الخميس 25 فيفري 2021 م, الموافق لـ 13 رجب 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

علاقة التنمية بالسكان.. والردّ على  دعاة تحديد النسل!

عمار تو وزير سابق
أرشيف
  • ---
  • 5

يتحصر الولودون، دعاة التكاثر السكاني، ألا يكون عدد سكان الجزائر اليوم سوى 44,7 مليون (اربعة وأربعين مليون وسبع مائة ألف) جزائري ساكن  مقيم في الجزائر بتاريخ  أول جانفي  2021.[1] وكم كثيرون من بيننا  هم من كانوا يتمنون لو كان عدد السكان  عندنا  يلامس  الثمانين (80) أو حتى المائة (100) مليون نسمة في أول يناير 2021. وللتذكير،  فقد كان عددنا حوالي 9 ملايين ساكن في 1962، قبل أول إحصاء عام للسكان بعد الاستقلال في سنة 1966  والذي أسفر عن11,62  مليون نسمة كسكان مقيمين في الجزائر، رغم الإبادات الاستعمارية المليونية في النصف الثاني من القرن 19 وخلال حرب التحرير المجيدة التي اندلعت في 1954 وانتهت ظافرة باستقلال الجزائر في جويلية  1962.

وعلى النقيض من ذلك، “يضبح” المالثوسيون ( دعاة تحديد النسل)، منددين ب”فظاعة” ما بلغه عدد السكان في العالم ( وفي الجزائر) ويروجون  لضرورة اللجم الإجباري للتزايد السكاني باللجوء إلى وسائل الضبط المختلفة، لا سيما منها موانع الحمل، إذ لم تعد تكفي، في منظور نظريتهم، تسوية حجم السكان من الأسفل بمستوى المتوفر من الأرزاق والتي كانت تحدثها الكوارث والمجاعة والأوبئة والحروب الاستعمارية الإبادية والأمراض، يصفة طبيعية رغم تراجع دورياتها ومخلفاتها، وإن لم تختف كلية.

فالأوائل يستندون إلى الآي القرآني في قوله تعالى:” ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم  وإياهم ( الآية 151 من سورة الأنعام) و “ولا تقتلوا أولادكم  خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم” (الآية 31 من سورة الإسراء) والآية “وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها” (سورة هود، الاية 6 ). ويدعمون إيمانهم بالحديث الشريف الصحيح:  »تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة«، بخلفية الضغط الديمغرافي السكاني على الحكام للعمل ليل نهار لملاقاة حاجيات السكان، مما يمكن من رفع المتوفر من الأرزاق.

ويعتد الأواخر بسعيهم لخدمة رفاه البشر والتمكين لرفع الدخل الفردي للأشخاص والأسر من أجل تحسين مستوياتهم المعيشية والصحية. فتراهم ينتظمون في منابر قومية وجهوية وعالمية يرفعون شعارات مغرية والتظاهر بتقديم العون التنظيمي والمادي والمعنوي تجسيدا للايثار وحب الغير.

لكن خصومهم يلصقون بهم تهما تكل لهم سوء الظنون، باطنها الوقوف في وجه طموح القوى البشرية الأعظم اليوم في العالم الذي يوصل إليها، من المفروض، النمو الدموغرافي المتسارع لأكبر المساحات العالمية تخلفا لكنها الأكثر خزانا لكمون القوى المنتجة اليوم والمستهلكة اليوم وغدا.

فالتظاهر بحب الغير “المتخلف” يفهمه المتخلفون على أنه يخفي الإرادة المندسة في كبح جموع “المعــذبين اليوم في الأرض” لتصادمات قد تقلب الموازين غدا. فحب الغير الظاهري لا يتمظهر إلا في البلدان المتقدمة تجاه البلدان المتخلفة. لذا أكاد اجزم، بما يشبه المسلمات، بأن حب الغير عند المتقدمين تجاه المتخلفين، ليس سوى سيناريوهات هوليودية لخدمة مصالح المتقدمين في نهاية المطاف. فلم لم نشهد أية مجهودات جدية أوصلت المتخــلفين إلى المستوىات التنموية والمعيشية القريبــة من المستويات التي تتبحبح فيها اليوم الشعوب عند المتقدمين؟ فتنظيم الهجرة من شباب سوريا نحو أوروبا وما بعدها في 2015 عبر تركيا، لهي الصورة المعبرة عن هذه السيناريوهات. إذ كانت حاجة بلد أوروبي متطور إلى ما يقارب المليون شاب متعلم مفتول الأذرع ليضمن استمرارية النمو الاقتصادي في هذا البلد الذي كانت شيخوخة سكانه تهدد استمرارية النمو عنده. فكان، نتيجة لذلك، ضمان نمو باربعة في المائة، تطويقا  لآثار جائحة الكورونا.  وهلم جرا عند كثير من الدول الغربية. وستشتد الظاهرة (بعد انحصار الكورونا) بمثلها أو بأكثر من ذلك، لهثا وراء إلعامل الدموغرافي، تداركا لما ضاع من نمو وضمانا لاستمرارية الإنتاجية والمردودية في المستقبل.

فتحضرني، حينئذ، النقاشات الحماسية المتشنجة التي كانت تتعارض فيها المواقف خلال عشرية السبعينات (1970) في الجزائر إلى حد المعاداة المذهبية، بشأن التحديد القسري للنسل أو رفضه، بخلفيات يصفها معارضو التكاثر السكاني “بالتقليدية الدينية الرجعية”، بينما ينعته خصوم النظرية التحديدية للنسل بالمتعارضة مع حرية الأزواج في تحديد أحجام عائلاتهم والمتعارضة مع النص القرآني والحديث.

وأفضت هذه النقاشات إلى اعتماد صيغة توفيقية سميت ” التخطيط العائلي” أو “تخطيط النسل” والتي، بموجبها، راحت الزيجات الجديدة تتلاءم معها بالتدريج، لاعتبارات أنانية “إيجابية” من أجل رفاه العائلة، وليس لاعتبارات إديولوجية ما أو لواجب يفرضه اعتقاد ديني  ما.

وهكذا، قد نزل المؤشر الظرفي لخصوبة المرأة الجزائرية من 7,12 مواليد (لكل امرأة خلال سن الإنجاب)  في بداية عشرية 1970 ،إلى 2,40  في 2007 و2,71 في 2017، ليرتفع من جديد إلى 3,00 مقابل 7,67 في 1967. ما يمثل أكثر مما يسمح  بتفادي الشيخوخة عند سكان الجزائر، شريطة المحافظة على النسبة الحالية إلى حدود  2,10، في منأى، بالطبع، عن الميل التناقصي الذي عرفته الجزائر بين 1967 و 2007.

وليس هذا التراجع وليد قناعات “دينية” أو “تقدمية”، بل هي محصلة عوامل متداخلة يلتقي فيها الديني والتقدمي والطموح إلى الرفاه العائلي دون أن ينتفي فيه الضمير الأناني وحب الذات دون عطاء للغير.

وهكذا، ومن وجهة نظر إحصائية بحــتة،  سيضمن المؤشرالظرفي  للخصوبة عند المرأة 3,00 الذي سجل في سنة 2020، إذا لم يتراجع، سيضمن مضاعفة سكان الجزائر في آفاق 30 سنة، أي في آفاق 2050. لكن المصالح الرسمية المتخصصة للديوان الوطني للإحصائيات تـتوقع تراجعا في مستوى المؤشر الظرفي لخصوبة المرأة، إلى مستوى 2,40 طفلا في آفاق 2040، مما يمكن من استشراف في مستوى 51,309  مليون ساكن مقيم في الجزائر في 2030 و 57,625  مليون نسمة مقيمة في 2040.[2]

وسنكون، في أضعف التقديرات، في أول جويلية 2021 المقبل، أزيد من 45 مليون جزائري مقيم في الجزائر. وسنكون في نفس الأجل ( أول جويلية 2021)، بمجموع شتاتنا في المهجر، حوالي 50 أو51 مليون جزائري ( الله يبارك).

فيكون بذلك عددنا في آفاق 2050 عدد سكان إجمالي غير بعيد عن العدد الحالي لسكان البلدان الإفريقية الأكثر سكانا في الوقت الراهن ( نيجريا، مصر، إثيوبيا).

وفي المقلب المعاكس، تتشبث النظرية “المالثوسيانية” (نسبة إلى مالثوس)[3] بقناعتها بضرورة تحديد حجم السكان أمام الفقر. وبناء على المعطــيات المتوفرة في زمان نشأتها (نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر) حين كان الاقتناع بظاهرة التسوية الطبيعية لحجم السكان بمستوى المتوفر من الأقوات.

فلماذا الاحتماء، حينئذ، بقلة الأقوات عند “مالثوس” لتبرير تسوية حجم سكان العالم من الأسفل؟ علما أن الله سبحانه جلت قدرته،  بعد أن خلق الأرض في يومين، قدر فيها أقواتها في أربعة أيام (سورة فصلت، الآية 10) بتسخيــر العقل البشري، مهندسا مقاولا لتجسيد ذلك بطبيعة الحال؟

ويترجم التسارع الذي طبع تطور الناتج الداخلي الإجمالي العالمي وعلى مستوى الدول فرادى وعلى مستوى الفرد الواحد داخل الدول، بعضا من مضمون هذه الآيات البينات.

فإذا كان الناتج الداخلي العالمي قد تضاعف في 500 سنة بين السنة 1000 والسنة 1500، فإنه تضاعف في 50 سنة فقط بين 1820 و 1870 وفي 25 سنة بين 1973 و 1998 وفي 12 سنة بين 1998 و 2010 حيث بلع مستواه  65338,93مليار دولار. ويتواصل هذا التسارع ليرتفع مستوى الناتج الداخلي إلى 86858,85 مليار دولار في سنة 2019 أو ما يعادل زيادة بنسبة 32,94  % في 9 (تسع) سنوات فقط، وإن كان سيتراجع بحوالي 5% في سنة 2020 بالنسبة لمستواه في 2019 تحت تأثير المخلفات الوخيمة لجائحة “كورونا” على اقتصاد الدول وعلى الاقتصاد العالمي برمته.

وبالتوازي، وخلال نفس الفترة، فإن حجم سكان العالم قد انتقل من مليار نسمة إلى 7 (سبعة) ملايير نسمة حاليا.[4]

وهي الحقيقة الإحصائية والاستنــباط النظري اللذين تبناهمــا هجوم مضاد ل”لمالثوسيانية” جاء من “إستير بوسيروب”[5] حديثا، مستندا إلى حقائق الواقع مبيــنا أن الابتكارات التكنولوجية تحدث عندما تتسع الهوة بين حجم السكان ومستوى المتوفر من الموارد، مما يتيح استعادة التموين بموارد تتــناسب مع حجم السكان، دليلا (آخر) على استنزاف ثروات الشعوب الفقيرة من قبل مستعمريهم وتركهم لفقرهم دون بنيات أساسية ومقومات إنتاجية تضـــمن لهم إنتاج أرزاقهم وأرزاق خلفهم  من بعدهــم، باستمرار.

وتترجم، على مستوى التطبيق الملموس، التحسنات المتواصلة للناتج الداخلي الخام الإجمالي والفردي، حقيقة هذه الاستنباطات. وقد اخترنا للتوضيح أن نضع بين أيدي المهتميـن والمتلقين الآخرين، عـيـنة بليغة التعبير للتدليل على سـداد مسعانا.

 – تحســن النانج الداخلي الخام الإجمالي للدول وللأفراد رغم تزايد السكان

الناتج الداخلي الخام الإجمالي الناتج الداخلي الخام الفردي (بالدولار)
1962 2018 1962 2018
الجزائر 2,00       مليـار$ 173,0 مليار$ 172,1 4114,56
الصين 47,21 مليار$ 13,61  بليون$ 70,9 9770,3
البرازيل 19,93  مليار$ 1,869   بليون$ 260,5 892,0
تركيا 8,922  مليار$ 771,40  مليار$ 313,71 9545,8
كوريا الجنوبية 2,814  مليــار$ 1,62     بليون$ 237,068 31371,0
اسبانيا 16,14 مليار$ 1,42    بليون$ 522,33 30433,0
ماليزيا 2,002مليار$    358,6 مليار$ 117,63 1137,3

  البليون = 1000000000000 دولار.   الدولار=$

فتكتمل بالتالي، يقينا، عناصر الحجية الدامغة للاقرار بأن السكان هم عامل إنتاج وتنمية دحضا للأطروحات النقيضة. فتنطرح، حينئذ، بإلحاح مستعص، دوافع خلفيات “المالثوسيانية”. ونكتشف بأثر رجعي، أن الميثاق الوطني، نصا وروحا، لم يكن في 1976 في عهد الرئيس هواري بومدين، ل”ينطق عن الهوى” في صفحتيه 191 و 192. فلن نخطىء، بديهيا، سواء السبيل في المرافعة، لوضع الأصبع على تخوفات المنظرين عند مفكري المجتمعات المهددة بالشيخوخة والانقراض النسبيين من طغيان العامل الدموغرافي ( تزايد السكان) عند “بؤساء” الأمس واليوم في بلداننا “المتخلفة”، لقلب موازين القسط الوجودية في الدنيا، لصالحهم.

وما نعيشه من تنظيم لهجرات منتقاة من شبابنا المفيد لتطعيم سكانهم ضد الانقراض، لهي القرينة البليــغة الأفصح عن مكرهم.  »ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .«

ولعل أدنى ما تطالب به بلداننا النامية، هو التعويض عن تسخير طاقاتنا البشرية المتعلمة العالمة المشغلة في جامعاتهم ومخابرهم ومصانعهم ومزارعهم كتعاون تقني يجب أن تضبط الأمم المتحدة شروطها وكيفيات تأديتها ومستويات التعويضات عنها، يعود خراجها على بلداننا مباشرة إلى جانب ما يدفع مباشرة لشبابنا المشغل عندهم، في مقبل أتعابنا في تكوين هذا الشباب المفيد لهم  وفي مقابل ما يباع لنا من سلع وخدمات وحروب.

[1] الديوان الوطني للإحصاء . نشر في 11 ماي 2020 (14:24)من طرف AE.

2″مالثوس” عالم اقتصادي انجليزي من أواخر القرن 18 وبداية القرن 19،  من أشد دعاة تقليص عدد السكان.

[4] عمار تو. المواجهة الثالثة.  الصفحة الشخصية على فايسبوك . وجريدة  (Le quotidien d’Oran).

[5] عالمة اقتصادية دانمركية  عاشت إلى غاية النصف الثاني من القرن العشرين.

مقالات ذات صلة

  • غرانيقيون جدد

    سمعت من أحد "محتكري الوطنية" وقرأت له (م. ق)، وقرأت لأحد الشيوعيين (م. ح) أن الإمام عبد الحميد ابن باديس قال: "الشيوعية هي خميرة الشعب…

    • 334
    • 0
  • ماذا بقي من روح الحَراك؟

    نسترجع اليوم ذكرى الهبَّة الشعبية المباركة، بعد عامين من الإطاحة بعصابة جثمت على صدر الوطن، وتصرفت في خيراته ومؤسساته كملكيّة خاصّة، ليستحضر الجزائريون بفخر كبير…

    • 644
    • 3
600

5 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • حماده

    وزير حقا ومستوى عالي ، نتمنى أن تعود إلى الحقيبة الوزارية مرة أخرى

  • ابن الجبل

    عندما يقوم بعض المثقفين أو بعض المسؤولين في خوض في مواضيع لا تمت بالصلة الى الى الواقع … فهذا الوزير السابق لم يجد مايطرحه من مواضيع سوى علاقة التنمية بالسكان ، للرد على دعاة تحديد النسل!. تقول أن هذا الوزير السابق يعيش في المريخ أو في جزيرة كاليدونيا …. الجزائر وما تعيشها من مشاكل صحية واقتصادية واجتماعية … الناس ترمي بنفسها في البحر بسبب فقدان الأمل في الجزائر ، وقلة فرص العمل .وما أحدثه وباء كورونا و…و… وهو يتحدث عن تحديد النسل ؟!!!!.

  • محمد

    “إذا لم تستحي فاصنع ما شئت”حسبنا أن الوجوه المستفزة كنستها الفضائح وأسكتتها حناجر الجماهير لكن الغوغائيين بقوا على طبيعتهم “سامطين”لا خلاق لهم حتى يأتيهم يوم يواجههم فيه أمثالهم فيندحر سمعهم وآثارهم لأن عدالتنا غير عادلة.

  • boumediennearafat

    هناك من يبحث عن التوبة عن ماضيه باعتناق أطروحات مشايخ التطرّف الديني و التحجّج بالآيات رغم جهله علوم الدين التفسير لمحاولة دحر النظريات العلمية الموثوق بها عالميا رغم انها تبقى دائما مثيرة للجدل بالنسبة لأبعادها العقائدية . إن الأمر لا يتعلق بالعقائد و لا القناعات الفلسفية الشخصية بقدر ما تعبّر عن واقع لا يعيشه رئيس الجمهورية ، و لا الوزير ، و لا سؤولي الدولة و لا رجال الأعمال ، بل فئات الشعب العريضة التي تعاني من مخلفات فساد مسؤولي العصابة . يجب أن تعرف ان هناك شعوب متقدمة (اليابان و كوريا مثلا) اعتنقت التنظيم العائلي لأسباب غير اقتصادية بل بحثا عن العيش بكرامة لأبنائها و الأجيال المقبلة …

  • الوهراني

    يحاول الوزير السابق التظاهر بأنه لا يزال بإمكانه تقديم تحاليل ذات مستو..لقد كنت مسؤولا كبيرا بل كنت مرشحا لمنصب الوزير الأول وكان بإمكانك ترك شيء إيجابي واحد بعدك ولكنك لم تفعل لأن المستوى لا يسمح..لا تحاول تلميع صورتك فلا تزال لنا ذاكرة.

close
close