الجمعة 16 نوفمبر 2018 م, الموافق لـ 08 ربيع الأول 1440 هـ آخر تحديث 22:57
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

ما تزال المدينة الأثرية طبنة الواقعة في إقليم دائرة بريكة بباتنة تبحث عن نفسها في أعماق الأرض، وهي التي صنعت التاريخ على مر العصور والدهور، فهي التي ارتكز عليها الرومان، وكان لها حضور بارز في العهد الإسلامي، وأنجبت فقهاء ومشايخ وشعراء كبار أمثال إبراهيم الطبني وزيادة الله الطبني وأبو مروان عبد الملك بن زيادة الله وغيرهم، في الوقت الذي يشتكي الكثير من تقصير الجهات الوصية في حمايتها والتنقيب عن كنوزها، فكانت النتيجة أن غرقت في حقول الإهمال على مر العشريات السابقة.
أقدمت خلال السنتين الأخيرتين، بعض الجهات بمحاولات لنفض الغبار عن تاريخ وكنوز مدينة طبنة الأثرية الواقعة في بريكة بباتنة، وذلك بعد ما عاشت تهميشا يزيد عن 30 سنة، وتأتي هذه الخطوة موازاة مع تأسيس جمعية تواصل للثقافة والإعلام ببريكة، بنية حماية آثار هذه المدينة التاريخية، وتنظيم حملات توعية بالمؤسسات التعليمية لمختلف المستويات الدراسية، مع إقامة ملتقى وطني تأسيسي حول تاريخ مدينة طبنة، إضافة إلى جمع مختلف القطع الأثرية المختلفة من منازل المواطنين وعلى حواف الطرقات، وفتح متحف أثري في المركز الثقافي الشهيد أحمد بن علية ببريكة. وحسب الدكتور جعيل أسامة الطيب، فإن أول خطوة تمثلت في إيفاد لجنة من الخبراء من المركز الوطني للبحث الأثري بالتنسيق مع عدة جهات، وقامت بتحديد مساحة مدينة طبنة الأثرية التي تقدر حسبه بحوالي 590 هكتار، أي تزيد عن مساحة مدينة تيمقاد بـ07 مرات وعن مدينة جميلة بـ12 مرة، كما وافقت وزارة الثقافة حينها على الشروع في التنقيب عن آثار المدينة من طرف وفد يقوده البروفيسور مصطفى فيلاح، مع القيام بتسييجها وتحديد معالمها وإحداثياتها ومساحتها، كما تم تنظيف المعالم البارزة للمدينة، مثل الخزان المائي الروماني والحمام الروماني والقصر البيزنطي والإسلامي، مع زيارة مناطق أثرية مختلفة تعتبر امتدادا للمدينة، مثل كهف الرومان الذي بني بحجارته مدن رومانية قديمة مثل هيبون -عنابة- وصالداي -بجاية- وتم في مشتة الصفر تنظيف الردهة الأثرية التي ظن الكثير سابقا أنها فرن، لكن بعد الدراسة تبين أنها إما مسكن قديم أو مخزن صغير.

حكاية مدينة ضاربة في عمق التاريخ تشكو التهميش والإهمال

تعد طبنة الأثرية من المدن القديمة الضاربة في عمق التاريخ، حيث تذكر المصادر التاريخية أنها ظهرت للوجود منذ سنة 30 ق.م، وقد شيدها الرومان إبان حكم الإمبراطور ترايانوس (تراجان 98-117 م)، مشكّلة حصنا وقلعة عسكرية تحمي حدود الدولة الرومانية من ثورات السكان المحليين، ليتوسع عمرانها بشكل أعطاها رتبة قرية (مونيكيوم) أوائل القرن الثالث ميلادي، وتصبح فيما بعد عاصمة للإقليم خلال القرن الرابع ميلادي، حيث أطلق عليها الرومان تسمية على شط الحضنة، وقد برز دور مدينة طبنة وأهميتها بعد تراجع خط الليمس الرومان، وإخلاء المراكز العسكرية المتقدمة من طرف الرومان، مثل قلعة ديميدي (مسعد) والتركيز على دعم حصون ومدن الحضنة، فتحولت مدينة طبنة كمقر للقيادة، حيث أقام بها الكونت بونيفاس الذي أشرف على تسيير الجيوش منها، وهذا وفق ما أكده القديس أوغسطين في كتابه بعد زيارته للمدينة سنة 422 م. ويؤكد الدكتور جعيل أسامة الطيب أنه بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية واجتياح الوندال للبلاد حاول البيزنطيون إعادة إحياء مجد الإمبراطورية الرومانية القديمة واستعادة أراضيها، فأعادوا ترميم مدينة طبنة وأقاموا القلعة على أنقاض القلعة القديمة سنة 540 للميلاد، وجعلوها مركزا لحماية المناطق المقابلة للسفوح الجنوبية للأوراس.

مر عليها عقبة.. ساهمت في تأسيس الدولة الأغلبية وعانت في عهد الفاطميين

وغداة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب تذكر المصادر التاريخية أن الصحابي عقبة بن نافع أقام في طبنة خلال عودته من طنجة، حيث سرح الجيش المحمل بالغنائم إلى القيروان قبل أن يتحرك رفقة من معه من الجند ناحية بادس، وهنالك لقي حتفه قرب تهوذة بنواحي بسكرة، أما استكمال الفتح فكان على يد موسى بن نصير سنة 81 للهجرة. وحسب الدكتور جعيل أسامة الطيب، فقد ظهر دور المدينة أثناء عصر الولاة، بعد تحولها لعاصمة بلاد المغرب بعد سقوط القيروان على يد الخوارج سنة 141 للهجرة، ثم تحولت كعاصمة لإقليم الزاب الشاسع، وعين الوالي محمد بن الأشعث الأغلب بن سالم التميمي كوال للمدينة عام 144 للهجرة، وبعد وفاته تم تعيين الوالي عمر بن حفص الذي تفطن لدور المدينة في حماية القيروان، فأعاد ترميمها وبنائها سنة 151 للهجرة، وخلالها تعرضت المدينة لحصار من طرف رؤساء ودعاة الخارجية ببلاد المغرب سنة 153 هجري، ما جعل الخليفة هارون الرشيد يعين واليا مباشرة من بغداد للمدينة. وكان لمدينة طبنة دور بارز في تأسيس الدولة الأغلبية سنة 184 للهجرة على يد إبراهيم بن الأغلب الطبني التميمي، لتبرز الدولة الفاطمية على ساحة بلاد المغرب وتستعصي المدينة على جيش الداعي الشيعي الذي حاصرها لمدة عام، واستعملت الدبابة لاختراق سورها القوي، هذه المقاومة الشرسة إن صح التعبير وسكن قبيلة زناتة السنية ورفضها للدعوة الشيعية ما حذا بالفاطميين إلى بناء مدينة المسيلة (المحمدية) كعاصمة للإقليم، وتراجع دور طبنة فيما بعد إلى غاية تأسيس الدولة الحمادية ووقوع المدينة ضمن مجالها الجغرافي.

أنجبت مشايع وفقهاء وشعراء في العهد الإسلامي وابن خلدون غيّبها

وتؤكد بعض المصادر أن مدينة طبنة وعدة مناطق كانت محل صراع كبير بين حماد وابن عمه المعز أدى إلى هجرة السكان من المنطقة، على عكس بعض المصادر التي تقول أن قبائل بني هلال هي من دمرت وهجّرت سكان المدينة، وهذا على ضوء كتاب العبر لابن خلدون، أما المصادر الجغرافية التي زارت المدينة أثناء تواجد قبائل بني هلال فتشير إلى غنى المدينة بشتى المحاصيل الزراعية والمائية التي مونت مختلف مدن بلاد المغرب، ويشير الدكتور جعيل أسامة الطيب بأن مدينة طبنة أنجبت في عصرها الذهبي أسرا علمية نشرت العلم مشرقا ومغربا، منهم القاضي ومنهم الفقيه ومنهم الشاعر وغيرهم أمثال إبراهيم الطبني وزيادة الله الطبني وأبو مروان عبد الملك بن زيادة الله وأمثالهم كثير، مضيفا بأن مدينة طبنة اختفت من الكتابات التاريخية الجغرافية خلال عهد ابن خلدون الذي يقول: “… وبلاد الحضنة…”.
وبعيدا عن هذه القراءة التي تعكس تحولات مدينة طبنة، من عصر الرومان إلى العهد الإسلامي، إلا أن الكثير يجمع على الموروث الكبير الذي تحتفظ به هذه المدينة المنسية، ما يتطلب حسبهم ضرورة تدخل الجهات المعنية لرد الاعتبار والاستثمار فيها سياحيا ومعرفيا، بغية التعرف على خباياها والتعريف بتاريخها وأبرز محطاتها وتطوراتها على مر السنين.

https://goo.gl/CpjR1j
المدينة الأثرية طبنة باتنة دائرة بريكة

مقالات ذات صلة

18 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • العباسي

    هاته الاثار غادي المخزن يدير جوان متين و يصرح انها كانت في المخرب وسرقوها الجزائريين والكذبه سيصدقاها الخليجيين هههههههههههههههههههه

  • Crime et Chatiment

    S’agit-il d’une conquete ou d’un envahissement quand tu parles de Okba
    ne faussez pas l’HISTOIRE nous sommes au 21e siècles et n’induisez pas les gens en erreur

  • علي الجزائري

    الاخ الصالح، لا تتعجب من التفريط في أمجاد تاريخنا العظيم والمتنوع، فامجاد الجزائر تم تهميشهم وهم احياء في اعالي المجد في العالم…
    أمة لا تعرف الماضي وتتغافل عن الحاضر لا يمكن أن تصنع المستقبل..يجب أن تتبدد الرداءة التي تغتال التاريخ وتخنق الحاضر وتبث اليأس في المستقبل….

  • elrarib

    يوجد روايتان الأولي لبن خلدون و الثانية للمؤرخين جيد جدا .السؤال الذي يطرح نفسه يا صالح سعودي أخذت باثانية و لم تأتنا بدليل واحد أنه هو الحق برغم أن بن خلدون يدرس في جل جامعات العالم إلا في الجزائر

  • بقام، الجزائر

    هناك بعض الملاحظات اسجلها لعلها تفيد الكاتب والقراء.
    هيبون وصلداي هي مدن اسسها الفيتيقيون وأكمل توسعتها الرومان. عبارة تسمية على شط الحضنة غير مفهومة، علما بأن كلمة الحضنة ظهرت فقط خلال العصر الإسلامي وتحديدا بعد استقرار القبائل العدنانية في المنطقة والمعروفة ببني هلال. كلمة بلاد الحضنة لم يخترعها المؤرخ ابن خلدون بل كان يعبر عن واقع قائم فتسميتها ظهرت في عصره. طبنة كانت مقر حكم للدولة الأغلبية وسقطت بسقوط هذه الدولة على يد الشيعة الفاطميين، الشيعة هم من دمروها. فلا علاقة لاستقرار القبائل العدنانية في المنطقة بسقوطها.
    – استقرار القبائل العدنانية كان بجوار قلعة بني حماد عاصمة الدولة الحمادية.

  • بقام، الجزائر

    تتمة للتعليق السابق، اقول:
    الفاتح الاسلامي موسى بن نصير لم يصبح واليا على بلاد المغرب إلا بعد سنة 700 م . القائد المسلم الذي تولى قيادة الفتوحات سنة 681م هو عقبة بن نافع للمرة الثانية وهي السنة الاي قتل فيها علي يد تحالف قاده الروم بمشاركة بعض قبائل البربر . القائد المسلم الذي خلف عقبة بن نافع هو زهير بن قيس البلوي ووصل في حدود سنة 686 م وليس 681م . بعد وفاة زهير تم تكليف الفاتح المسلم حسان بن النعمان لقيادة الفتوحات ووصل في حدود سنة 698م، بعده فقط جاء دور موسى بن نصير ….

  • كتامي

    لا ننس أن بنو هلال هم رعايا الدولة الفاطمية كانوا أعرابا مشكوك في عدنانيتهم مهمشين في الصعيد رحلوا من مصر إلى الجزائر لمعاقبة صنهاجة لخيانتها للفاطميين وتملقها للخلاقة العباسية هذا كل ما في الأمر وأما كتامة فأغلبهم مقيم اليوم في مصر لوفائهم للفاطميين وتشييدهم للقاهرة المعزية والأزهر الشريف الذي هو أعظم أثر للحضارة الفاطمية الكتامية وأما زناتة فمعروفين بنزعتهم الخارجية منذ الرستميين هذا هو التاريخ

  • Nacer

    Marinat tobna fi baladiat bittam wa laiyssa fi barika ya si saoudi

  • بقام، الجزائر

    الكتامي،

    كاتب المقال لم يتعرض لكتامة فما دخل تعليقك في الموضوع. كنا نتمنى أن تكون مساهمتك حول دور مدينة طبنة في التاريخ…بالنسبة للقبائل العربية العدنانية في الجزائر وعموم بلاد المغرب هم من أصول عدنانية وهذا أمر غير قابل للنقاش. نفي عدنانيتهم يعني نفي عدنانية السيدة حليمة السعدية مرضعة المصطفى عليه الصلاة والسلام وهي هلالية مثلها مثل ام المؤمنين زينب زوجة رسول الله وهي كذلك هلالية . و الأمر نفسه بالنسبة للامازيغ حيث ان وجودهم غير قابل للنقاش..هذه أمور تاريخية استقرت ومتفق عليها ونحن لسنا بصدد مناقشة من هم العدنانيون او من هم الأمازيغ، الجميع جزائريون بغض النظر عن الأصول.

  • محمد☪Mohamed

    هدا هو أصلي طبنة لا أمازيغي و لا عثماني ولا عربي ولا إفريقي أنا روماني
    ماشي عيب كما غاذي يفهم البعض لي الله غالب عليه

  • الجيجلي

    أنا كتامي من جهة الام وأما من جهة الأب فأنا من قبيلة قيس العربية فخور بأمازيغيتي وعروبتي ولكنني لا اقبل ان يفتخر علينا المصريون بما ليس لهم من اثار الفاطميين ونخجل نحن بهذا الارث الحضاري العظيم هذا جهل ما بعده جهل يكفي الفاطميين فضلاً ان سنوا لنا سنة المولد النبوي الشريف الذي احتفل به رسميا زمن الخليفة الفاطمي المعتز لدين الله جازاه الله خيرا ولا زالت مصر الأكثر احتفالا به الي الْيَوْمَ كل هذا بفضل اجدادنا الكتاميين

  • بن طبنة

    المؤكد تاريخيا هو ان بنو هلال هم احفاد للقرامطة في الأصل ولكنهم غيروا مذهبهم في الجزاير لتولي مناصب رسمية في الجيش الموحدي فصاروا مع الوقت سنيين على الأقل في الظاهر كونهم حافظوا في تقاليدهم الاسرية وثقافتهم الدينية على الموروث الفاطمي الى الْيَوْمَ فعليهم الا يخجلوا من ذلك كونهم انصهروا في المجتمع الجزائري وصاروا مواطنين اوفياء للبلد الذي استضافهم ولو عنوة

  • محمد بدرو رحماني

    نتمنى من السلطات المحلية و الوزارة الوصية الإسراع في تنفيذ الوعود فيما يخص عمليات التنقيب و الشكر موصول ليك استاذ و للدكتور أسامة جعيل بصفة خاصة .

  • مبارك الميلي

    آن الاوان لكي نهتم بتراثنا الفاطمي العريق هنا في ميلة أين كان مقر دعوتهم ومنه انطلاقتهم الي تونس ومن ثم مصر لماذا هذا التعتيم على صفحات مشرقة من تاريخنا فالذي تركناه غنيمة للمصريين بل يحق للجزائر ان تطالب بالاشراف على مؤسسة الأزهر باعتباره تركة فاطمية جزائرية الأصل

  • بقام، الجزائر

    واجب التصحيح،

    اعتذر عن الخطأ الوارد في تعليقي رقم 9 ، كنت اقصد أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث زوجة الحبيب المصطفى عليه أطيب الصلاة وأفضل السلام وليس ام المؤمنين زينب أم المساكين…فميمونة هي بنت الحارث بن حزن بن بجير بن هزم بن رويبة بن عبدالله بن هلال بن عامر من هوازن . هي والسيدة حليمة السعدية ابنة العم، فحليمة تنسب لبني سعد من هوازن. وهوازن التي ينحدر منها بنو سعد و بنو عامر الذين عرفوا لاحقا ببني هلال هي قبيلة عدنانية .

  • عليلو

    خرافات، خرافات. لاأكثر. التاريخ نفسه ليس علما دقيقا وهو معرض لهوى كاتبه. خرافات، خرافات والقوي يفرض خرافته فتصبح حقيقة تمتلئ بها كتب التاريخ وتضيع الحقيقة لأن حد السيف غيّبها. إذا كانت النصوص الدينية قد تُلُوعب بها لصالح قاطعي الرؤوس فحدث ولا حرج بالنسبة لتاريخنا. تصوروا أننا حُرِمنا ن كتب ابن خلدون طول حياتنا ولم أر كتابا من كتبه إلا حين سافرت إلى بلاد الناس. جمهورية تائهة مبنية على الكذب يلاحقها العار فآلت إلى ما آلت إليه والآتي أفظع!! فترقبوا، إنّا معكم ترقّبون!

  • Auressien

    “….أن الصحابي عقبة بن نافع أقام في طبنة خلال عودته من طنجة، حيث سرح الجيش المحمل بالغنائم إلى القيروان…”

  • بقام، الجزائر

    بن طبنة،
    النزعة العرقية لا تفيد في بناء الدول. كانت نارا ودمارا على اوروبا ، الحرب العالمية الثانية خير دليل على ذلك. من رمز لاسمه بابن طبنة وهو لا يعرفها اين تقع نزعته العرقية دفعته لتوزير التاريخ…العرب العدنانيون المعروفين ببني هلال كانوا ضحية للقرامطة بعد استيلايهم على الحجاز حيث استخدموم ضد الفاطميين فانتقم منهم الفاطميون عند هزيمة القرامطة ونقلوهم الى مصر خوفا من الثورة عليهم.وعندما انفصل بنو زيري عن الخلافة الفاطمية ، سمح الفاطميون للعرب العدنانيين بالانتقال الى تونس فاستقروا في المنطقة.
    ما يحب توضيحه ان القرامطة هم ثوار جاؤوا من جنوب العراق اما بنو هلال فهم عرب من الحجاز.

close
close