الثلاثاء 16 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 14 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 17:49
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

ما من مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر إلا وهو يحمل يقينا في قلبه أنّ الله سيتمّ نوره، وسيعلي راية دينه، وسيمكّن لعباده المسلمين الصّالحين ليرثوا هذه الأرض، مصداقا لوعده سبحانه: ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِين))، لكنّ هذا التّمكين ستسبقه عهود وعقود من الاستضعاف، ينحسر فيها الحقّ وينزوي وينتفخ فيها الباطل ويستعلي، حتى يظنّ ضعاف الإيمان أنّ الإسلام لن تقوم له قائمة، وقد تواردت أحاديث كثيرة تشير إلى فشوّ الباطل وطغيانه في آخر الزّمان، في مقابل انكماش الحقّ وانحساره، ممّا نعيش شيئا منه في سنواتنا وأيامنا هذه ونراه رأي العين، يقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “والله ليركبنّ الباطل على الحقّ، حتى لا تروا من الحقّ إلا شيئاً خفياً” (رواه ابن أبي شيبة).
في السّنوات القليلة القادمة، سيزداد فشوّ الفساد ويكثر وينحسر الصّلاح ويقلّ، بتوالي رحيل الصّالحين المصلحين عن دنيا النّاس، وبقاء الفاسدين، وهذا الذي بدأنا نعيشه في زماننا هذا؛ في كلّ مرّة ندفن ميتا من آبائنا وإخواننا الذين نحسبهم من الصالحين، نتأسّف لرحيله ويقول قائلنا: هكذا يرحل الصّالحون ويغادرون هذه الدّنيا بسرعة وفي صمت. ومصداق هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: “يذهب الصالحون الأول فالأول، ثم تبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله تعالى بالة” (البخاري).
وعندما يركب الباطل على الحقّ، ويرحل الصّالحون؛ يكثر أهل الباطل وأهل الفساد ويَعلُون في الأرض، ويقلّ أهل الصّلاح، حتى لا تكاد ترى في القبيلة إلا صالحا أو صالحين مقهورين لا يُعبأ بهما ولا يلتفت إليهما، ولعلّ هذا الواقع يصدق فيه ما روي عن النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- بإسناد فيه نظر أنّه قال: “إنّ من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها حتى لا يُرى فيها إلا الفقيه والفقيهان، فهما مقهوران ذليلان، إن تكلّما فأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر قُمعا واضطُهدا، فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانا ولا أنصارا”، وروي عنه –عليه الصّلاة والسّلام- أنّه قال: “سيجيئ أقوام في آخر الزمان تكون وجوههم وجوه الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين، أمثال الذئاب الضواري، ليس في قلوبهم شيء من الرحمة، سفاكون للدماء، لا يرعوون عن قبيح، إن تبعتهم واربوك، وإن تواريت عنهم اغتابوك، وإن حدثوك كذبوك، وإن ائتمنتهم خانوك، صبيّهم عارم وشبابهم شاطر وشيخهم لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. الاعتزاز بهم ذل وطلب ما في أيديهم فقر. الحليم فيهم غاوٍ، والآمر فيهم بالمعروف متّهم، والمؤمن فيهم مستضعف، والفاسق فيهم مشرف. السنّة فيهم بدعة، والبدعة فيهم سنّة، فعند ذلك يسلط الله شرارهم عليهم فيدعوا خيارهم فلا يستجاب لهم” (رواه الطبراني).
بل إنّ الأمر لا يتوقّف عند قلّة الصّالحين وكثرة الفاسدين، حتى يتعدّاه إلى أن يصبح الفاسدون يُكرَّمون ويُرفعون ويلتفت إليهم ويصفّق لهم وتوجّه إليهم الأضواء، وأهل الصّلاح يحتقرون ويُزدرون ولا يكاد يلتفت إليهم إلا من رحم الله، وفي هذا أخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف أنّ النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- قال: “وإنّ من أشراطها (السّاعة) أن يكون المؤمن في القبيلة أذل من النَّقَد” والنقد: هي الغنم الصغار، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت –رضي الله عنه-أنه قال لرجلٍ من أصحابه: “يُوشك إن طالت بك الحياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد –صلّى الله عليه وسلّم-فأعاده وأبدأه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله، لا يحور (لا يسوى) فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت”، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأَمَة”.
يُحتقر الصّالحون ويؤخّرون، ويكرم الفاسدون ويسوّدون، حتى يكون أحظى النّاس بالدّنيا وبالمناصب لكع بن لكع، كما جاء في الحديث: “لا تقوم السّاعة حتى يكون أحظى النّاس بالدّنيا لكع بن لكع”، وفي رواية: “لا تقوم الساعة حتى يسود كلَّ قبيلة رذالها”.
بل إنّ الأمر يتعدّى الاهتمام بالفاسدين وتكريمهم وإهانة الصالحين وازدرائهم، إلى تسلّط الفاسدين على الصّالحين والصّغار على الكبار واللّئام على الكرام، وفي مثل هذا الواقع يُروى عن النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- أنّه قال: “لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظاً، والمطر قيضاً، وتفيض اللئام فيضاً، وتغيظ الكرام غيظاً، ويجترئ الصغير على الكبير واللئيم على الكريم” (رواه الطبراني).

https://goo.gl/DqmZwR
7 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close