إدارة الموقع

عَرفنا الهَدف.. نسينا الطريق!

عَرفنا الهَدف.. نسينا الطريق!
ح.م

جاء في الحكمة الصينية: “الهدف هو الطريق” (لاو تسي). ونُسِبَت العبارة أيضا إلى الفيلسوف الألماني “غوتة”. ومعنى ذلك أنه علينا أن نَعتبرَ الطريق الصحيح هو الهدف، لأننا خلاله سنُراجع الكثير من القناعات، وسَنكتسِب الكثير من الخبرات، وسَنُغيِّر الكثير من الخيارات، ونُصحِّح مفهومنا الأولي عن الهدف.

بدا لي توضيح هذه الحكمة اليوم من الأهمية بمكان، ذلك أن الكثير مِنَّا بات كل تركيزه على الهدف ونسي الطريق!

الهدف مثلا: إقامة دولة القانون، إفشاء العدل، محاربة الفساد، ضمان الحقوق والحريات…الخ ونَسي الطريق إلى ذلك! أي كيف نصل إلى هذه الغايات؟ ما الصّعاب التي تعترضنا؟ ما الوقت الذي نحتاجه؟ ما الخطوات التي سنقوم بها ونحن نسعى لتحقيقها؟ كيف سنتصرف ونحن نسعى لبلوغها؟ كيف ستكون ردود أفعالنا؟ كيف ستكون قيادتنا إليها ونحن في الطريق؟ كيف سيتصرف معنا الأعداء والحلفاء؟ وعشرات الأسئلة الأخرى…

لذا بدا لي أنه من الأجدر بنا أن نعرف أولا الطريق. أن نتفق مبدئيا على طبيعة الطريق الموصلة لهذا الهدف أو ذاك. أن نُحدِّد ملامحه، بدايته، الخطوات الأولى التي نخطوها فيه، كيف ننطلق في العمل معا ومتى… وبعدها، أثناء السير سنختبر خياراتنا ونُصحِّح مسارنا، ونتحاور ونُجري تقييما لما أنجزناه، ونعرف هل نحن نتقدم أم نتأخر… وبلا شك ستتضح لنا الطريق أكثر، ومعها الهدف.

ما الذي يمنعنا سياسيا من تحقيق ذلك بدل الاستمرار في الصراع حول الهدف وأحيانا حول عدة أهداف؟  هل الهدف هو نهاية ثابتة نصل إليها أم عملية مستمرة في الزمان؟ هل هو طريق نسير فيها أم مَحطة نسعى للوصول إليها ولا نعرف ما بعد ذلك؟ هل هو حالة ستاتيكية غير مُتحركة أم مسار ديناميكي غير ثابت؟

يبدو لي أن الإجابة واضحة. كل أهداف نسعى إلى تحقيقها هي عبارة عن مسار طويل، بل هو مسار مستمر إلى ما لا نهاية، طريق علينا البدء بوضع أول خطوة فيه… وبعدها سنمضي قُدُما في مجال التغيير نحو الأحسن حتى وإن اعتقدنا أننا بلغنا أعلى قمم الرخاء سنستمر في التغيير، وهي سنة الحياة، وهي حال الأمم التي نرى اليوم، من الزاوية التي نحن فيها، أنها بلغت أهدافها وحققت قمة التغيير…

ولعل هذه هي فكرتي اليوم لكي نخرج من عنق الزجاجة: لنتفق جميعا حول طبيعة المسار، أي الطريق، ولِنعتبر ذلك هدفنا المشترك جميعا، أي أننا سنسير في طريقٍ هو الهدف، ولِنخطو أولى الخطوات في هذا الطريق الهدف، وسنبدأ بجني الثمار فورا وفي أكثر من قطاع ومستوى:

ـ سنتفق أنه طريق طويل لا يُقطَع بين يوم وليلة…

ـ سنتفق بشأن طبيعته، أنه طريق صعب وشاق ومحفوف بالمخاطر لكلا الجانبين سلطة ومعارضة.

ـ سنتفق أن به مطبات ومصائد كثيرة وقنابل مُعدَّة سلفا من القوى الدولية والمتربصة بنا، لا تُميز بين السلطة والمعارضة.

ـ سنتفق على عدم تسبيق الأهداف على الطريق، كما حدث في بعض التجارب المأساوية…

عندها سنُجَنِّب بَلَدنا ما وقعت فيه بلدان أخرى مِمَّن لم تُميِّز بين الأهداف والطريق.. وسيعرف الجميع أنه إذا سلك كل طرف طريقا غير طريق الطرف الآخر، سيؤدي ذلك بالضرورة إلى صدامات لا مفر بها، تتيه معها كافة السبل، وتضيع كل الأهداف، ويذهب معهما كل أمل..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • benchikh

    فعلا يا سيد قلالة هذا المنهاج انتهجته اوربا في زمن عصر النهضة وكانت كما تفضلتم "الفكرة" في كتاب الفلاسفةthomas Hobbs ,john lockes
    jean jacque Rousseau في كتابه في بناء المجتمع الفرنسي ونشاة الدولة "العقد الاجتماعي " وكما سابقه كتاب "العقد الفريد" ابن عبد ربه الاندلسي

  • Ahmed Ben Ammar

    على ذلك فان اهداف الساسة عندنا هي مجرد وعود فارغة من كل محتوى .. ينبغي ان نعرف مسبقا وبصفة مبدئية ما هو المنهج والطريق الموصل للهدف ونقيمه ونحكم عليه ما اذا كان مجديا وموصلا فعلا للغايات المراد تحقيقها .. خلاف ذلك فان كل الوعود براقة ولكنها مجرد شعارات للضحك على العامة والدهماء .

  • yccom

    ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم من اسباب النجاح ان حسن الهدف وحسن الطريق وقبل ذلك ان تحسن النوايا من غير هاته القواعد ماا يقوم به البعض هو الغيي

  • جزائري الطوارق

    أول مرة تمتعت بقراءة مقالك
    لأنه تناول شأن بلدي الجزائر وسيتمتع الجزائريين معي
    لأنك غالبا تكتب على لاداعي لذكرهم