-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

غدرْنا برسالتنا.. فعاقبَنا القدر!

بقلم: محمّد الغزالي
  • 310
  • 0
غدرْنا برسالتنا.. فعاقبَنا القدر!

قلت لرجل من المشتغلين بعلوم الدين: أتعرف سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- في إخراج الناس من الظلمات إلى النور؟ قال: ما تعني؟ قلت: كان العرب أمة فقيرة متخلفة، فلما جاءهم خاتم الرسل أضحوا به أمة ذات عافية وحضارة، يتعلم منها الآخرون بعدما كانت هي غارقة في الجهل، وتمرح في بحبوحة من العيش بعد أن كانت تكتفي بالتمر والماء.. ما سر هذا التغير؟ إن الإناء المثلوم لا يبقى به السائل، وقد كان جهد صاحب الرسالة أن يصحح الكيان الإنساني للأمة، ثم يفرغ فيها بعدئذ حقائق الوحي ومعادن الدين الجديد!

نعم لقد أعاد بالإسلام تشكيل الأمة العربية، فإذا العقل الكسول ينشط للتفكير، وإذا لطبع الجموح يستمسك بالأدب، وإذا البصر الكليل يرمق الآفاق، وإذا المزدلفون أمام الأوثان يدوسونها بعد ما أشرق على بصائرهم التوحيد، وعرفوا من هم؟ ومن يعبدون؟

إن الإسلام جعل العرب أثقل وزنا في كل ميدان مادي أو معنوي؛ إذا كان غيرهم عاطلا فهم عاملون، وإذا كان مخطئا فهم مصيبون، وإذا كان مرذولا فهم الأفاضل الموقرون.. كان الاكتفاء الذاتي -وهو خلق يعرفه الأبطال- صفة للعرب وهم يقاومون الاستعمار الباطش بالشعوب شرقا وغربا حتى إذا تم النصر عاد العرب يأخذون الحياة ويعطون، ويأكلون ويتصدقون، وتعتمد أجهزة الجهاد بينهم على إنتاج لا يشينه قصور، وفيض لا يلحقه غيض.

ثم غدرنا برسالتنا وعاقبنا القدر! الاكتفاء الذاتي لدى المجاهدين الأولين حسبه السخفاء فقرا، فدعوا إلى الفقر واستداروا للدنيا وصفرت أيديهم من كل خير، وهل يستطيع نصرة الحق مسكين يتضوّر؟ إن اليد السفلى لا تستطيع أن تخدم المثل العليا والشعوب التي تقترض لتعيش أعجز من أن تحمل رسالة! وكيف يقدم الإيمان لغيره من يجثوا أمام الغير لحاجة تدنيه وتخزيه؟!

في تقرير أمامي أن العرب أكبر مستوردي الغذاء في العالم. إذ بلغ ما استوردوه من المواد الغذائية سنة 1980م: 14 مليارات من الدولارات ارتفعت سنة 1985م إلى 25 مليار ووصلت سنة 1987م إلى 30 مليارا! ويأكل العرب يوميا 750 مليون رغيف، المستورد منها 500 مليون رغيف. كما أنهم يستهلكون 77 % من كل ما يدخل السوق العالمية من الأغنام والماعز، 20 % من الألبان ومنتجاتها.. والأرض العربية تجرى فيها أنهار النيل والدجلة والفرات وغيرها، وتستطيع أن تزرع كل شيء وأن تأكل وتبيع وتتصدق… ولكن المشكلة قلة العاملين، وكثرة العاطلين، فأين عمل الدين بين هؤلاء الخاملين؟!

إن الإسلاميين مشغولون بأمور أخرى، وهم -أمام شعب الإيمان- لا يدرون ما الرأس وما الذنَب؟ وأمام البنيان المنهدم، يريدون إقامة السقف قبل إقامة الجدران! وهم مسترخون في مطالب العقيدة وأصول الأخلاق وتصحيح التقاليد الشائعة وإحكام مناهج التربية، على حين يكثر الصياح حول وظائف الحكومة ومسالك الحاكمين! من يأبى الحكم بما أنزل الله؟ لا يأباه إلا كفورا! لكن هذا الحكم لا يقيمه إلا من أسلموا وجوههم الله، وأخلصوا قلوبهم له، وجعلوا من حياتهم الخاصة وتربيتهم الزاكية وسيرتهم العاطرة ما يصدق الظنون وينعش الآمال.

(من كتاب “الحقّ المرّ”).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!