواقع الأثرية التي ترمز إلى أحداث بارزة في تاريخ الإسلام، التي كانت مهملة لردح من الزمن نتيجة الغفلة عن مدى أهميتها في الذاكرة الحضارية للأمة، التي يمكن الاستفادة منها كرافد اقتصادي وسياحي، كما هي الحال في مدينة أحد بإعادة تهيئة المواقف وإقامة مسجد ضخم، وعدم الاقتصار على جبل الرماة ومكان دفن الصحابة رضوان الله عليهم؛ إذ نجد الأشغال جارية لترميم مسجد الفسح الذي صلى فيه الرسول مع عدد من صحابته جلوسا، لما تعرضوا له من الجروح والطعن. وهو مسجد في منطقة أحد مجاور لجبل شق المهراس. وهو الشق الذي احتمى فيه الرسول في غزوة أحد. ومن باب الاعتراف، أقر بأنه بالرغم من اهتمامي بالسيرة ودراستها، لم أقف على قصة هذا الشق والمسجد إلا بعد وقوفي عليه في واقع العيان. وتكاد معظم المواقع الإسلامية الأثرية تكون عبارة عن ورشات للترميم أو التوسيع أو إعادة التأهيل كما هو الحال في ميقات ذي الجحفة (أبيار علي)، ووقف الخليفة عثمان بن عفان، مقر قطار الحجاز العائد إلى العهد العثماني…
  • تطور البنية التحتية ذات العلاقة بالنقل من خلال انجاز مشروع قطار الحرمين والربط بين مكة ومشاعر منى وعرفات، مكة والمدينة، مكة وجدة… فضلا عن التطويرات والتحديثات التي أدخلت على مطار جدة باعتباره المطار المستقبل لزوار الحرمين، وإقامة الأنفاق والجسور المحيطة بالحرمين لتسهيل حركة المرور، لكون البنية التحتية هي مفتاح ممارسة الأعمال وتيسير حياة السكان.
  • الحضور المتزايد للمرأة في الحياة العامة وفي الأعمال، سواء في مهام التوجيه، الإرشاد، الاستقبال السكريتارية، تقديم الخدمات… وفي هذا مسعى لتغير الصورة النمطية عن المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية، خاصة الخليجية منها. وهذا ما يساعد في الاستفادة من مختلف القدرات والطاقات البشرية المتاحة للمجتمع من الجنسين، باعتبار أن الاستثمار الحقيقي لأي مجتمع هو الاستثمار في المورد البشري لكونه عنصر التنمية المستدام. ومما استوقفني في أثناء محادثتي مع كبير الطهاة، وهو من جنسية مصرية، تقديمه لي سيدة محتشمة كانت ترافقه على أنها مديرة التسويق والعلاقات العامة بالفندق المذكور، ونفس الأمر شاهدته في ذات الفندق أن القائمة على برمجة الهواتف على الشرائح السعودية وإصلاح أعطاب برمجيات الهواتف وأعطالها الفنية فتاة متحجبة سريعة في الإنجاز، وما وقفت عليه في فندق آخر هو أن منصات الاستقبال الفندقية تكاد تسيرها النساء. ويتم هذا ضمن التزام شرعي وأخلاقي رفيع. وأعتقد أن هذا المسار يساعد في تقليص الفجوة بين التصور الشرعي والممارسة الفعلية فيما يتصل بدور المرأة في المجتمعات الإسلامية، فهي مثلها مثل الرجل فاعل اقتصادي واجتماعي، وليست مجرد ديكور مجتمعي، كما يتخيله الكثير من ذوي الأفكار السقيمة.

هذه وقفات سريعة من أرض الحرمين الشريفين، تجعلنا نخلص إلى أن المحافظة على قيم الإسلام والقدرة على أداء شعائره تتطلب منا الانخراط في عالم المعرفة والتحكم في أسباب التكنولوجيا؛ بما يسمح بتطويعها لخدمة المجتمع، كما أن الأمة الإسلامية في عمومها، خاصة البقاع المقدسة، تنام على كنوز تراثية متفردة لو تم استغلالها بشكل جيد، لأسهمت في إنعاش السياحة وتحريك القطاعات الاقتصادية الأخرى، كالنقل، الفندقة، الصناعة التقليدية، الصناعة الثقافية… كما يصعب تحقيق أي إقلاع اقتصادي ما لم يكن ضمن رؤية استشرافية تحدث الانسجام بين مكونات الاقتصاد وتعمل على استغلال موارده بشكل عقلاني، ضمن أفق يراعي الديناميكية العالمية لضمان القدرة على المنافسة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!