السبت 30 ماي 2020 م, الموافق لـ 07 شوال 1441 هـ آخر تحديث 22:57
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

طلبة الجزائر.. من الثورة إلى الحراك

عبد الحميد عثماني نائب رئيس تحرير بجريدة الشروق
ح.م
  • ---
  • 6

سيظل 19 ماي 1956 محطة وطنية لامعة في تاريخ الطالب الجزائري الحديث، إنه يوم الفصل الثوري الذي قرّر فيه طلبة المجد الانحياز للوطن مثل أقرانهم من أبناء شعبهم الثائر، تاركين مقاعد الدراسة في زمن عزّ فيه التعليم، بعدما رفضوا الصعود الاجتماعي على جماجم الشهداء، وصرخوا بمقولتهم الخالدة “إنّ الشهادات لن تصنع منّا أحسن الجثث”.

لقد اختاروا طواعية وعن وعي عميق أن يكونوا رجالا بواسل في الموعد الحاسم مع الرهان التاريخي للجزائر، مُنكرين ذواتهم الطّموحة ومُتعالين على حظوظ النفوس الدنيويّة، لأجل حريّة الوطن وعزّة الأمّة، إنه رعيل فريد من الأبرار الأخيار، جديرٌ بالامتنان والإكبار، والانحناء أمام عظمته، إجلالاً لتضحياتهم الجسام بأرواحهم الطاهرة، في فداء كرامتنا المغتصبة من الاحتلال الغاشم.

كان جيلاً عبقريّا بكل المقاييس، صادق الولاء للوطن، وحين تقرّرت العودة إلى استئناف الدراسة، ظلّ أغلبه مجاهدا حاملا لسلاح البطولة في الجبال وفوق الوهاد، حتى كتب الله له الشهادة والنصر معًا.

إنْ كان التاسع عشر من ماي يومًا مجيدًا في أيام الجزائر الخالدات، ومناسبة للفخر والاعتزاز بصنيع الآباء والأجداد، فإنها قد ألقت بعبء ثقيل على كلكل الأجيال، في الوفاء بالأمانة كلّما نادى مُنادي الواجب أنْ هُبّوا لنجدة الوطن.

وعلى مدار عقود من الاستقلال، كان لطلبة الجزائر صولات في ساحات النضال على مختلف الأصعدة، حتى أتى على البلاد عهدٌ من السنين العجاف، نجحت فيها منظومة الاحتواء والتدجين من ترويض النخب في مختلف الواجهات، ليتحول القلب النابض للمجتمع إلى قطيع صاغرٍ وتابع لجهاز السلطة السياسية، أو مستقيل خامل على هامش الواقع الاجتماعي، إلى أن تفجر بركان الغضب الجزائري  يوم 22 فبراير من العام الفائت، ليقفز الطلبة بكل عنفوان إلى قلب المعمعة في معركة التغيير الشامل.

لقد أعاد الحراك الشعبي إلى الطالب الجزائري روحَه المتوثبة نحو المعالي بعد مواتٍ، وبعث فيها حبّ المجد إثر هوانٍ، ونفخ في أوصاله نفَسَ الحياة في أسمى معانيها الرساليّة على فترةٍ من الانطواء العدمي، إذ توشّحت الجزائر طيلة شهور بمسيرات مبهرةٍ، علتْ فيها راية الوطن وآمال الأمة فوق مطالب البطون، ما أثلج صدور السلف بتيقّظ همة الخلف.

لقد شكّل الحراك لحظة فارقة لمصالحة الجماهير الطلابية مع المشاركة العامّة في إدارة الصراع السياسي لأجل الحريّة، وشيّد من جديد جسور الثقة مع الذات ومع قوى المجتمع الحيّة في خوض معركة ضاريةٍ لكسر قيود التسلّط والاستبداد.

قطعًا لم تنته المهمة المطلوبة عند حدود الغضب، لأنّ خروج الطلبة الجزائريين إلى الشوارع لا ينبغي أبدا أن يكون موقفًا انفعاليّا للتنفيس عن كبت القهر والشعور بالمذلّة، بل هو في الأصل فعلٌ واعٍ ينمّ عن إرادة جمعيّة ناضجة، في أداء دور مجتمعي متقدم على درب الانتقال الديمقراطي والرفاه الاجتماعي والاقتصادي المنشود.

لذلك من الضروري اليوم الاستثمار في ديناميكيات الحراك وما أفرزه من استعداد جماعي للبذل في سبيل الصالح العام، بهدف صناعة طبقة سياسية ومدنية بدماء ساخنة وسواعد فتيّة وعزائم صلبة وهممٍ طموحة، في صورة مبادرات جديدة تملأ الفراغ أو تستدرك الخلل، ولو من خلال المساهمة النوعية مؤقتا في إبداء الرأي والمقترح وتفعيل النقاش العام، قبل أن تتبلور مستقبلا كتنظيمات بديلة في الساحة الوطنية.

وعلى الأحزاب الجادّة التي استثمرت خلال السنوات الماضية في التنشئة السياسية أن تركز جهودها وتضبط رؤيتها وتحيّن برامجها وفق نتائج الحراك الشعبي، باعتبارها تملك الخبرة التنظيمية والرصيد التراكمي الذي يؤهلها لتجنيد كوادرها الشابّة ومواصلة تعبئة الساحة الشبابية والطلابية، سواء عبر الأطر القائمة أو من خلال إطلاق فضاءات تكميلية مبتكرة.

إنّ تحريك الكتلة الصامتة، وعلى رأسها تلك الفئات الحيّة، يكاد يكون أهم مُنجز ضمن مكاسب الحراك الشعبي على المدييْن المتوسط والبعيد، فهي التي ستحرُص مسار التغيير وتقوّمه في حال الاعوجاج، ما يعني أن انسحابها من جديد أو الفشل في احتوائها نضاليًّا سيكون ضربة قاصمة تعيد الوضع الجزائري إلى نقطة الصفر!

الإفتتاحية

مقالات ذات صلة

  • وهمُ "السلام".. نقطة النهاية

    أخيرا اتخذت السلطة الفلسطينية القرار الصحيح، بإعلانها التحلّل من جميع الاتفاقيات الموقّعة مع الكيان الصهيوني، ومنها التنسيق الأمني معه ضد المقاومة، ما يمنح للفلسطينيين بصيص…

    • 429
    • 1
  • أين العلم من السياسة اليوم؟

    لماذا يَعتَبر السياسي باستمرار رأي العلم والعلماء رأيا استشاريا، رغم أن العقل والمنطق يقولان ينبغي أن يكون إلزاميا، لأنه لا يوجد أعلى من العلم؟ بل…

    • 62
    • 0
600

6 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • ابن الجبل

    طلبة الحراك خير خلف لخير سلف .

  • جزائري حر

    الطلبة هم مستقبل الوطن، وكانوا بالامس من مساهمين اساسيين للثورة وفي الحراك كانوا يمثلون القاطرة، ولكن انتم الصحافة خذلتموهم وبعتم ذممكم ووصتم الطلبة والحراكيين بكل اشنع الاوصاف. والتاريخ سوف يسجل ذالك.

  • جزائري

    اعتقد انني حر منذ ان عرفت المعاني الحقيقية للاسلام و اضن ان شباب الثورة حررو البلاد من الاستعمار وشباب الحرك ارادو اعادة استعمارها

  • جزائري DZ

    للمعلق 3 : يوم تتقن معنى ومفهوم الثورة والحراك ويوم تتقن كتابة لغة الضاد ولا ترتكب في حقها جرائم شنيعة . يومها قد يحق لك انتقاد المناظلين والأحرار الذين أرادوا تحرير الجزائر والجزائريين من المفسدين والمستبدين الذين حولوها الى رهينة منذ الاستقلال

  • بن مداني عبد الحكيم

    هذا رأي المغدرة الجامعة الجزائرية عبارة عن ثانوية أكبر فقط بكل المعايير و انقطعت الصلة وقطيعة بينها وبين القطاع الاجتماعي والاقتصادي و الثقافي شهادات وتخرجات ورقية اكثر الطالب الجامعي المسكين غارق في “””””””””” ليس الكل طبعا الجامعة خارج التصنيف العالمي وغير ذلك هل يؤلم الجرح الميت طبعا لا والبكاء على الاطلال يثير المواجع ولكن التفكير في المستقبل والتفكير في الجيل القادم هو الامل احلم بيوم تكون قاطرة قيادة المجتمع هو الجامعة والجامعة اليوم في مفترق الطرق بحاجة ماسة الى ابنائها المخلصين والغيورين النخب تصنع المجتمع لا يصنعها ولكن بصبر من غير استعجال

  • ابن البلد

    وهل طلبة سكان الجنوب و مدن الغرب بستثناء وهران لا يغنيهم الحراك ام عمداء الجامعات فرضوا عليهم الخناق .وهل هذا الاسلوب الذي يخترق القانون و يلجم حرية الطالب اصبح مشروعا ثم في بضع ايام نقنن اجبارية الكمامات و التغريم بمبالغ مهينة للشعب و استفزازية

close
close