الأربعاء 24 جويلية. 2019 م, الموافق لـ 22 ذو القعدة 1440 هـ آخر تحديث 07:45
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

غياب شمس المجاهد أمير البحار خير الدين بربروسة

علي محمد الصلابي مفكر ومؤرخ وفقيه
ح.م
  • ---
  • 0

جاء اليوم الذي غابت فيه شمس المجاهد الكبير أمير البحار خير الدين بربروس، الذي برع في ركوب البحر، وقاد السفن، وخاض المعارك الحربية البحرية، وفتح للمسلمين بلاداً عديدة، وحرر كثيراً من البلاد المحتلة، ووجه ضرباته القوية المؤلمة إلى أعداء الإسلام، فكسر شوكتهم، وهزم جيوشهم، وذاع صيته في أوروبا كلها.

لقد قاد خير الدين حروب الإيمان، وحقق فوزاً عظيماً، واتصف بالوفاء والإخلاص وإنكار الذات، والاستعداد الدائم للتضحية، والصدق، والشجاعة بكل أشكالها. ويحفظ لنا التاريخ رده على شارلكان عندما قال له: «يجب ألا تنسى أن الإسبان لم يخذلوا في معركة، وأنهم قتلوا أخويك إلياس وعروج، وإن تماديت فيما أنت عليه وركبت رأسك فإن عاقبتك ستكون كعاقبة أخويك». فأجاب خير الدين: «سترى غداً، وإن غداً ليس ببعيد، أن جنودك ستتطاير أشلاؤهم، وأن مراكبك ستغرق، وأن قوادك سيرجعون إليك مكللين بعار الهزيمة».

وعندما حاصر شارلكان (كارلوس الخامس) ملك إسبانيا الجزائر خرج له خير الدين ومعه حزم وعزم، وتلا على جميع قواده وجنوده قوله تعالى: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)، وتقدم إلى الميدان ومعه رجاله، وقال لهم: «إن المسلمين في المشرق والمغرب يدعون لكم بالتوفيق؛ لأن انتصاركم انتصار لهم، وإن سحقكم لهؤلاء الجنود الصليبيين سيرفع من شأن المسلمين وشأن الإسلام». فصاحوا كلهم: «الله أكبر»، وهاجموا الإسبان فأبادوهم عن آخرهم.

إِنَّ هذه الصورة لا تختلف أبداً، لا في شكلها ولا في مضمونها عن صور أولئك القادة المجاهدين في سبيل الله، والَّذين خرجوا من جزيرتهم، فحملوا إِلى الدُّنيا رسالة الإِسلام، إنه خير الدين بربروسة الذي وصفه المؤرخ التونسي ابن المضياف، فقال: «خير الدين هذا من رجال الدنيا، بل والآخرة، فهو كما قال بعض الأدباء: خير الدين والدنيا».

وفي آخر أيامه استمر خير الدِّين بربروسة في قيادة الأسطول العثماني، وحقَّق انتصاراتٍ رائعةٍ هزَّت أوربة كلَّها، وبعد أن تحالفت الدَّولة العثمانيَّة مع فرنسا جعل خير الدِّين من مدينة (مارسيليا) قاعدةً لقيادته، ومقرَّاً لأسطوله، وهناك ـ في مرسيليا ـ باع خير الدِّين ورجال أسطوله الغنائم الَّتي حملوها معهم من إسبانيا، كما باعوا فيها رقيق الإِسبان من الرِّجال، والنِّساء. فتداولتهم أيدي القوم، واشتراهم الفرنسيُّون بضاعةً رابحة، ثمَّ أخذوا يبيعونهم بأرباحٍ طائلةٍ إِلى يهود (ليفورنو) الإِيطاليَّة، وكان هؤلاء بدورهم يعيدون بيع الأسرى الأرقاء إِلى الإمبراطور (شارلكان) بأرباحٍ خياليَّة.

وانضمَّ الأسطول الفرنسي إِلى الأسطول العثماني بأمر من ملك فرنسا، ووضع قائد الأسطول الفرنسي (الأمير فرانسوا دبو بوربون) قوَّاته تحت قيادة (خير الدِّين) باعتباره القائد العام للقوَّات المتحالفة (العثمانيَّة ـ الفرنسيَّة) وكان أوَّل عملٍ قام به (خير الدِّين) هو قيادة القوَّات لمهاجمة (نيس) وطرد حاكمها (دوق سافوا) وانتزاعها من الحكم الإِسباني، وإِعادتها لملك فرنسا.

ثمَّ استقرَّ خير الدِّين بأسطوله في مدينة (طولون) وجعلها قاعدةً للجيش الإِسلامي والأسطول الإِسلامي، بعد أن غادرها معظم سكَّانها بأمر ملك فرنسا، وتركوها في أيدي المسلمين. ثارت ثائرة المسيحيَّة جمعاء ضدَّ هذا التصرُّف الفرنسي، وأخذت الدِّعاية المضادة للمسلمين تجتاح أرجاء أوربة، يحملها الإِسبان، وغلاة الصَّليبيَّة، ويستثمرونها إِلى أقصى الحدود. ومن ذلك قولهم: (إِنَّ خير الدِّين قد اقتلع أجراس الكنائس، فلم تعد تسمع في طولون إِلا أذان المؤذِّنين) وبقي خير الدِّين، والجند الإِسلامي بمدينة طولون حتَّى سنة 1544م.

وكان (شارلكان) أثناء ذلك قد هاجم شمال شرقي فرنسا، وانهزم تحت جدران (شاتوتييري) ثمَّ اضطر للذَّهاب إِلى ألمانيا، حيث كانت حركة التمرُّد البروتستانتي ـ ضدَّ الكاثوليكيَّة بصفةٍ عامَّةٍ، وضده بصورةٍ خاصَّةٍ ـ قد أخذت أبعاداً خطيرةً، وأرغمه ذلك بعد أن هوى نجمه، وذبل عوده ـ بنتيجة نكبته أمام الجزائر ـ إِلى عقد معاهدةٍ مع ملك فرنسا يوم 18 أيلول (سبتمبر) 1544م في مدينة (كريسبي دي فالوا). ونتج عن هذه المعاهدة جلاء (خير الدِّين) وقوَّاته عن مدينة (طولون) ورجع إِلى العاصمة (إِستانبول). وبما أنَّ الحرب لم تتوقف بين إِسبانيا والمسلمين، فقد استمرَّ (خير الدِّين) في ممارسة الأعمال القتاليَّة أثناء طريق عودته، فتوقف أمام مدينة جنوة، وارتاع مجلس شيوخها، فأرسل له مجموعةً من الهدايا الثَّمينة مقابل عدم التَّعرض للمدينة بأذىً، فتابع (خير الدِّين) طريقه حتى وصل جزيرة (ألبا) الَّتي كانت تحت حكم إِسبانيا ـ والَّتي أصبحت منفى نابليون بونابرت فيما بعد ـ فاحتلَّها، وغنم ما بها، كما احتلَّ عدداً من المدن السَّاحليَّة، ومن بينها مدينة (لبياري) ورجع إِلى العاصمة بسفنه مثقلةً بالغنائم، فاستُقبل كأحسن ما تستقبل به الأمُّ أبناءها البررة.

ولم يعمِّر خير الدِّين بعد ذلك طويلاً، ومضى إِلى جوار ربِّه، وكان قد سبقه رفيق جهاده حسن باشا الطوشي سنة 1544م، وغاب بوفاة (خير الدِّين) نجمٌ طالما أضاءت له سماء المسلمين في البرِّ، والبحر، وانطوت بغيابه صفحةٌ ناصعةٌ من صفحات الجهاد في سبيل الله ؛ لتبدأ صفحةٌ جديدةٌ.

إنَّ الموقف العامَّ لم يكن في عهد (خير الدِّين) مشابهاً لما كان عليه أيام الفتح، فقد أخذ الضَّعف طريقه إِلى قلوب المسلمين، وأنظمتهم، فقد كانوا من قبل تحت قيادةٍ واحدةٍ لا تسمح لأعداء الدَّاخل بالظُّهور، أو بممارسة دورهم في التَّأثير على التيار العامِّ، في حين أصبح لهؤلاء دورهم في توجيه الأحداث، وكان أخطر ما في الأمر: أنَّ هؤلاء كانوا يحتلُّون مراكز قياديَّةً تسمح لهم بممارسة دورٍ خطيرٍ ضدَّ مواطنيهم، وإِخوانهم في الدِّين.

لقد كان المحال تحقيق النَّجاح في مثل هذه العمليَّات لو لم تتوافر كفاءةٌ قياديَّةٌ عاليةٌ، تتولَّى إِدارة المعركة في كلِّ مرحلةٍ من مراحلها الصَّعبة.

وقد توافرت العوامل الثلاثة للنَّصر: شعبٌ مجاهدٌ في سبيل الله، وتطبيقٌ رائع للعقيدة القتاليَّة الإِسلاميَّة، وقيادةٌ على درجةٍ عاليةٍ من الكفاءة.

بذلك انتصر (شعب الجزائر) وبذلك انتصر خير الدِّين، فكتب شعب الجزائر مع خير الدِّين تحت سيادة الدَّولة العثمانيَّة قصَّته الرَّائعة في الجهاد، والمجاهدين.

ولم يكن (خير الدِّين) قادراً على تحقيق ما يريده لولا ما قام به شعب الجزائر المجاهد، وما كان شعب الجزائر ليصل إِلى هدفه لولا توافر قيادةٍ حازمةٍ، مارس (خير الدِّين) دوره في تكوينها، ووضعها لتصبح على مستوى الأحداث.

لقد مضى خير الدِّين إِلى جوار ربِّه راضياً مرضيَّاً، وبقي، وبقيت الأمَّة الإِسلاميَّة تردِّد على مدى الدَّهر تلك المواقف البطوليَّة الَّتي صنعتها العقيدة، ومبادئ الجهاد، وقيمه في سبيل الله.

مراجع البحث:

1. د. علي محمّد الصلابي. الدولة العثمانية، عوامل النهوض وأسباب السقوط، الطبعة الأولى 2003م، ص (187: 189).

2. أحمد توفيق مدني، حرب الثلاثمئة سنة بين الجزائر وإسبانيا 1492 – 1792 ، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر، الطبعة الثانية، 1984م ، ص (203).

3. بسام العسلي، خير الدِّين بربروسة، دار النَّفائس، الطَّبعة الثَّالثة، 1406ه ،1986م، ص (166-170- 171 – 176).

مقالات ذات صلة

  • أيها المفسدون.. الله لا تربّحكم!

    كان واضحا قبل سنوات، حسب ما لاحظه آنذاك شيوخ مخضرمون، أن من يدشن "غار" بوزقزة بأغنية "جيبوها يا لولاد"، لا يمكنه إلاّ أن يكون "بانيها…

    • 889
    • 0
  • ماذا بعد كأس إفريقيا؟

    إذا كانت مقولة "إنّ التاريخ يعيد نفسه" متنازعا في صحتها كقانون تاريخي، بل إنّ البعض يعتبر الفيلسوف الكبير هيغل المنسوبة إليه هو من ألدّ أعدائها،…

    • 330
    • 1
0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close