-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما يتحول السياسيُّ إلى لصّ!

عندما يتحول السياسيُّ إلى لصّ!

ما كشفته تحقيقاتُ الضبطية القضائية مؤخرا في حق وزير سابق من عهد العصابة صادمٌ أخلاقيّا وقانونيّا إلى أبعد الحدود؛ إذ تحوّل الرجل بقدرة السياسة “الملعونة” إلى أحد جبابرة المال في الجزائر، دون أن يمارس التجارة ولا المقاولة في حياته، ولم يكن في حاجة إلى ولوج عالم الأعمال، فهو طيلة مساره المهني ظل فقط معروفًا بصفة “المناضل الحزبي”، متخفيّا وراء شعارات الدفاع عن الشعب المُغتنى على ظهره، بينما كان في الواقع يغرف من تحويلات الأموال العمومية عبر استغلال فاحش للنفوذ الرسمي.

هذا السياسي المنتحل للصفة ليس إلاّ عينة من مئات، وربما آلاف آخرين في مستويات مختلفة، بين مسجونين وطلقاء لم تطلهم بعدُ مقصلة العدالة، ناهيك عن مسؤولين عموميين جعلوا من إدارة الشأن العام في غياب الوازع القضائي والأخلاقي فرصةً خاصّة للغنى الفاحش بطُرق غير مشروعة.

في الأصل أنَّ النضال السياسي هو عملية تطوُّعية في خدمة المجتمع، وفق منظور رسالي لحمَلة الأفكار بمختلف مشاربها الأيديولوجية وروّاد مشاريع التغيير، يقتضي من أصحابه التجرُّد المادِّي، وحتّى الترقيات الاجتماعية التي قد يستفيدون منها ضمن مسارهم الشخصي يُفترض أن تكون تحصيلا تلقائيّا ضمن مكاسب التكوين الذاتي أو التزكية الشعبية، بعيدا عن كلّ انتهازية نفعيّة.

من المؤكد أن مثل هذا الكلام يشكّل اليوم مثالياتٍ لا أثر لها في واقع الممارسة السياسية والنقابية والجمعويّة في كل مكان، وفي مختلف الأحزاب والتيارات، إلا في حالات استثنائية نادرة، لكن ذلك لا يبرّر إطلاقا أن تتحول السياسة إلى جسر معبَّد نحو الفساد بكل صوره، حتى يصبح “المناضل” المزعوم مقاولا ورجل أعمال ومرقّيا عقاريّا ومستوردا دون سجلٍّ تجاري، يمارس تحصيل المال القذر عن طريق الوساطات و”الشفاعات” والابتزاز و”المرابحة” الباطلة، بفتح حسابات بنكية وهمية وتسجيل الأملاك باسم كامل أفراد العائلة، بما فيهم القصّر، حتّى يخيّل إلى الغير أنهم ينحدرون جميعا من أسرة مالٍ وثروة أبًا عن جدّ، مع أنهم في الواقع مجردّ حاميات فساد بشرية، للتغطية على عوائد اللصوصيّة المكشوفة.

إنّ مثل تلك السلوكيات المنحرفة التي أنهت كلَّ علاقة ثقةٍ بين الشعب ورجال السياسة، ما جعل الأخيرة مرتعًا حصريّا لذوي الطمع والجشع والكذب، مقابل انكفاء الطاهرين والنزهاء، لم تكن لتنمو وتترعرع إلا في بيئة فسادٍ حكومي على أعلى مستوى، أتاح لها التعبير عن نفسها بكل وقاحة، دون خجل ولا خوف من العقاب، وفق قاعدة “منْ يُحاسب من؟”.

ومثل تلك المزايا غير المستحقة والمطامع الماليّة المحرَّمة، هي التي تدفع أصحاب الشهوات عشية كل استحقاق انتخابي برلمانيّ أو محلّي إلى التهافت على سباق التمثيل الشعبي، باسم الغيرة عن تنمية المنطقة، بينما تهفو قلوبُهم وترنو أعينُهم إلى مغانم الوظيفة النيابيّة، حتى إذا وضعت المعركة الانتخابية أوزارها انصرفوا إلى قضاء حوائجهم الخاصّة، ولم يعد ينفع التذكير في كل مرّة بقاعدة “عدم التعميم”، لأن الظاهرة تكاد تكون عامّة إلا من صحا ضميرُه.

إنّ رهان الفصل بين المال والسياسة ضمن أولويات الإصلاح السياسي في الجزائر، يشكّل فعلا حاجة عاجلة لتجديد الطبقة الحزبية وإعادة التأسيس للممارسة السياسيّة على قواعد جديدة من الشفافيّة، ولا نعتقد أن ما جاء به القانون حتى الآن سيكون كافيًا لاستئصال المال الفاسد من الحياة السياسية، وفق ما أفرزه الموعد البرلماني الأخير، ما يستلزم المزيد من العمل بالاعتماد على صدق الإرادة العليا وتجنُّد المجتمع في محاربة ظاهرة تغوّل أرباب المال، ما يعني أنّ التحدي صار مُزدوجًا في بلادنا، وهو كيف نحمي رجل السياسة من السقوط في وحل المال المتّسخ، أو بتعبير مختلف كيف نمنعه من التحوّل إلى إمبراطور مال؟ وفي آن واحد، كيف نقطع الطريق على أصحاب الكروش المنتفخة بحصاد الفساد من دخول السياسة، وقايةً لها من التلوّث الأخلاقي وتنزيها لها عن الاستغلال الخاصّ؟

لا شكَّ أنَّ الإجابة العمليّة على السؤالين أعلاه توجب خطة عمل تشاركيّة، بين المشرع والقضاء والسلطة التنفيذية والنخبة والمجتمع، لأنّ الفساد لا يزال، بكل بصراحة، يجد حاضنته الاجتماعية وسط الانتهازيين الداعمين انتخابيّا لرموزه الشعبيّة، لأجل مآرب شخصية ضيِّقة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • عدون عبد المجيد

    ان مثل هذه التصرفات اصبحت مع الاسف الميزة العامة للمجتمع الجزائري الا القليل القليل جدا,وهذا كله على حساب مصلحة المواطن كما يقال البسيط اي النزيه الذي يعاني يوم بعد يوم من الغلاء الفاحش الذي من اسبابها الرئيسية الرشوة والمحسوبية والاحتيال دون ان تقوم اجهزة الدولة باب خطوة عملية مدروسة الحد من هذه المعاناة.

  • بن بولعيد

    الاخلاق وحسن التربية ( تربية الابناء من طرف الوالدين اللام والاب ) هي من يصنع الرجال السياسة تعلم الكذب والسرقة والنفاق في بلدنا

  • ابونواس

    ...بل عندما يتحول اللص الى سياسي.....اللصوص عندنا منذ 1962.....سياسيون ..

  • ابونواس

    لاأستثني أحدا من سنة 1962...الى.............كلهم جبابرة على غرار الطاهر خاوة ....

  • Imazighen

    لص من لصوص قيادي الافلان وهم كثر، ان لم يكونوا الكل..