-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في الذّكرى 20 لأحداث 11 سبتمبر 2001

عودة طالبان والترتيب لما بعد انسحاب أمريكا

أبو جرة سلطاني
  • 480
  • 0
عودة طالبان والترتيب لما بعد انسحاب أمريكا

بعد عشرين سنة بالضبط من الحرب على الإرهاب (عشية الذكرى  20 لسقوط البرجين يوم 11 سبتمبر 2001) اكتشفت أمريكا أنها خاضت معركة طويلة مع غير عدوّها، فوق أرض بعيدة عن أرضها، ومع مقاتلين ليس لهم ما يخسرون.. وخرجت بلا طائل سوى الاتفاق مع قادة الطالبان في العاصمة القطرية الدوحة بعدم التعرّض لمصالحها وتسهيل نقل مواطنيها وبعض من تعاونوا معها بتأمين خروجهم من مطار كابل.

منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 إلى منتصف شهر أوت 2021،  والولايات المتحدة الأمريكية تطارد الأشباح في أغوار أفغانستان وتقصفهم جوّا، وتحاصرهم برّا وتجتهد لتحقيق ثلاثة أهداف إستراتيجية:

1- القضاء على بؤرة الإرهاب العالمي؛ فأفغانستان في نظرها هي مهد تفريخ الإرهاب منذ حادثة البرجين.

2- بناء جيش أفغاني قومه 300 ألف مقاتل يحلّ محلّ الجيش الأمريكي، ويكون مواليا لها.

3-  تأسيس دولة مدنيّة ديموقراطية يوضع على رأسها “بريمر جديد”. يخدم مصالح من نصَّبوه رئيسا في قصور كابل..

وبعد عشرين عاما من القصف والمطاردة لم ينجح الحل العسكري في تجفيف منابع الإرهاب، ولم يتشكّل جيش أفغاني قادر على استخلاف القوات الأمريكية وتأمين حدود الدولة، ولم تقم دولة مدنيّة في أفغانستان. ولم يتحقّق حلم الغرب في القضاء على الطّالبان.. بل إن ما حدث جاء معاكسا لما خطّطوا له وبأسرع مما توقّعوا؛ فقد عاد طالبان إلى العاصمة كابل أقوى مما كانوا زمن تفجير البرجين.. وتناسلوا من كل حدب (من الهندكوش وشكردرة وتورا بورا وهيرات وجلال آباد ومزار شريف.. الخ ولم يتخلّف سوى البجشير لأسباب عرقيّة وتاريخية)، وفر رئيس الدولة الموالي لأمريكا إلى الإمارات فدخل الطّالبان القصر الرئاسي دون مقاومة، ونظموا أول جلسة لهم بتلاوة سورة النّصر.. ليُثبتوا للعالم أنّ جهادهم بدأ ولم ينته.. وأن جهودهم لم تضع سدى، وعقيدة القتال لم تلن.. ولكنهم استوعبوا دروس الماضي وهم مستعدون للتعاون مع الأسرة الدوليّة ومع من يعترف بشرعيتهم، لاسيما دول الجوار الأربع: باكستان، طاجكستان، إيران، الصين، ثم روسيا.. وتسارعت الأحداث على ثلاثة محاور كبرى:

1- المحور السياسي الذي تجري وقائعُه علنا في قطر.

2- والمحور العسكري القائم عمليا في باكستان.

3- والمحور الأمني الذي يدار بحذر شديد في العاصمة كابل.

واللاّعبون الأساسيون على مسرح الأحداث في الملف الأفغاني عشرة: أمريكا. روسيا. الصين. باكستان. إيران. تركيا. ألمانيا. فرنسا. قطر. والأردن. وطبعا دول المهجر (خوفا من تدفّق اللاجئين). أما بقية العالم فينتظر ما سيقرّره الكبار بالتنسيق مع “الأسرة الدّولية” في مستقبل طالبان وفي لون الدولة التي عجز الإتّحاد السوفياتي عن صبغها بالأحمر. وانسحب وتفكك.. وعجزت الولايات المتحدة عن تلوينه بالأزرق وأعلن رئيسُها عن فشل مهمة بناء دولة، وانسحب وقد يتفكّك إذا سدّت روسيا والصين الفراغ الذي تركته جيوشها.

فما الذي حدث خلال عشرين عاما من الوجود الأمريكي في أفغانستان؟

بعد سقوط كابل بأيدي الطالبان، ودخولهم القصر الرئاسي دون أدنى مقاومة.. خرج الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ليخبرنا بصراحة غير معهودة في رؤساء الولايات لمتحدة: بأن مهمّة بلده في أفغانستان لم تكن بناء دولة، وإنما بناء جيش (يقول إنهم وفروا له كل ما يحتاج من تدريب ومعدات.. ولكنه ليس راغبا في الحرب..) ويؤكد أنه مصمّمٌ على سحب قواته من أفغانستان كما وعد الشّعب الأمريكي خلال حملته الانتخابية، (علما أن سلفه أعلن سنة 2020 عن بداية الانسحاب). وأنه ليس نادما على قراره ولن يتراجع عنه.. وأن أمريكا أنفقت أزيد من ألف مليار دولار على الحرب ضد الإرهاب، وجنّدت كل ما بوسعها، وفقدت بضعة آلاف من جنودها في حرب طويلة خاسرة، وسقط الآلاف من جنود الجيش الأفغاني النظامي، ومن الأبرياء.. لتحرير أفغانستان من مخالب الطالبان.. ولكنهم عادوا ودخلوا العاصمة ولم يعترض طريقهم جنديٌّ واحد ولا عميلٌ واحد، فالجيش الذي دربه المارينز ومولته أنظمة عميلة قبض ثمن عمالته واختفى، وليس مستعدا للدفاع عن وطن ليس له فيه ولاء.

هكذا تنصَّل بايدن من مسؤولياته المستقبلية على ما سيحدث في أفغانستان بعد سحب قواته و”مسح الموس” في الجيش الأفغاني الذي لا يريد مواجهة الطالبان، وفي الرئيس الأفغاني الذي لم يوقع اتفاقية سلام واتفاق مع طالبان وقرَّر المواجهة العسكرية ولكنه فرّ وترك ترسانة سلاح ستقوي شوكة طالبان وتجعلها قادرة على التفاوض ندّا للند.

بعد عشرين عاما من الوجود الأمريكي في أفغانستان لم تقم دولة، وأنهكت أمريكا قواها في حرب عصابات خاسرة، بينما تفرغت الصين وروسيا لإعادة بناء نفسيهما اقتصاديا وعسكريا، وصارتا قوتين تهددان مستقبل أمريكا التي بدَّدت جهودها في الدفاع عن أنظمة فاسدة في العالم الإسلامي، ولم تنجح في ترويض شعوب هذه الدول، وتأكد لها أن “أفغانستان مقبرة الغزاة”، وصارت مقتنعة أن أولويتها اليوم الدفاع عن الأمريكيين، وحماية مصالحها في العالم، بعد الفراغ من نقل العالقين في أفغانستان إلى أوطانهم، بمن فيهم المتعاونون معها.

صنَّاع القرار في العالم مرعوبون من عودة طالبان إلى سدة الحكم، ويخشون أن تتحول أفغانستان قاعدة لتدريب الإرهابيين وملاذا آمنا لهم، بعد تحول أمريكا من الهجوم إلى للدفاع عن النفس، والأمم المتحدة تحذر، والمقاومون يهنِّئون، والبقية مازالوا تحت تأثير الصدمة (على غرار بوش الابن وزوجته..)، وقطر تحولت إلى قبلة دولية يحج إليها كل راغب في تطويق الأزمة من أقصى دعاة تجفيف المنابع (أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا..) إلى أدنى من كانوا يحكمون أفغانستان (حكمت يار وكرازاي وعبد الله عبد الله..) وبينهما روسيا والصين وإيران وتركيا.. وطبعا دول الهجرة جميعا، والعين الآن على مطار كابل (المنفذ الجوي الوحيد للفرار) بعد أن أعاد الناطق باسم حلف شمال الأطلسي ما قاله الرئيس بايدن، فالوضع معقد وصعب.. والعالم الآن في هلع، لاسيما دعاة “الإسلاموفوبيا”، لأنَّ عودة طالبان يعني نهاية المشروع الأمريكي بتجفيف منابع الإرهاب عن طريق تكتيك “الضربات الاستباقية”، وسقوط “صفقة القرن”، وتفكير شعوب أخرى في تحرير نفسها من هيمنة الخارج (العراق. سوريا. اليمن..)، فبعد عشرين سنة من الحرب صارت أمريكا تتحدث عن وضعية الدفاع عن النفس إذا تعرضت لهجوم طالباني.. وتتحدث عن فشل في تحقيق الأهداف المسطَّرة.. واندهاش من سرعة عودة طالبان.. وتبادل تهم بينها وبين روسيا حول الانسحاب المتسرّع.. وهذا يعني أن الولايات المتحدة سوف تتخلى عن عملائها قريبا في بؤر التوتّر في العالم كله، لتتفرغ لإعادة ترميم نفسها لمواجهة تطورات محتملة بعد نهاية جائحة كورونا، قد تكون بداية لإعادة رسم خرائط جديدة للعالم، في مسمى “ما بعد كوفيد 19” تسقط فيه أقنعة، وتتعرى وجوه، وتظهر عورات، وتولد قوى إقليمية جديدة، وتصبح للطالبان دولة (أو إمارة) قد تعمل على دفع الإرهاب العالمي لتغيير معسكره..!

بعد أشهر قليلة سيتأكد للعالم كله أن الإسلام ليس إرهابا، وليس دين مبادأة بالقتال، ولكنه لا يسكت عن حقه إذا ظُلم، وأن من صنعوا الإرهاب هم الذين سيكتوون بناره إذا انقلب السحر على الساحر، فالشعوب الإسلامية رقمٌ معقد في معادلة الصراع التاريخي، وفي السلام العالمي أيضا، الشعوب الإسلامية ليست على دين حكامها إذا رضوا بالدّونية في دينهم، والحرية حقّ لمن يريد تقرير مصيره. وما حدث في أفغانستان سيفتح عقول قادة حركات التّحرُّر في العالم على التّفكير في طرق أخرى لاسترجاع الأوطان السليبة إذا فهم صنّاعُ القرار في العالم فحوى رسالة بايدن: “تستطيع تسليح جيش وتدريبه لكنك لا تستطيع إجباره على القتال”. وهذا الانسحاب له ما بعده، فأمريكا لا تعطي شيئا مجانا، والحلف الأطلسي لا يقبل بأن تستنسخ الشعوب تجربة “سايغون 75”. وفي ما سيصدر من قرارات في الذكرى 20 لتفجير البرجين الخبر اليقين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!