الأربعاء 23 أكتوبر 2019 م, الموافق لـ 23 صفر 1441 هـ آخر تحديث 23:58
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

عَـدْوَى الفساد في المجتمعات!

أبو بكر خالد سعد الله أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة
ح.م
  • ---
  • 5

تُعَدّ مجلة “ساينتفيك أميركن” (Scientific American) الشهرية من أعرق المجلات العلمية حيث تم إصدارها عام 1845. وهي تنشر في كل الفروع العلمية والطبية، حتى تلك التي لها علاقة بالعلوم الإنسانية. وقد صدر في عدد سبتمبر الجاري مقالا بعنوان “عدوى الفساد” (The contagion of corruption) للباحث الأمريكي الإسرائيلي دان آرييلي Dan Ariely، الأستاذ بجامعة “ديوك” (Duke) الأمريكية. في بداية العهد تخصص الكاتب في الرياضيات والفيزياء، ثم تحوّل إلى علم النفس والاقتصاد السلوكي، وأصبح من كبار المتخصصين في هذا العلم. واشتهر بكتاباته حول الفساد بمختلف أشكاله وسلوك الإنسان؛ وكانت مؤلفاته من أكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة.

الفساد كبيره وصغيره يعيق التنمية

تعرض المقال إلى عديد الأبحاث التي جرت وتجري حاليا داخل المخابر الأمريكية وخارجها حول سلوك الإنسان بصورة عامة وتعامله من الفساد الصغير منه والكبير، وكذا كيفية تفشي هذا الداء في المجتمع. وخلاصة الكثير من هذه الأبحاث تؤكد أن عدم النزاهة يولّد عدم النزاهة، وهو ما يؤدي إلى الانتشار السريع في المجتمع لسلوك يتنافى مع الأخلاق.

تتصدر فضائحُ الفساد عناوينَ الصحف العالمية. فعلى سبيل المثال، اعترفت شركة البناء البرازيلية “أودبريشت” (Odebrecht) عام 2016 بأنها دفعت مبلغ 700 مليون دولار رشاوى للسياسيين والتكنوقراط في 12 دولة. لكن الأكثر انتشارا هو الفساد “البسيط” في المجتمعات، الذي يقتصر على مزايا صغيرة بين قلة من الناس. توضح بعض الإحصائيات الصادرة عام 2017 أن 1 من بين كل 4 -ممن شملهم أحد الاستطلاعات- صرح بأنه دفع رشوة لقاء خدمات عمومية خلال 2016. ويبدو أن هذا النوع من الفساد منتشر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

يقدم المقال المثال التوضيحي التالي: تخيّل أنك توجهت إلى مقرّ بلديتك لطلب استلام رخصة ترميم منزلك، وقد كنت تقدمت بطلبك قبل أيام. فيقول لك الموظف إنه نظرًا للعدد الكبير من الطلبات التي تلقتها مصلحته، سيستغرق معالجة ملفك 9 أشهر لإصدار التصريح… ولكن، إذا دفعت 100 دولار، فسوف نعالج ملفك بسرعة. ستدرك في تلك اللحظة أن الأمر يتعلق بطلب رشوة للحصول على معاملة تفضيلية.

من الجائز أن تتوالى عندئذ في ذهنك سلسلة من التساؤلات: هل أدفع لتسريع الأمور؟ هل سيفعل بعض أصدقائي وأقاربي نفس الشيء في مثل هذه الحالات؟… ومع ذلك، ربما لا تتساءل عما إذا كان التعرض لمثل هذا الطلب سيؤثر في حد ذاته على اتخاذ قرار أخلاقي لاحق؟ هذا هو نوع الأسئلة التي يطرحها الباحثون السلوكيون في موضوع تفشي الفساد.

ويعقّب المؤلف بأن الفساد، كبيره وصغيره، يعيق دائما التنمية الاجتماعية والاقتصادية للدول. ذلك أنه يؤثر على الأنشطة الاقتصادية المختلفة، ويُضْعف المؤسسات القائمة، ويتداخل مع مسيرة الديمقراطية في البلاد، ويُقوّض ثقة الجمهور بالمسؤولين الحكوميين وذوي النفوذ.

وما يثير القلق لدى الباحثين هو أن الدراسات الحديثة تفيد بأن مجرد التعرض للفساد يفسد الفرد في المجتمع ما لم يتم اتخاذ تدابير وقائية. فالفساد يسري كالمرض المعدي سرًا وجهرًا من شخص لآخر. ونتيجة لذلك تتآكل الأعراف والأخلاق الاجتماعية عندما تصبح ثقافة الغش والكذب راسخة… وقد يبلغ “الورم” حدا يستعصي التخلص منه.

تآكل الشخصية الأخلاقية

لنفترض أنك رفضت طلب ذلك الموظف في البلدية ولم تُرْشِه. يتساءل الباحثون في هذه الحالة: كيف ستؤثر تجربتك تلك على ردك إذا ما تعرضت مجددا إلى معضلة أخلاقية؟ وقد أجريت دراسات وتجارب مخبرية على الأفراد بحثًا عن إجابة لهذا السؤال ستنشر لاحقا. وقدم المقال وصفا دقيقا لتحضير تلك التجارب. وهكذا، انتهى المطاف بإحدى التجارب إلى تصنيف الأفراد إلى 3 فئات سمح بتقييم سلوكيات الأشخاص الذين تعرضوا للرشوة من الناحية الأخلاقية. وأظهرت تجارب أخرى أن تلقي طلب رشوة يؤدي إلى تآكل الشخصية الأخلاقية للفرد، مما يدفعه إلى التصرف بشكل غير نزيه في القرارات الأخلاقية اللاحقة.

ومما تم البحث في تفاصيله ضمن هذه التجارب دراسة مدى تأثير المعايير الاجتماعية في تشكيل السلوك غير النزيه. أما فيما يخص الانتساب إلى مجموعة معينة وتأثيرها الكبير على سلوك العضو فيها فوصفته التجربة كما يلي: عندما يلاحظ الأفراد عضوًا في مجموعتهم يتصرف بطريقة غير شريفة فإنهم يميلون إلى التصرف مثله بطريقة غير شريفة. وفي المقابل، عندما يكون الشخص الذي يتصرف بطريقة غير شريفة ينتسب لمجموعة ثانية فإن أعضاء المجموعة الأولى يتصرفون بشكل أكثر نزاهةً.

ولاحظ الباحث أن التجارب بيّنت بأن المعايير الاجتماعية تختلف أيضًا من ثقافة إلى أخرى: فما هو مقبول في ثقافة معينة قد لا يكون مقبولا في ثقافة أخرى. على سبيل المثال، في بعض المجتمعات التي تقدم الهدايا للزبائن أو للموظفين العموميين تعتبر هذه اللفتة عربون صداقة واحتراما متبادلا ضمن العلاقات التجارية، بينما تعتبره ثقافات أخرى رشوةً.

وهكذا، ففي البلدان التي يلاحظ فيها الأفراد أن غيرهم يدفعون رشاوى للحصول على معاملة تفضيلية، سرعان ما يتقبلون الوضع، ثم يعتبرون أن دفع الرشاوى مقبول اجتماعيًا. وبمرور الوقت، يصبح الخط الفاصل بين السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي خطا ضبابيًا! ويصبح السلوك غير النزيه هو الطريقة المتّبعة في تسيير الأعمال.

ولاحظ الباحثون أن ميل الناس إلى التصرف غير النزيه يتشابه في جميع البلدان. ذلك ما توصلوا إليه باعتبار عينة من السكان الأصليين في الولايات المتحدة وكولومبيا والبرتغال وألمانيا والصين. فلماذا نلاحظ اختلافات ضخمة بين الدول في مستويات الفساد والرشوة؟ لقد اتضح أنه على الرغم من أن النزْعة الفِطْرِية للأفراد في التصرف بصدق أو بطريقة أخرى متشابهة عبر البلدان، فإن المعايير الاجتماعية وصرامة تطبيق القوانين تؤثر بشدة على التصورات والسلوكيات البشرية.

هؤلاء الباحثون واثقون بأنه من الأهمية بمكان مواصلة التحقيق في الجذور النفسية للأضرار التي يلحقها الفسادُ بالمجتمعات في كل مكان. ومن تلك التساؤلات التي تحتاج إلى بحث عميق: ما الذي يؤثر على احتمال تقبّل الرشوة؟ ما هي عواقب الرشوة، وما هي آثارها الطويلة المدى؟ ما هي أنواع التدخلات التي ستكون أكثر فاعلية للحد من طلبات الرشوة وقبولها؟…

يعتقد عامة الناس أن الإجابات عن مثل هذه الأسئلة هيّنة ولا تتطلب جهدا، أما العلماء فيصرّحون بأنهم يجهلون الإجابة عنها لحد الساعة!!

مقالات ذات صلة

  • الشعوب الحرة تصنع المعجزات

    وحدها الحرية تصنع المعجزات، وتمنح الشعوب قوة الإبداع والتقدم. الدليل على هذا الكلام يتكرر في كل مناسبة، ولقد شاهدنا ذلك مجسدا في تونس كما في الجزائر. راقبوا…

    • 767
    • 12
600

5 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
  • منصوري رابح-غليزان

    حضرة الاخ المحرر الدكتور ابو بكر سعدالله/استاذ الرياضيات/المدرسة العليا للاساتذة-القبة-الجزائر.
    اتابع مقالات ساينفيك امريكان(المجلة العلمية الامريكة(النسختان:العربية والانجليزية منذ مدة،ولا اريد الدخول في تفاصيل المقال المنشور)، غير اني اريد ابلاغك بوجود مقياس مقرر على طلبة العلوم الاقتصادية بعنوان”الفساد واخلاقيات العمل” والذين صمموا البرنامج قاموا باستنساخ فهرس كتاب منشور بالعراق والاردن،ووضعوا هذا الفهرس برنامجا اجباريا على الطلبة في الجزائر ولما احتج بعض من المدرسين على ذلك،قام اللاهثون في ادرار او بشار بمراجعة البرنامج فماذا حدث؟اعادوا الترتيب لمفردات البرنامج حتى اصبح نشازا.ما رايكم؟

  • كبير حسينة

    أظن أن الصدق في القول هو الحل

  • HOCINE HECHAICHI

    عندنا “دمقرط” النظام الأ فلاني الفساد ونهب “البايلك” ليشمل حميع أجيال و فئات الشعب الجزائري بما فيها ” الهشة والمحرومة” . فعلى سبيل المثال، الجامعيون ينهبون أموال البحث العلمي الفلاحون ينهبون أموال الدعم الفلاحي والشباب ينهبون قروض أنساج وعاملات النظافة ينهبن مواد التنظيف. الفرق بين هؤلاء وبين رجال الأعمال والوزراء الفاسدين المسجونين حاليا يكمن فقط في “عدد الأصفار”.

  • أبو بكر خالد سعد الله

    إلى السيد منصوري رابح (غليزان)
    السؤال الموجه لي صعب علي الإجابة عنه لأني لست من أهل الاختصاص، ولا علم لي بهذا المقرر ومحتوياته. لكني أعلم أن كثيرا من الزملاء المكلفين بوضع المناهج في مختلف المقررات والفروع العلمية يلجؤون إلى “استنساخ” جزئي أو كلي لفهارس الكتب المختصة. والعملية في حد ذاتها أرى أن تتم بحذر ومشاورات (لأن في كل اختصاص هناك مدارس فكرية وأنظمة مختلفة حسب البلدان الصادرة فيها تلك المراجع…). والله أعلم.

  • هاني حداد

    انتشر الفساد في البر والبحر وطاف على الدول والمجتمعات حتى أصبح مشرعا ومقننا ومقبولا في كثير من الدول ولا سيما في البلدان العربية والإفريقية وأمريكا اللاتينية ونتيجته هي التخلف والفقر والجهل وهو ما يميز هذه المجتمعات بدرجات متفاوتة وعندما تدرك وتقتنع هذه الشعوب بهذه النتائج عندها تتوصل إلى الحل.

close
close