-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في صُحبة موسى والخضر(26)

علم الفضائل وعلم المسائل

أبو جرة سلطاني
  • 949
  • 5
علم الفضائل وعلم المسائل

لو كان الخضر-رضي الله عنه- أفضل  من موسى -عليه السّلام- لبعثه الله نبيّا رسولا، أو شدّ به أزْر موسى-عليه السّلام- وجعله له ساعدا وعضدا، أو أرسله إلى فرعون نذيرا.. لكنّه اصطفى موسى -عليه السّلام- وأرسله لفرعون ولم يختر الخضر لرسالته.

لا أحد من أبناء آدم غنيّ عن طلب العلم مهما كانت منزلته ودرجته ومقامه، فالذي يُوحَى إليه يحتاج إلى أدوات عمليّة لـ”فقه الواقع” لتصريف الشّؤون العامة خارج صفة الوحي والنّبوّة والرّسالة، فقد تعلّم رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- الخبِرة العسكريّة من بعض أصحابه في غزوتيْ بدر والأحزاب (الخندق)، وتعلّم من بعض زوجاته إدارة الأزمات والقضاء على الاختلاف في مهده يوم الحديبيّة. وليس شرطا أن يكون المعلّم أعلم من المتعلّم في جميع العلوم والمعارف. فقد تعلّم سليمان-عليه السّلام- من النّملة درسا في حفظ الأنواع وفي النّصح وفي منطق أمم أخرى، وتعلّم من الهدهد درسا آخر في الحرص على التّوحيد ومراقبة عبادات النّاس لغير الله، وتنبيه القيادة إلى بعض ما يقع بعيدا عن أنظارها. وأخذ أحد ابنيْ آدم سنّة دفن الميّت عن غراب.. فلا تقدح هذه الإشارات وغيرها في سلامة الرّسالة؛ فأيّ غرابة في أن يأخذ موسى -عليه السّلام- عن الخضر -رضي الله عنه- ثلاثة دروس قيّمة من فقه المآل؟! توكيدًا لبشريّته وإقرارًا بأنّ العلم رزق يوزّعه الله بين النّاس، لتقرير أنّ فوق كلّ ذي علم عليم.

لكنْ ما يجب التّنبيه عليه هو أنّ كمال الشّريعة وتمامها وتناسق أجزائها أمرٌ لا يحتاج إلى نقاش، ولا أحد يُعلّم رسل الله شرْعة ولا منهاجا. أما “فقه الحياة” فشأن دنيويّ يختلف فيه الناس رواية ودراية وفهما وتجربة. والفرق واسع بين فقه الشّريعة وفهم الواقع وحسْن تنزيل النّصوص على الحوادث وتحريكها. فلقد كان سليمان -عليه السّلام- نبيّا وكان أبوه داود -عليه السّلام- نبيًّا كذلك، فلما عُرضت عليهما مظلمة صدر عنهما حُكْمان متقاربان جعل الله -جل جلاله- ما نطق به سليمان -عليه السّلام- فهمًا للنّصّ، وما نطق به داود -عليه السّلام- اجتهادًا بشريّا: ((وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)) (الأنبيّاء: 80). فالحُكم على الظّاهر اجتهادٌ بشريّ. والعلم به فهْمٌ عن الله -جل جلاله- يقذفه في روْع مصطفاه. لكنّ الفرْق واسع بين عالم بالفضائل وعالم بالمسائل، فإذا اجتمعا في إنسان كان رساليّا، وفي كِلتا الحالتيْن طاعةٌ على قدر الاستطاعة والوسع والإيتاء؛ إذا توفّر لفاعلهما الإخلاص والصّواب وحسْن الأخذ بالأسباب.

الفجوة التي كانت بين ظاهر “حكْم المسائل” في فقه موسى -عليه السّلام-، وبين باطن “حكْم الفضائل” في فهم الخضر-رضي الله عنه- هي التي عجّلت بالفراق بينهما؛ فمنهج الدّعوة الذي جاء به موسى -عليه السّلام- قائم على حكْم الظّاهر، وهو منهج جميع رسل الله بما يناسب زمن كلّ رسول. ولكنّ الجامع المشترك بينهم جميعا هو قيّام دعوتهم وأحكامهم على ظاهر ما يبدو لهم من أقوال الناس وأفعالهم وتصرّفاتهم وفق ضوابط المصلحة ومقاصد الفعل وحال الفاعل (أهليته الشّرعيّة) والظّروف التي جرى فيها الحدث، من دون بحث في النّوايا أو الخوض في الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله -جل جلاله-. ففهْم موسى -عليه السّلام- لما يراه ويسمع يقوم على النصّ والعلم المسْبق بالحكم وفق ضوابطه. أما فهم الخضر لما يرى ويسمع فقائم على الكشْف الذي يستبصر المستقبل فيحُول دون وقوع الفعل بأمر ربّه، وهو غيب لم يكلّفنا الله -جل جلاله- بتقليب صفحاته ولا بالنّبش في خفاياه، وما ينبغي لنا أنْ نفعل ذلك ولو أردنا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • أستاذ هرب من مدرسة منكوبة

    وأين هو دور العقل في كل ما يقال هنا وهناك ؟ ...معروف في تاريخ المسلمين ومنذ ظهور الاسلام وجود الكثير من الفقهاء وعلماء ورجال الدين .. الذين كفروا ورموا بالإلحاد ... كل من حَكَّمَ عقله وكذلك كل من رفض التخلف والجهل وخالف رأي الحكام والسائد من الفكر .. ليس هذا فحسب بل الأدهى من ذلك أنهم استباحوا دماءهم ومن أمثلة هؤلاء الذين عانوا الويلات : ابن حيان والفرابي وابن سينا وابن رشد ... الخ والى اليوم لا زال الكثير من الفلاسفة والعلماء والأدباء والمفكرين .... و في كل الدول الاسلامية يعانون ويطاردون من قبل الأنظمة الحاكمة من جهة ومن قبل الذين نصبوا أنفسهم حماة بل محامون للدين وخالقة ... فالى متى تتحرر العقول التي وهبنا بها الخالق ؟ بل ما الفائدة من هذه التي نحملها فوق أكتافنا بما أنها مقيدة .. ؟

  • الله غالب

    طيب انت كنت وزيرا وزير دولة و وزير للفلاحة و الصيد البحري فى اي علم تصنف نفسك ؟ فى علم الفضائل ام فى علم المسائل !!؟؟

  • الله غالب

    اين تصنف نفسفك بما انك كنت وزير للدولة و وزير للفلاحة في اي العلم ؟ علمالظاهر لموسي او في علم الباطن للخضر!!؟؟

  • ماضي

    نحن نريد قراءة علوم الارندي وعلوم الافلان وعلوم الاعتلاف في احضان موريتي وكيف تقنع الابناء البتعاد عن الغبرة البيضاء. وايضا علوم حمل العصي لمقرات الاجتماعات نريد نعرف علوم لذة التلون من اجل التمتع بالمنصف والقرب من البرمة ....

  • لزهر

    هذا يوحي أن الفقراء و المساكين و التائهين فوق الأرض ليسوا منسيين لهم من يرشدهم و يدّلهم إلى الطريق الصواب تارةً بالأنبياء و تارةً أخرى بالحكماء و الأوّلون و كان لهم الفضل في الهداية و الرشاد ولاكن في يوما ما توقف بهم الزمن. لقد أخطأ هتلر خطأً فادحاً في كتابه المستمد من الطبيعة و الأشكال و الظاهر للأشياء و الألوان و أعتبر نفسه في مقام الأنبياء و قال صدِقونِ و سوف أجعلها لكم جنة فوق الأرض و أعتقد نفسه مفكراً عميقاً إقتناعاً منه أنه وجد مفتاح فهم العالم المعقد الغير عادي. نفهم من ذلك انه رغم تقدم العلم و تفكيره و تخيله لم يأتي بذّرةٍ من التي أتى بها الأنبياء والمرسلين و بقي مجرد إنسان عادي بعيداً كل البعد عن فهمه للمجتمعات لأنه لم يكن يوما ما تقَياً.