-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من "وهم" مصنع الأنسولين إلى "حقيقة" لقاح "كورونا فاك"

عشر سنوات ضائعة وربع مليار دولار في مهب ريح الأنسولين

الشروق
  • 3113
  • 0
عشر سنوات ضائعة وربع مليار دولار في مهب ريح الأنسولين
أرشيف

فتح علمي وصحي وصناعي واقتصادي كبير، تشهده قسنطينة والجزائر اليوم الأربعاء، بالانطلاق الفعلي، في إنتاج أولى جرعات لقاح كورونا، بأياد جزائرية وخبرة صينية، في سابقة في الدول العربية والإفريقية بتسمية خاصة وهي كورونافاك على حد تعبير مدير الضبط في وزارة الصناعة الصيدلانية السيد بشير علواش.

وستتمكن الجزائر بداية من اليوم، في تسيير الجائحة بأريحية من الناحية العلمية، لأن الرهان الحالي في كل دول العالم هو للقاحات، وفايزر نفسها قالت بأن العالم لا يمكنه تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللقاحات، إلا في النصف الثاني من السنة القادمة 2022، أي إن عودة الحياة العادية إلى طبيعتها، مؤجل إلى غاية سنة 2023 حسب فايزر وغيرها من المؤسسات الصحية في العالم من الأكثر تفاؤلا.

اللقاح الجزائري أقل تكلفة وبجودة “الصحة العالمية”

قصة لقاح “كورونا فاك”، بدأت في 25 جويلية من السنة الحالية، بعد التوقيع على عقد مع الشريك الصيني المنتج للقاح الشهير سينوفاك المعترف به عالميا، من خبراء الغرب ومن منظمة الصحة العالمية، وهو إلى غاية الآن اللقاح المفضل لدى عامة الجزائريين. وبمجرد زيارة قام بها خبراء من الشركة الصينية المنتجة لسينوفاك إلى مجمع صيدال بقسنطينة الكائن بالمنطقة الصناعية بالما، وجد الصينيون الظروف مواتية خاصة من حيث تهيئة المصنع وضخامته والأجهزة التي يتوفر عليها، فهو في الأصل المصنع الذي كان سيستقبل الإنتاج الموعود للأنسولين منذ عشر سنوات.
وقدم الشريك الصيني- كما أسرّ بذلك مختصون من مجمع صيدال بقسنطينة في حينها إلى “الشروق اليومي”- بعض الملاحظات والشروط الخفيفة، التي تم تحقيقها خلال أسبوعين فقط، ليتم تجاوز كل العقبات ويحصل الجزائريون على الموافقة الصينية، وباشر الخبراء الجزائريون العمل طوال شهرين من دون توقف، قبل أن يصلوا إلى المرحلة الحاسمة وهي الإنتاج بكل المواصفات العالمية، والحصول على موافقة منظمة الصحة العالمية، في نصر علمي كبير للصناعة الصيدلانية الجزائرية.

التصدير بعد الاكتفاء الذاتي

وبقي الجانب الجزائري في مشاورات مراطونية مع الشريك الصيني، لأجل إضافة بند التصدير بعد الاكتفاء الذاتي، وأصر الصينيون على رفض هذا البند لأنه سيتسبب لهم في بعض الخسائر التجارية، قبل أن يوافقوا على رغبة الجزائر التي حققت نصرا اقتصاديا من خلال تحجيم فاتورة استيراد لقاح كورونا، والتفكير الجدي في التصدير قريبا، لدول مختلفة في العالم، مع هامش كبير يبقى لمساعدة بلدان إفريقية تعاني من الفقر والعجز وعدم القدرة على شراء اللقاح، ضمن استراتيجية الحكومة الجزائرية، كما أشار إلى ذلك وزير الصناعة الصيدلانية عبد الرحمان لطفي بن باحمد، الذي يريد تحويل مبادرة أفريكا فاك إلى واقع من خلال تغطية الطلب الإفريقي. وتكمن أهمية اللقاح الجزائري كورونافاك، في كون تكاليفه المادية تقل بحوالي 60 بالمئة عن تكلفة اللقاح الصيني الأصلي، وهو سينوفاك، وبنفس الجودة والفعالية، وأيضا من دون أعراض جانبية يمكن ملاحظتها في بقية اللقاحات العالمية باعتراف منظمة الصحة العالمية كما قال السيد بشير علواش.

وإذا كانت فايزر وأسترازينيكا وغيرهما لا تستبعد الجرعة الثالثة في لقاح كورونا ولا تستبعد حتى التلقيح مرة كل سنة، فإن مجمع صيدال قسنطينة، قد أعفى الجزائريين من وجع الرأس، في حالة حدوث أي طارئ، حيث بإمكانه رفع الإنتاج مستقبلا إلى ثمانية ملايين جرعة في الشهر، وهو ما يحقق الاكتفاء الذاتي وفائض للتصدير في كل الأحوال لأن حاجة الجزائر لا تزيد عن 65 مليون جرعة.
توطين صناعة اللقاح الذي كان بقرار رئاسي، سيمكن الجزائر في شهر أكتوبر من ضخ مليون جرعة للمؤسسات الاستشفائية من لقاح كورونا، لتتضاعف إلى مليونين في شهر نوفمبر، إلى أن تصل إلى قرابة الستة ملايين في شهر جانفي من السنة القادمة 2022.

وإذا كان خبراء غربيون ينصحون باللقاح الصيني ومنهم عالم الأوبئة الفرنسي ديديي راؤول، فإن الأمر يتعلق بمكونات هذا اللقاح، الذي استعمل دون غيره، الفيروس بأكمله أو الفيروس الخامل في مكونات اللقاح، الذين استعملوا اللقاح الصيني لم يشعروا بأي عرض، ماعدا بعض الحمى فقط، كما أن نجاح مجمع صيدال قسنطينة تحقق بفضل التعاون الكامل بين العديد من الأطراف ومنها وكالة الأمن الصحي ومعهد باستور ووزارة الخارجية وسفارة الصين في الجزائر، وغيرها من الهيئات الوطنية التي نجحت في رفع التحدي في ظرف شهرين، في الوقت الذي عجز نفس المجمع وفي نفس المدينة في تحدي صناعة الأنسولين بالرغم من السنوات العشر التي استهلكها، والفاتورة الكبيرة من العملة الصعبة التي ضخت للمشروع مع الشريك الدانماركي تحت الغطاء الفرنسي.

هكذا تبخرت 280 مليون دولار وعشر سنوات

في بداية سنة 2012 قام الرئيس السابق للجزائر الراحل عبد العزيز بوتفليقة بزيارة إلى مدينة قسنطينة وبالضبط إلى مجمع صيدال، وتم حينها إعطاء أوامر بإنتاج الأنسولين لتوقيف معاناة مئات الآلاف من مرضى السكري المزمن، بالشراكة مع مخابر الدانمارك وفروعها في فرنسا، ومرّت السنوات وتكررت الزيارات إلى المجمع والاجتماعات، والوعود الكاذبة التي استنزفت من الخزينة العمومية 280 مليون دولار، أنفقت تحت عنوان إنشاء مركز للمطابقة الحيوية وهذا خلال سنة 2015.

كما تعرض المجمع للكثير من الهزات وصلت إلى محاولة حرقه من أيادي لم تكشف لحد الآن، والتي أدت إلى إقالة مديره العام السابق علي عون خلال عقب هذه الحادثة اللغز.

وكان مدير التسويق السابق في صيدال يحيى سعد الدين نايلي قد قال في سنة 2015 من مدينة بوسطن الأمريكية بأن مصنع الأنسولين بمجمع صيدال سيباشر الإنتاج في السداسي الأول من سنة 2016. واستفاد خلال هذه الفترة ما لا يقل عن 200 مختص من قسنطينة والبليدة والجزائر العاصمة من التربص والتكوين عبر تربصات منها الطويلة في فرنسا والدانمارك على أساس شراكة كاملة مع الدانماركيين في إنتاج الأقلام والخراطيش والأنسولين، ولم تكن تكلفة التربص لمختص واحد تقل عن عشرة آلاف دولار في الأسبوع، ناهيك عن تذكرة السفر، ثم عاد المدير العام لمجمع صيدال السابق ياسين تونسي، ليقول في جويلية 2017 بأن أول قارورة لمادة الأنسولين 10 ملل المنتجة في إطار شراكة بين صيدال وشركة نوفونورديكس الدانماركية ستظهر في السداسي الأول من سنة 2018 بعد الحصول على التسجيل والمطابقة.

وكان مبرمج إنتاج 2 إلى 2.5 مليون قارورة سنويا، ما يعني الاكتفاء الذاتي والتفكير مستقبلا في التصدير، مع الإشارة إلى أن الصناعة الصيدلانية كانت تابعة في عهد الحكومات السابقة، لوزارة الصناعة والمناجم. وللأسف ظهر الإنتاج بطريقة محتشمة قبل أن يتبخر، ولم يستطع الصمود من حيث الأسعار والكمية أمام أنسولين قادم من الأردن وآخر من المغرب، قبل أن تستفيد هذه الهياكل والتجهيزات التي ضيعت الأموال والوقت والجهد من التحدي الجديد في إنتاج لقاح كورونا الجزائري.

مجمع صيدال قسنطينة، سيجنب الجزائر استيراد لقاح كورونا ماعدا الحصول على الهبات التي أقرتها منظمة الصحة العالمية، والتفكير في خطوات مشابهة في أصناف أخرى من الأدوية وحتى في الأنسولين، لأن الاتفاق السابق مع الشريك الدانماركي ربط الجزائر بالأنسولين الكلاسيكي وجعلها لا تواكب الجيل الثاني وخاصة الثالث من الإنسولين المتوفر حاليا في الأسواق وبأسعار معقولة.

ب. ع

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!