الأربعاء 16 جانفي 2019 م, الموافق لـ 10 جمادى الأولى 1440 هـ آخر تحديث 16:56
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

عبّاس بحري… ذلك العالِم المتمرّد!!

أبو بكر خالد سعد الله أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة
  • ---
  • 9

في هذا الشهر من عام 2016 توفي عباس بحري بنيويورك إثر مرض عضال، وفي هذا الشهر من عام 1955 ولدته أمه بتونس العاصمة. يعتبر المرحوم من أبرز علماء الرياضيات في مجال اختصاصه عبر العالم. تلقى دراسته حتى المرحلة الثانوية في مسقط رأسه. ونظرا لتفوّقه اختير ليواصل دراسته في أرقى المؤسسات الجامعية الفرنسية.
وهكذا رحل إلى باريس في سن 17، وقد أحرز هناك على شهادة التبريز في الرياضيات، وكان من الأوائل. وفي نفس الوقت أعدّ دكتوراه الدولة خلال فترة قياسية لم تتجاوز سنتين وناقشها عام 1981. وقد نعاه المشرف عليه حاييم بريزيس Brezis مشيدا بخصاله، ومشيرا إلى ابتهاج عباس بحري في آخر أيامه حينما كان أحد كبار الرياضياتيين العالميين يستشهد بعمل أحد طلبة الفقيد.

هل يعودون إلى بلدهم؟

في نهاية السبعينيات كانت في باريس مجموعة لامعة من الطلبة اللامعين التونسيين. وكانت من مشاغل هؤلاء الفتية الإجابة عن السؤال التالي : هل يعودون إلى بلدهم بعد التخرّج أو يمكثون في ديار الغربة؟ سيما أن الطلب على أمثالهم من المتميزين كان شديدا في أوروبا وأمريكا. وبطبيعة الحال، فالإجابة كانت صعبة لأن منهم من كان له نشاط سياسي قد يعرّضه إلى المضايقات عند العودة، ومنهم من كان يخشى سلوكا مناوئا من قبل الإدارة والزملاء عند الدخول.
ومع كل ذلك دخل عباس في أكتوبر 1981 والتحق بجامعة تونس. لكن الوضع سرعان ما اضطره إلى مغادرتها لينتسب لهيئة التدريس بالكلية المتعددة التقنيات الباريسية. وفي عام 1987 التحق بالولايات المتحدة كأستاذ بجامعة روتجرس Rutgers. وكان حتى عام 2010 المشرف على “مركز التحليل اللاخطي” بالولايات المتحدة. كما انتسب لفترات متفاوتة لجامعة شيكاغو ومعهد كورنت Courant الشهير بنيويورك.
وفي بداية 1990، نجده أستاذا مشاركا في المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس. وهي المؤسسة التي أخذت على عاتقها تكوين أرقى المهندسين. وفي هذا السياق استفاد الطلبة من خبرات عباس بحري الذي لم يبخل بعلمه. ومن مبادراته العلمية أنه أسس عام 1997-1998 سلسلة الندوات “الرياضيات التونسية الصيفية” في متحف “دار الحوت” حيث يتلقى فيها الطلبة تكوينا عاليا ومتميزا. وخلال عامي 2014 و 2015 قدم سلسلة من الدروس في الكلية المتعددة التقنيات التونسية مخصصة لطلبة الدكتوراه.
والواقع أن تنظيم هذه اللقاءات العلمية والمحاضرات كان يهدف في آخر المطاف إلى تكتل الرياضياتيين التونسيين العاملين في الخارج والداخل للاحتكاك ببعضهم البعض دفعًا للتعاون المثمر بينهم من أجل تأسيس تقليد علمي يرقى بتونس إلى المستوى العالمي. وهكذا أدى نشاط الأستاذ عباس إلى اتفاق بين الكثير من الأساتذة يقضي بالإشراف المشترك على عدد كبير من الطلبة وبإلقاء محاضرات ودروس مختلفة من قبل الزوار فأثرى ذلك تكوين الطلبة المتخصصين في الرياضيات والعلوم التطبيقية.

التاريخ والسياسة والرياضيات

من المعلوم أن عباس كان يهتم، فضلا عن الجانب العلمي، بالثقافة العامة والتاريخ والسياسة. وما يهمّه هو تحسين ظروف معيشة الناس إذ يعتبر أي عمل لا يعزّز سعادة الفرد والجماعة عملا لا يستحق الاهتمام.
عندما استضيف الباحث عباس عام 2013 للمشاركة في تكوين طلبة الدراسات العليا بتونس في سياق ظروف علمية واجتماعية لم يكن راضيا عنها، كاتب زميله المنظم لهذا النشاط معبرًا عن رغبته : “أتمنى أن أكون… في قاعة مناسبة مزودة بطبشور جيد … لا أريد إدارة ولا زيارة سياسيين ولا استغلال سياسي : أريد فقط طلبة وزملاء وأصدقاء.”
وعند نزوله ضيفا على مؤسسة “الكوليج دي فرانس” Collège de France العريقة في باريس عام 1994 خلال فترة التعايش بين اليمين واليسار في الحكومة الفرنسية؛ وكانت فترة تميزت بعداء للأجانب… لم يتردد عباس بحري في بداية محاضرته بالتعبير عن نقده المباشر لهذا الوضع موجهًا اللوم للعلماء الفرنسيين الذين لم يفعلوا أي شيء لإدانة هذه السياسة، مستخلصا في آخر كلامه : “لقد انتهى عهد لورنت شوارتز Schwartz”، علما أن هذا الأخير كان رياضياتيا عالميا لامعا ورمزا للنضال السياسي المعادي للاستعمار بكل أشكاله.
وخلال محاضرة ألقاها بألمانيا عام 2004، أدان انهيار النظام الذي يتحكم في إنتاج العلوم وتزايد الأخطاء في هذا الإنتاج. وقبل وفاته نشر مقالا بعنوان “5 فجوات في الرياضيات” أبرز فيه ثغرات خطيرة عرفتها الرياضيات منذ 1984. وقد أحرز عباس بحري على عدة جوائز عالمية، ورغم ذلك يقول عنه الفيلسوف والرياضياتي الفرنسي أولفيي ري Rey : “كان بإمكان عباس بحري الفوز بالمزيد من الجوائز العالمية والتشريفات لو كان ذلك هو هاجسه”.
كان الأستاذ عباس مولعًا بدراسة تاريخ الحضارة العربية والاطلاع على إنتاجها، ولا يسكت أبدا أمام أولئك الذين يتهجمون على أصالتنا وقيمنا لاسيما في الغرب، بل يتصدى لهم بكل قوة إذ لديه ما لديه من الحجج والبيان بفضل اطلاعه على متاهات التاريخ. فعباس كما يقول زملاؤه هو “ابن الحضارة العربية الإسلامية التي تأسست على البحث الفلسفي والعلمي التجريبي والنظري من قبل ابن سينا والفارابي وابن رشد…”. فقد كان عباس يرى في أمثال هؤلاء العلماء “فكرا تنويريا يوسّع دائرة العقلانية إلى حدود الكوْن…”.
ولعل هذا الفكر هو الذي جعله يرد على أحد أصدقائه بالقول المازح : “يا الحاج، لو تثبت لي وجود الجّنة لتخلّيت عن الرياضيات، ولوجدت الطريق السالك الذي يجعل العلمانيين يصِلونها قبل الآخرين”! ونفهم من ذلك تحدّيا لرجال الدين للإتيان ببرهان من هذا القبيل يكون في متناول جميع العقول. كانت مكتبته في منزله تعجّ بالكتب العلمية العربية المؤلفة خلال القرون الوسطى. وسعة ثقافته مكنته من الاطلاع على رسائل إخوان الصفاء وغيرها من المؤلفات… فاستخلص بأن “ديكارت كان من المفروض أن يلد عربيًا لو لم يلد متأخرا”!
يعتبر عباس أن تحرير العقول في رحاب الجامعة مع التركيز على البحث في العلوم الأساسية رهان حاسم لدول العالم الثالث لأن هذا النوع من البحث غير مكلف، ومن شأنه أن يؤسس تكتلا من “الدول الحرة” ذات مصداقية لا تهرب منها أدمغتها، وتكون قادرة على مواجهة منطق القوة والهيمنة المرافق لكل أنواع البحث العلمي الأخرى التي تركز على الصناعة والتسلح!
بعبارة أخرى، فما ينادي به المرحوم عباس بحري هو أن تبرز في العالم الثالث “أمم ذكية” باستطاعتها أن تفرض على العالم الآخر منطقا جديدا للسلم دون اللجوء إلى استعمال القوة والعنف. فهل لدينا القدرة على تلبية هذا النداء؟!!

https://goo.gl/oxBXGt

مقالات ذات صلة

  • المحترف والهواة في إدارة استحقاق 2019

    خمسة ايام فقط تفصلنا عن آخر موعد دستوري لدعوة هيئة الناخبين بعد ان أحبط مسار التمديد، وأسكتت دعوات الاستجداء "الملغم" بالمؤسسة العسكرية لستر عورة مجتمع…

    • 618
    • 3
  • الحذر من الأجنبي.. خاصية مفيدة!

    الآراء السياسية المطروحة إلى حد الآن بالنسبة إلى مستقبل بلادنا، تبقى في مُجملها مُتَّفِقة على وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. وتبقى في مقام ثانٍ…

    • 676
    • 1
9 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • Tahar

    Merci pour l’article.

  • tahar

    merci pour l’article

  • mehdi

    رحم الله العالم عباس بحري و أسكنه فسيح جناته.
    حيدا لو أن علماؤنا، في الداخل و الخارجة، يضعون اليد في اليد، لقدوة الأمة إلى بر الأمان و الرقي و الازدهار.
    أليس الخالق من قال: هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون.
    كل عالم من واجبه تأدية الرسالة و لا يخضع لمن هم سبب تخلفنا.
    صحيح و أن هذا يتطلب كثيرا من التضحية.

  • Tahar

    Des Abbas bahri algerien il y en a beaucoup. Toutefois notre recherche en math reste loin derrière nos voisins tunisiens. C’est une enigme pourquoi notre recherche n’evolue pas. Je pense que la recherche par discipline existe chacun dans son petit coin publie des article mais l’impact sur le developpement du pays ne suit pas. Il faut qu’il y est des specialiste pour résoudre ce problème

  • محمد حازي

    مصباح لا ينفذ له زيت هذا الذي ذكرتنا برحيله اليوم. شموخ كشموخ العلماء العارفين العاملين وتواضع كتواضع الزهاد الورعين. لمست كل ذلك فيه في لقاء خاطف معه بمدرستنا في بداية تسعينيات القرن الماضي …نسال الله ان يغدق عليه من رحماته وسكناته.

  • Youcef ATIK

    شكرا للأستاذ الفاضل سعد الله الذي عودنا بمقالات جيدة في كثير من الميادين التي تمس الرياضيات ورجالها. وكم كنت مندهشا لما اكتشفت أن المقال الذي يتعلق بالمرحوم عباس بحري تجاهل تماما محاضراتها بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبة ـ الجزائر العاصمة ـ والكتاب التي تركه لأحد أساتذة المدرسة قصد نشره في الجزائر.
    يوسف عتيق

  • أبو بكر خالد سعد الله

    إلى الزميل المتقاعد يوسف عتيق والزملاء الآخرين الذين وجهوا لي نفس اللوم شفويا بالمدرسة
    فعلا نسيت هذه الزيارة حين كتابة المقال فمعذرة.
    ما حدث أن الزميل عبد الحفيظ مقران تعرف في باريس على المرحوم خلال الثمانينيات. وعند التحاق الأستاذ مقران بمدرسة القبة استضاف عباس بحري لإلقاء سلسلة من المحاضرات على أساتذة قسم الرياضيات بالمدرسة. وكذلك كان الحال. وأتذكر الآن أن المرحوم كان معجبا بترجمة الكتب العلمية إلى العربية وطلب مني زملاء إهداءه آنذاك البعض مما ترجمت فسرّ كثير بمبادرة الترجمة إلى العربية.

  • م/ أولاد براهيم.

    العظماء لا يموتون. موقف الاستاذ عباس بحري رحمه الله يذكرني بحادثتين . الحادثة الاولى كان بطلها الامير خالد وكان ضابطا برتبة capitaine ويحكى عنه أنه كان شجاعا مبارزا وذات مرة وهو في نادي الضباط الفرنسيين يرتشف قهوة فاذا بزميل له فرنسي يسخر منه ويتهكم عليه ومن الحضارة التي ينتسب اليها فترجاه الامير عن الكف عن هذا الاستهتار ولكن الضابط الفرنسي زاد من تحديه وعنتريته. فقام الامير وخيره بين أمرين . اما الاعتذار أمام الحضور . أو المبارزة فزادفي تهكمه ؛ واختار المبارزة تحت تسفيقات وتشجيعات الحضور من الفرنسيين ؛ ومن التصادم الاول أوقعه الامير أرضا ووضع رجله على صدره طالبا منه الاعتذار والا.

  • م.ب ( يتبع)

    طالبا منه الجهر بالاعتذارأو يكسر أنفه فماكان على الضابط الا العتذار رافعا يد الامير الى الاعلى معلنا عن تفوقه؛ شجاعته ؟؟ الحادثة الثانية أنني 1989 تعرفت على عالم جزائري يعمل في مختبر nasas الام مع الدكتور الباز رحمه الله وقع تحت مغريات السفير ادريس الجزائري طالبا منه العودة الى الوطن يحتاجه و sonatrach في انتظاره. فلبى نداء الوطن ؛ وعاد صحبت ابيه وزوجته الام ؛ واستقبلته sonatrach ووفرت له مكتبا مريحا ؛ وكاتية جميلة ؛ ؛ لكن العالم ليس من أجل هذا عاد! عاد للبحث ؛ والتنمية في الميدان أو المختبرات ؟ انتظر أربعة وهو على هذه الحالة . ولما أحتج ؛ وخيرهم بين العمل البحثي أو الرجوع من حيث أتى؟ قيل

close
close