الأحد 07 مارس 2021 م, الموافق لـ 23 رجب 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

بقلمحسن خليفة

عندما بكى الشيخ محمد الغزالي..

  • ---
  • 0

تناولنا في الأجزاء السابقة الخاصة بالشيخ الغزالي طرفا من حياته وعمله في مكتبه، في الطابق الثاني من مبنى الجامعة الإسلامية، وأنه كان لا يخلـو من الزوّار والزائرات يوميا، للاستفسار، للفُتيا، للتعرّف، أو لمجرد الزيارة إشباعا للفضول الإنساني لدى طوائف كثيرة من الناس رجالا ونساء.

وها هنا يجب التذكير أن بعضا من زواره كان في شكل أسرة (زوج وزوجة وابن أو ابنة أو أكثر ).. للسلام عليه ورؤيته. وربّما يمكن فهم هذا الأمر على أنه نوع من الخصوصية الجزائرية في حبّ العلماء والاحتفاء الجماعي الأسري بعالم أو فقيه أو داعية. وينبغي أن يذكّرنا ذلك بحفاوة وسخاء وإقبال الأسر الجزائرية على استضافة العلماء في ملتقيات التعرّف على الفكر الإسلامي، وإكرامهم بالغ الإكرام، ما لفت أنظار بعضٍ من هؤلاء العلماء فتحدثوا وكتبوا عنه في الصحف والمجلات، ونذكر منهم الشيخ الغزالي، والدكتور عبد الحليم عويس، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وغيرهم كثير.

فلنأخذ هذا الملمح في فهم نفسية الجزائريين، وليعمـل من يهمّهم الأمر من الدعاة والمصلحين على الاستفادة منه في نشر المعارف والعلم والخير؛ فهو دليل إقبال ومكرُمة من المكرمات، مهما كان فيها من “حب ظهور” وتسابق للتصدّر.. فالإنسان هو الإنسان، وإنّما يُستفاد من الجوانب الإيجابية قدر الإمكان مع توظيف ذلك في صناعة الخير والمعروف قدر المستطاع. والله المستعان .

كما تناولنا عمله في مدرجات الجامعة، سواء في قاعة المحاضرات الكبرى (عبد الحميد بن باديس، في الطابق الأرضي من مبنى الجامعة، أو مدرج مالك بن نبي في الطابق الثالث من مبنى الجامعة) في سياق نشاطه التدريسي العادي، وكان علَما متفردا ونمطا خاصا في ذلك؛ يرتقي بالتدريس إلى مستوى “الأداء العالي” كما يقول المشتغلون في الميدان التربوي.

من حيث حرصه على إيقاع التأثير في المتلقي من الطلبة والطالبات بأقصى ما يكون التأثير، حتى تثبت المعلومات، وأيضا حرصه على الجانب العملي في تطبيق ما أُخذ من العلم والمعرفة؛ لأنه دون التطبيق لا يكون ثمة أي فوائد لما أخذ. والعبرة بالعمل. وقد أشرنا أنه كان يمزج النّصح مباشرا وغير مباشر، والتوجيه أيضا مباشرا وغير مباشر، في تدريسه وتعليمه.

كما كان يعتمد أسلوب التفـكُّه المقصود فيُرسل من الكلام ما يُبهج ويُبهر.. ويُضحك.

وهنا ملاحظة والتماس :

سيكون رائعا لو اهتم طلبة وطالبات الشيخ يرحمه الله؛ خاصة ممن كانوا وكنّ قريبين وقريبات منه باستخلاص ما يتعلق بهذه المسألة (طرائق التدريس والتبليغ) وما كان يستخدمه من معارف وأساليب في الإلقاء والأهداف التي كان يتوخى تحقيقها من كل درس، أو محاضرة، أو ندوة إلخ.. علما أن للشيخ الغزالي تاريخا طويلا في مجال الخطابة والإلقاء، في مساجد مصر وأنديتها وفضاءاتها المختلفة، وقد جُمعت تلك الخطب في أربعة أجزاء أو أكثر، وهي من ضمن ما طُبع (طبعات متعددة) في الجزائر، في أكثر من دار نشر .

وثمة ما يحتاج إلى بعض البيان وهو ما جرى في سياق نشاطه الدعوي العام، إنْ في المناسبات الدينية والتاريخية أو خارج تلك المناسبات (ندوات ومحاضرات وملتقيات)، سواء منها ما كان يتم في الجامعة الإسلامية نفسها، أو في أماكن أخرى وهذا يحتاج إلى حلقة خاصة.

وأشرنا على نشاطه في مسكنه في الحي القريب من الجامعة الإسلامية ومقر الإذاعة والتلفزيون، وإلى حرصه على إهداء كتبه لزواره.. وهنا أعود إلى حادثة مؤثرة جدا، بكى فيها الإمام محمد الغزالي بشكل أربكني كل الإرباك وأخجلني.. ويتعلق الأمر بطبع كتاب “فقه السيرة” الذي أرسل له منه الحاج قرفي لتوِّه بعض (الكراطين) كما يفعل حين يطبع أي كتاب أو كتب للشيخ.

وافقتْ زيارتي له في ذلك اليوم وصول تلك الكتب إليه؛ حملها وأوصلها سائق دار الشهاب للنشر والتوزيع.

دخلت بعد الاستئذان وسلمتُ، لكنني لاحظتُ أنه ـ على غير العادةـ ساكت.. يبدو على محياه ـ يرحمه الله ـ أنه على غير ما يُرام، جفلتُ وارتبتُ وحاولت ُ أن أعرف، لكنني لم أستطع السؤال.

وبعد صمت غير قصير، بادر بالقول: ما الذي يجري؟ ما هذا الذي يفعله الجهـلة بالكتاب (صناعة الكتاب)..؟ ولم أفهم لكنني لم أنبس ببنت شفة. فبادر إلى رفع كتاب “فقه السيرة” في يده، وقال ما هذا؟ ثم أضاف: أيُعقل أن يُطبع كتابٌ عن خير الأنام محمد عليه الصلاة والسلام بهذا الشكل؟ بهذا الورق وبهذا الغلاف؟ ثم أجهش رحمه الله بالبكاء.

لا إله إلا الله ..

وأضاف: هل يعلم الناشرون أن الكتاب هو “ابن”… ابن من أبناء أو بنات المؤلف؟ وهل يرضى أمرؤ أن يُشوّه ابنُه أو ابنته؟ كيف يستقيم هذا الأمر، وقد أعطيتُ للناشر كل الحقوق.. ولكن على أن يكون الطبع والنشر بقدر عال من المهنية والاحتراف، بل وقبل ذلك بقدر عال من الاحترام؟ واسترسل رحمه الله قائلا  إن التعامل مع الكتاب فــنُّ وعلم ٌيحتـاج إلى معرفة وكياسة وإلمام … ثم قال بوضوح:

إن ما فعله النـاشر إخلالٌ بالعقد، بل هو إهـانة مباشرة ولن أقبل هذا أبدا.

كانت لحظات صعبة جدا، ولم أجد ما أقوله في واقع الأمر. أخذتُ الكتاب الذي كان أمامي وقلّبتُه متصفحا: كان الكتاب بورق أصفر من النوع التجاري الرديء جدا، وكان الغلاف بورق (الكارطون) المخصص عادة لعُلب الأحذية ـ أكرمكم الله ـ يا له من خَطب!

شعرتُ بحجم الجريرة المرتكبة… واعتبرتُ نفسي مسؤولا بشكل ما عن تلك الجريرة، ولكنني لم أجد ما أقوله ولا ما أفعله، وقد ترسَّخ مشهدُ بكاء الشيخ في ذهني وقلبي إلى درجة شعرتُ فيها بكثير من الحرج الذي هو أقربُ إلى “الخزي”.

وهاهنا أعود مرة أخرى إلى صناعة الكتاب التي هي صناعة من صناعات الثقافة، فأكرر القول: إن جزءا من مصيبتنا في بلدنا هو هذه الفوضى في عالم النشر، وقد زحف ذلك للأسف في الوقت الحاضر إلى عالم الصحافة والإعلام، وفضاء صناعة عالم الثقافة عموما.

والسؤال: تُرى لو كان الناشر عالما ومثقفا وفنّانا ـ كما يجب أن يكون أي ناشر محترم ـ هل كان سيسقط تلك السقطة البشعة؟ ولو كان هذا الناشر يعامل الكتاب فعلا ـ كما قال الشيخ الفاضل ـ معاملة احترام وتقدير وتبجيل، هل كان سيسمح بمثل هذه الغلطة القبيحة؛ خاصة وأن الأمر يتعلق بسيرة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم.

كان لتلك الحادثة ما بعدَها؛ حيث أخبر الشيخ الغزالي (لا أعلم بالضبط مَن ولعله الرئيس نفسه في ذلك الوقت الشاذلي بن جديد رحمه الله أو أي أحد صاحب سلطة)، فتم استجواب الناشر على نحو قاس فيما يبدو، و”مُرمِد” بشكل أو بآخر، كما علمتُ ذلك فيما بعد، ما دفع الناشر إلى السعي لإصلاح غلطته، واتصل بي آملا أن تتاح له الفرصة لاستسـماح الشيخ الغزالي وهو ما تم ّ ـ فعلاـ بعد مدة قصيرة، وتم الاتفاق على تنظيم لقاء فجاء الناشر حاملا بعض الهدايا ومنها فيما أذكر (زربية كبيرة)!.. وقابل الشيخ الغزالي في مكتبه في الجامعة، طالبا الصفح معترفا بفعلته، مقرّا بها.

وإن تعجب… فلتعجب لسماحة الشيخ الغزالي وقلـبه الرقيق الكريم، فما أسرع ما قبل الاعتذار، بعد لوم وعتاب، واسترسال في بيان مقام النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يجب تعظيمُه وتقديسه وتبجيـله، ومن ذلك الاهتمام بالكتاب الذي يتحدث عن سيرته العطرة وشمائله الرفيعة، وحياته المُثلى وجهاده وجهوده في الدعوة والإيمان.

ولم تطل الجلــسة كثيرا فانصرف الناشر ومن جاء معه، ورحل مغتبطا وكأنّه نجا بأعجوبة من “مشكلة كبـرى”.

مقالات ذات صلة

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close