الجمعة 22 جانفي 2021 م, الموافق لـ 08 جمادى الآخرة 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

عندما تتحوّل الألسن إلى أفاعٍ تلدغ!

  • ---
  • 1

اللّسان النّاطق، نعمة من أعظم نعم الله جلّ وعلا، لا يدرك قدرها إلا من حُرمها من عباد الله الذين بُلوا بفقد هذه النّعمة؛ فلا يستطيع الواحد منهم أن يُبين عمّا يختلج في صدره أو يأمرَ بمعروف أو ينهى عن منكر أو يسدي نصيحة إلا مع مشقّة وعناء، لكنّ كثيرا من المسلمين الذين حفظ الله لهم هذه النّعمة ليذكروه ويشكروه ويسخّروها فيما يصلح دينهم ودنياهم، أغراهم الشّيطان وأغرتهم أنفسهم بتسخيرها فيما يعود عليهم بالإثم والذمّ في الدّنيا، وبالحساب والعقاب في الآخرة.

أصبح أسهلَ شيء على كثير من المسلمين أن يستلّ الواحد منهم لسانه ليتحدّث عن مثالب وعيوب إخوانه ويفسد بينهم بالغيبة والنّميمة والوشاية الآثمة.. تجد المسلم يمرّ بأخيه المسلم في الصباح فيسلّم عليه، ثمّ يمرّ به في المساء فيفاجأ بأنّه أعرض عنه بوجهه، والسبب هو اللسان؛ لسان سعى بالنميمة بين هذا وذاك.. بل هناك ألسنة سعت بالنميمة بين الابن وأبيه، وبين الأخ وأخيه وبين الزّوج وزوجته.. ألسنة لا تخشى الله ولا الدار الآخرة.. ألسنة أغضبت الرحمن وأسعدت الشيطان، وألحقت بأصحابها الإثم والخسران.. مسلمون يخوضون في أعراض إخوانهم المسلمين والمسلمات بغير بينة ولا دليل، فتسمع الواحد منهم يقول: فلان يصلّي في المسجد وهو الذي يفعل كذا وكذا.. فلان يدعي أنّه متديّن ويفعل كذا وكذا.. فلان ينصح النّاس وابنته فيها كذا وكذا، وزوجة فلان لا تستحي.. فلان الذي يصلّي في الصفّ الأوّل كان فيما مضى يفعل ويفعل!… وهكذا.. بل قد طالت ألسنة بعض المستهترين أعراض العلماء والدعاة إلى الله والأئمّة واتهموهم في دينهم وأخلاقهم بما يختلقه بعض العلمانيين والإعلامييم اللاهثين خلف الإثارة والشّهرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

أصبحت أعرض المسلمين كلأ مباحا بينهم والله المستعان.. صار كثير من المسلمين يحملون في أجوافهم ثعابين لا يكاد يسلم من لدغها إلا القليل.. لدغوا الأطهار والأبرياء، ولدغوا العفيفات الطّاهرات، وسلم من ألسنتهم المجاهرون بالفسق والفجور الدّاعون إليه المحرّضون عليه.. خوّنوا الأمناء واتّهموهم بما ليس فيهم، ولجموا ألسنتهم عن الخونة الذين اتّخذوا الأمانة مغنما ونهبوا من الأموال ما تنوء به العصبة أولو القوة… لم يزعهم قول الله جلّ وعلا: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)) (الأحزاب، 58)، ولم يردعهم قوله جلّ في علاه: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون)) (النّور، 4).. وربّما أنسى الشّيطان هؤلاء الوالغين في الأعراض أن لو كان شرع الله قائما لكان الواحد منهم يطالب بأربعة شهود عدول، فإن لم يأت بهم فإنّه يجلد ثمانين جلدة، وإن شهد ثلاثة منهم أنّهم رأوا مسلما أو مسلمة تقترف الفاحشة فإنّهم يطالبون بشاهد رابع فإن لم يأتوا به فإنّ الثلاثة يجلد كلّ واحد منهم ثمانين جلدة.. وربّما أنسى الشّيطان هؤلاء أيضا حديث المعراج الذي ورد فيه أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- مرّ بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟، فقال جبريل عليه السّلام: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.

اللّسان صغير جِرمه لكنّ جُرمه عظيم، وهو والفرج أكثر ما يدخل المسلمين النّار يوم القيامة.. لهذا ينبغي للمسلم الذي يخشى الله والدّار الآخرة أن يحذر لسانه أن يورده المهالك ويكبّ وجهه في النّار.. المسلم اللّبيب الفطن، ينشغل بعيوب نفسه عن عيوب إخوانه، ويسعى لإصلاح نفسه وإصلاح أسرته ويجتهد في نصح إخوانه والسّتر عليهم راجيا مغفرة ربّه وستره، فمن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والآخرة، ومن فضح مسلما فضحه الله في الدنيا والآخرة.

مقالات ذات صلة

  • احتجاجاتٌ عفوية أم ثورة مضادّة؟

    هناك غموضٌ كبير يكتنف أحداث العنف والشغب التي اجتاحت العديد من المدن التونسية في الأيام الأخيرة؛ فتونس هي البلد الوحيد الذي نجحت فيه الثورة في…

    • 542
    • 6
  • فلسطين على هامش موعد مرتبك

    يتجدد أمل الشعب الفلسطيني في وحدة الموقف الوطني تجاه قضيته المصيرية التي أفرزت فرقا وتنظيمات وكتائب، لها أجندات متناقضة، لا تلتقي في خط نضالي تحرُّري…

    • 895
    • 0
600

1 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • عمرون

    بارك الله فيك يا أستاذ .. هذا درس مهم جدا لكل فرد في المجتمع .. درس يشمل جميع جوانب الموضوع بصورة عامة و بصورة خاصة

    فعلا مناكر اللّسان تهدم الأمم .. فكم من أسر حُطّمت و كم من حيوات دُمرت و كم من كفاءات عُطّلت و كم من قدرات هُمّشت و كم من قوة وحدة و تآزر تفتتت و كم من صلاح أُسد بسبب لدغات اللّسان خاصة النميمة و الوقوع في الأعراض و غير ذلك من الأذى الظاهر و الخفي

    و كما يقال .. الناس على دين ملوكها (يقصدون أن حالهم يكون على حسب السياسة التي يسوسونهم بها) .. فإذا معظم اصل الداء ظاهر ..

close
close