-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

علّمني رمضان: الجود مراتب

جمال غول
  • 258
  • 0
علّمني رمضان: الجود مراتب

أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما قَال: “كان النّبِيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أجود النّاس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السّلام يلقاه كلّ ليلة في رمضان حتّى ينسلخ، يعرض عليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن، فإذا لقيه جبرِيل عليه السّلام كان أجود بالخير من الرّيح المرسلة”؛ فخُلق الجود من أخلاق المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام، وكان نبينا -عليه الصلاة والسّلام- في الذروة العليا منه، إذ كان له سجيةً طول حياته، يمارسه على مدار السّنة؛ لأنّ الصَّدقة عمل يوميّ لا سنويّ كالزّكاة، إلّا أنّه في رمضان كان يزيد فيه حتّى وصف بالرِّيح المرسلة، وذلك راجع لأسباب سنذكرها لاحقا.

في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد اللّه قال: “ما سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا قطّ فقال: لَا”، وثبت أيضاً أنّه صلّى مرة العصر فقام مسرعاً، فتعجّب الصّحابة الكرام، فقال لهم عليه الصّلاة والسّلام: “تذكرت أنّ لي صدقة، فكرهت أن تبيت عندي”، وفي ذلك استحبابُ الإسراع في توزيع الصّدقة.

وكان أوّل من ضيّف الضّيف إبراهيم عليه السّلام، قال تعالى: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ))، حيث بدأ جوده من التّحية عندما قالوا له سلاماً بالنّصب، فردّ عليهم سلامٌ بالرّفع، والرّفع أقوى من النّصب في لغة العرب.

ويمكننا أن نستخرج أهمّ مكونات الجود الحقيقيّ من خلال قصّة إبراهيم -عليه السّلام- مع ضيوفه، ومن خلال هدي نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام، ومنها:

أوّلا: الجود على من تعرف، وعلى من لا تعرف؛ فلا يُشترط أن تعرف من تجودُ عليهم، فإبراهيم -عليه السّلام- رغم أنّه لا يعرفهم ((قوم منكرون))، إلّا أنّه لم يتردّد، ولم يفكّر في إكرامهم من عدمه، لأنّ الكريم يُكرم من يعرف ومن لا يعرف، ولا يفكّر هل يُكرم أم لا؟ بل يُنفّذ مباشرة؛ لأنّ الكرم فيه سجيّة، فجاء السياق القرآنيّ معبِّراً عن هذا المعنى بلفظ ((فراغ إلى أهله))، من الروغان، وهو الحركة الخفيفة السّريعة.

ثانيا: الجود من الأجود كيفا وكمّا، ولذلك إبراهيم -عليه السّلام- نظر إلى أجود ما يملك، فقدّمه من غير تكلّف، قال تعالى: ((فجاء بعجل سمين)) وفي آية أخرى قال: ((فجاء بعجل حنيذ)) أي مشويّ، وهو من أجود أنواع الطّهي، فجمع ببن أجود ما يملك، وأجود أنواع الطّهي، وهذا هو الكرم الحقيقيّ، ولذلك قال تعالى: ((لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)).

ثالثا: لا يجتمع الجود إلّا مع الكلمة الطيّبة، فالواحد منّا إذا أكثر عليه الفقراء، فإنه يتعب ويملّ، وقد يقول كلمة ناهرة للفقير، وربنا تعالى ينهانا عن ذلك بقوله: ((وأمّا السّائل فلا تنهر))، وكذلك كان خلق نبيّنا -صلّى الله عليه وسلّم- في جوده؛ فما نهر فقيراً قط، وإذا لم يكن عنده شيء، يقول للسّائل: ارجع في المرّة القادمة، فيردّه بأمل، فالجود يتطلّب أن يُعوّد صاحبه نفسه ألا يقول لا. وأحياناً كان -عليه الصّلاة والسّلام- إذا أكثر عليه الفقير نصحه ووعظه -فكثيراً ما يحتاج الفقير إلى موعظة- كما في حديث حكيم بن حزام -رضي الله عنه- حيث لم يقل له نبيّنا -صلّى الله عليه وسلّم- بتعبيرنا “لقد كثّرت على ما وصّاوك”، بل قال له: “يا حكيم، إنّ هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوةِ نفسٍ بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خيرٌ من اليد السّفلى”.

رابعاً: من مكوّنات الجود تحمّل الأذى، وعدم الغضب، فالأذى المصاحب للخير، والاتهام المرافق لتوزيع الصّدقات قديم، فكثير ما يُلمَز القائم على ذلك بكلمات جارحة، من مثل: “توزعوا بالمعريفة”، وهذا نبيّنا -صلّى الله عليه وسلّم- تحمّل الأذى في توزيع الصّدقات، ومن ذلك أنّ رجلا قال له: هذه قسمة لم يُرَد بها وجه الله!!! كلمة لا تقال للصّالحين، فكيف بسيِّد الخلق أجمعين، ورغم ذلك لم يغضب بل قال له: “رحم الله موسى، لقد أوذِي بأكثر من هذا فصبر”.

وأمّا جوده -عليه الصّلاة والسّلام- في رمضان فصورة أخرى تماماً؛ فقد كان أجود ما يكون في رمضان، حتّى شُبّه في ذلك بالرِّيح المرسلة، فما سبب ذلك يا ترى؟ أجاب علماؤنا أنّ من أسباب ذلك:

  1. أنّ رمضان شهر التوبة والإحسان، كلما زاد من العمل الصالح كلما زاد غفران الله لذنوبه، ففي الحديث: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه”، و”من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه”.
  2. أنّه شهر تُسهّل وتتيسّر فيه الطّاعات، فأبواب الجنة مفتّحة، وأبواب النار مغلّقة، والشّياطين مصفّدة، والملائكة تنادي يا باغي الخير أقبل.
  3. أنّ النّاس في رمضان يُكثرون من أعمال الخير، ويجتمعون على الطّاعات، والإنسان يتأثّر بالجماعة، فمن عاش مع أناس يُصلّون صلّى معهم، والعكس.
  4. أنّه حين يلقى جبريل عليه السّلام، فملاقاة جبريل تزيده عزيمة، وكذلك المسلم مع إخوانه الصّالحين، تقوى همّته، وتزداد عزيمته، قال صلّى الله عليه وسلّم: “إنّ لكلِّ عمل شِرّة، ولكل شِرّة فترة”.

فالفرصة سانحة أمامنا لنجعل من رمضان منطلقاً للجود الحقيقيّ، لنصل إلى أعلى مرتبة من مراتبه من خلال التعوّد على مكوّنات الجود التي ذكرناها من خلال إطعام الصّائمين، وإكرام الأرحام والأقارب، والتّصدّق على الفقراء والمحتاجين، والإسهام في قفة رمضان إنفاقا ودعما وتوزيعاً، والمشاركة في مطاعم إفطار الصّائمين، خدمة وتحضيراً وتقديماً، وكلّ ذلك يكون مصحوباً بالكلمة الطيّبة، والابتسامة النيِّرة، ومن غير تردّد ولا إدبار، ويصاحبه تحمّل لكلّ أذى لفظيّ أو جسديّ -لا قدّر الله- بعيداً عن أيّ غضب أو شحناء، ثمّ لا نقطع ذلك بعد رمضان حتّى لا نلقي بأنفسنا إلى التّهلكة، كما قال تعالى: ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين)).. فما علاقة الإحسان بالتهلكة؟ ذلك ما فسّره لنا أبو أيوب الأنصاريّ -رضي الله عنه- حين قال: “إنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار: لمّا نصر اللّه نبيّه وأظهر الإسلام، قلنا: هلمّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل اللّه تعالى: ((وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة))، فالإلقاء بالأيدي إلى التّهلكةِ أن نقيم في أموالنا ونصلحَها، وندع الجهادَ. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيّوب يجاهد في سبِيل اللّه حتّى دفن بالقسطنطيِنية”.. فمعنى ((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة)): أي لا تتوقّفوا بل واصلوا إحسانكم وأكملوا، وسيُبارك الله لكم في تجارتكم، وكذلك بقية أعمالكم التي انشغلتم عنها بسبب الإحسان والبِرّ والمعروف.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!