الإثنين 19 أوت 2019 م, الموافق لـ 18 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 23:57
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق
ح.م

من المظاهر التي أتذكر أني عشتها، وسجلتها خلال ملاحظاتي ومشاركاتي الميدانية بناحية “بني مسهل” وفلاوسن، بنواحي ندرومة ولاية تلمسان، التي لا تزال بقاياها تستحوذ على عقول الكثير من سكان المناطق الجبلية، وتشكل ظواهر في غاية الغرابة، لم يبق منها شيء اليوم، التي دونتها في كتابي “ثورة النسا”، هي ظاهرة قذف موكب العروس عند انتقالها إلى بيت زوجها، بالحجارة، والمياه الموحلة وثمر الصبار (الهندي) والرمان وباقي فواكه الصيف، التي تشير إلى مرجعية الاختطاف الذي كان سائدا في المنطقة (خطف المرأة). هذه الممارسات، كانت باقية إلى غاية السبعينيات..

فقد كان موكب العروس يقذف ليس بالورود بل بالحجارة، وأنا عشت وشاهدت بأم عيني تلك الظواهر، حتى إن النساء المرافقات لموكب العروس، عادة ما كن يضعن فوق رؤوسهن أواني المطبخ (في شكل خوذ) اتقاء للحوادث لما كانت سيارات الشحن مكشوفة. كما أن الموكب كان عادة ما يرش بالمياه الملوثة.. عادات، بالأصل ممارسات قبيلة، كانت تخضع لنظام مبني على الصراع القبلي وهكذا على جميع المستويات:

فلاحية: وتتمثل خاصة في المساحات العائلية، التي تشغل وفق النظام الزراعي العشائري الأسري، ولم تكن الخصومات التي قد تصل إلى الاقتتال مستبعدة، ذلك أن أغلب الصراعات كانت تقوم على أساس الملكية العقارية الفلاحية، حيث كانت تنشب الخلافات بسبب خرق قبيلة أو أسر للحدود الزراعية لقبيلة أو عائلة مجاورة، سواء كان ذلك من طرف الدواب (بقر، ماعز، حمير أو بغال) أم من طرف أشخاص كأن يقوم أحد بتغير “الحد” (آقدال.. ومنها اشتق اسم “جدالة” لأهم فخذ بربري رعوي les gétulles)، أي الأحجار الحدودية التي ترسم الفواصل بين الملكيات.

رعوية: حيث إن السكان مولعون خاصة بالفلاحة وتربية المواشي، لاسيما أن هذه الأنواع من الحيوانات تتأقلم مع تضاريس المنطقة، ولهذا، فعادة ما تحدث خلافات في هذا الشأن بين الرعاة من جهة (لأسباب ذاتية قبلية) أو ما بين الرعاة وملاك الأراضي الملك أو “العرش” أو “الحبوس” من الطرف الآخر من جهة ثانية.

دموية: ذلك أن خلافات قد تنجم بين طرفين أو عدة أطراف لسبب عائلي، خاصة بين الأصهار أو حتى ما بين أبناء العمومة والأخوة والأقارب، لا سيما إذا علمنا أن معظم الزيجات كانت تقع داخل الفضاء العشائري العائلي. وعليه، فقد شكلت هذه الخلافات صراعات حادة في بعض الأحياء، دفعت البعض إلى الانفصال عن العشيرة، أوالقبيلة أو الأسرة واللجوء إلى منطقة أخرى، غالبا ما تكون منطقة أحد الزوجين (إن كانا من أصلين مختلفين، وهذا نادرا ما كان يحدث قبل اليوم)، وفي بعض الأحيان قد يصل الصراع إلى حد الإعلان عن “القطيعة القرابية الدموية”، والتبرؤ من اللقب الشخصي، لقب العائلة الموسعة ككل، وهذا ما سيفسر كثرة الألقاب المتقاربة أو المختلفة تماما في شبكة عائلية ذات رابطة دموية واحدة، خاصة بعد إدخال النظام الكولونيالي حيز التطبيق، قانون البلديات المختلطة، وقانون الحالة المدنية (بداية من سنة 1880).

كما أن هناك عنصرا مهما في تشكل هذه الظاهرة، إنه ظاهرة “الاختطاف” التي تكون قد انتشرت بشكل ملحوظ عبر مراحل التكون الذاتي والموضوعي للقبائل بحثا عن استقرارها وأمنها.

فلقد كثرت ظاهرة الاختطاف في الأربعينيات والخمسينيات وقبلهما بكثير، وقد بلغ الأمر بالبعض أنهم كانوا يختطفون النساء عندما يكون من المستحيل قبول عقد قران بين رجل من قبيلة من جهة وفتاة من قبيلة أخرى من جهة ثانية. وعليه، فإن مقابلة نقل العروس إلى بيتها الزوجي برمي الحجارة، قد يكون سلوكا ذا ترسب تاريخي لظاهرة الاختطاف النسوي، لا تزال تجسد نفسها في شكل آخر.

نفس الشيء يقال عن “عادة” ضرب العريس يوم الدخول بالزوجة، حيث يتعرض العريس لمختلف الأنواع.. اللطم والضرب والتهديد بالعصى والحجارة. وعليه، فقد يضطر، وهو ما يحدث عادة، إلى التموه في لباس امرأة، حتى يتمكن من الوصول إلى بيت العروس سالما.

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close