-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فأصابتكم مصيبةُ دروس الدّعم

جمال غول
  • 777
  • 1
فأصابتكم مصيبةُ دروس الدّعم

إنّ ظاهرة تقديم دروس الدعم التي كانت في زمن مضى مقتصرة على طلبة الطور الثانوي عموما، وطلبة النهائي خصوصا، وفي بعض المواد العلمية لا أكثر، وترسّمت في أواخر التسعينيات من قبل الوزارة لتقدم في المدارس الرسمية تجنّبا لتقديمها في البيوت والمرائب، وسُمح آنذاك حتّى للمديرين بأخذ نسبة من مداخيلها رغم رمزيتها، ثمّ توسّعت في زمننا لتصل إلى تلاميذ الطور الابتدائي وفي كلّ المواد تقريبا، إنّها لظاهرة تستوجب الفحص والتمعّن قبل استفحالها حين لا ينفع الندم.

وإذا كانت هذه الدروس تُقدَّم سابقا مجّانا من قبل بعض الأساتذة الرساليّين على مستوى المساجد وبعض الجمعيات، وبأسعار مقبولة وربما رمزية من قبل بعضهم الآخر في بيوت التلاميذ، فإنّها اليوم تُقدَّم في البيوت والمحلات والمقرات والمرائب وبتكديس التلاميذ في كثير من الأحيان مقابل مبالغ كبيرة تستنزف جيوب الأولياء المنهكة أصلا بسبب غلاء المعيشة.

وقد وصلت إلى درجة أن تُقدَّم أحيانا من الساعة 6:00 صباحا إلى 22:00 ليلا، بل إن من الأساتذة من يتحايل للإستفادة من عطلة مرَضية شهرا قبل الامتحانات ليتفرّغ لدروس الدّعم !

من آثار هذه المصيبة أخلاقيا: تكسير عدة قيم عند أولادنا، مثل قيمة الإتقان في العمل والقدوة والاعتماد على الجهد الفردي والشخصي، فكيف سنغرس في التلميذ هذه القيم غرسا صحيحا وقد نشأ وهو يرى أنّ معلّمه وأستاذه لا يوصل له الرسالة في القسم ويوصلها له جيّدا في دروس الدّعم؟ ونشأ أيضا على أن النجاح مرهونٌ بتلقّي دروس الدعم ولا مجال للاجتهاد الفردي.

إنّ وبال هذه الظّاهرة لم يقتصر على الجانب المادي الذي أرهق الأولياء إرهاقا لا قِبل لهم به، خاصّة لمن عنده أكثر من ولد يدرس، فمن أين يدفع ربُّ الأسرة الذي لا يتجاوز راتبُه عتبة الثلاثة ملايين سنتيم حقوق دروس الدَّعم لأولاده الثلاثة في مادة أو مادتين أو أكثر؟!

بل إنّ الوبال الأعظم هو في أثرها القيمي والأخلاقي على الناشئة خصوصا والأمّة عموما، ممّا قد يكون مصيبةً عظيمة تأتي على الأخضر واليابس، لتتتج لنا أجيالا مشوّهة تحسبهم على شيء وما هم على شيء.

ومن آثار هذه المصيبة أخلاقيا: تكسير عدة قيم عند أولادنا، مثل قيمة الإتقان في العمل والقدوة والاعتماد على الجهد الفردي والشخصي، فكيف سنغرس في التلميذ هذه القيم غرسا صحيحا وقد نشأ وهو يرى أنّ معلّمه وأستاذه لا يوصل له الرسالة في القسم ويوصلها له جيّدا في دروس الدّعم؟ ونشأ أيضا على أن النجاح مرهونٌ بتلقّي دروس الدعم ولا مجال للاجتهاد الفردي، وكأن “الفهامة” تُصبّ في الرؤوس صبّا في هذه الدروس؟!

وأما مجتمعيا فقد أصبحت هذه الدروس تشكّل فسادا حقيقيا من خلال:  أولا: دعم استقالة الأولياء من متابعة أولادهم ومرافقتهم في الجانب الدراسي مثل استقالة الكثير منهم في الجانب التربوي، فصار همُّ الأولياء -إلا من رحم الله- هو حصول أبنائهم على النقاط لا أكثر!

ثانيا: من خلال الوهم براحة البال عند الأولياء تجاه متابعة ومرافقة أولادهم في دراستهم لمجرد أنهم يأخذون هذه الدروس!

وأما على المستوى الرسمي، فإنّ هذه الدروس التي تُقدَّم خاصّة قبيل الامتحانات ويكون محتواها هو: حلّ موضوعات الامتحانات المشابهة لما سيعطى في الامتحان، إن لم نقُل نفسها، فإن النتائج ستكون وهمية لا تعكس حقيقة المستويات، وستُصبّ في الأرضية الرقمية للوزارة، وعليه فإنّ جُلّ التحليلات والتشخيصات والحلول ستكون خاطئة ومُدمّرة للمقرّرات والبرامج المستقبليّة.

وأمّا من الجانب القانوني، فإنّ هذه الظاهرة قد اخترقت القانون بأبعاد رباعيّة امتدت إلى أربع وزارات؛ فتقديم دروس الدّعم  عمل مواز ممنوع في قانون العمل، وهو عملٌ تجاري غير مصرَّح به ويعاقب عليه القانون، وهو عملٌ تجاري فيه تهرّبٌ من دفع الضّريبة ما يخالف القانون في هذا المجال.

ولذلك، فإنّ أربع وزارات معنيّة بالمعالجة القانونية لهذه الظاهرة وهي:  وزارة التربية الوطنية ووزارة العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، ووزارة التجارة ووزارة المالية، فكان على كل وزارة منها أن تتدخل لمعالجتها، فكيف إذا كانت مجتمعة؟

إنّ على المعلّمين والأساتذة أن يتّقوا ربّهم ويستحضروا ضمائرهم في وظيفتهم النّبيلة التي أساسها التربية قبل العلم وهدفها تخريج جيل مشبّع بالقيم التي تبنى بها وعليها الحضارات، وما كان غير ذلك فينبغي أن  لا يقبلوا به تغليبا للمصلحة العامّة على المصلحة الشخصية، ورحم الله الشاعر حافظ إبراهيم القائل

والعلم إن لم تكتنفه شمائل

تعليه كان مطية الإخفاق

لا تحسبنّ العلم ينفع

وحده ما لم يُتوَّج ربّه بخلاق

كما أنّ المسؤولية كبيرة على ولاة الأمور في تحسين الوضعية الاجتماعية المهنية والتكوينية، التي هي أحد الأسباب الملجئة لهذه الظاهرة، وإن لم تكن مسوّغا كافيا، لأن الغاية لا تبرر الوسيلة والقاعدة المقاصدية: الوسائل لها حكم مقاصدها.

وعلى المشرفين على المقررات التربوية تأهيلها وفق ما يعالج ظاهرة دروس الدّعم من خلال الرجوع للبطاقة التقييمية خاصة في مرحلة النهائي التي أصبح التلميذ فيها لا يداوم في المدرسة من نهاية الفصل الثاني.

إنّ الأمة التي لا تعتني بالناشئة العناية القيمية والأخلاقية قبل أيّ عناية أخرى، فإنّها لن تستطيع الإقلاع الحضاري ولو ملكت من المعلومات والتكنولوجيات أجودها وأرقاها، ولذلك فإنّ إعطاء الأولوية لغرس القيم، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية هو بداية الطريق الحقيقي للنهوض، فالإقلاع الحضاري لأي أمة يبدأ من القيم والتربية التي تستهدف صناعة الإنسان الواعي والصّالح. ولله درّ القائل: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • merghenis

    "كيف سنغرس في التلميذ هذه القيم غرسا صحيحا وقد نشأ وهو يرى أنّ معلّمه وأستاذه لا يوصل له الرسالة في القسم ويوصلها له جيّدا في دروس الدّعم؟" الرسالة لا تصل ـ لا من هنا و لا من هناك. و الوقت يضيع بدون أية فائدة تذكر .