الإثنين 30 نوفمبر 2020 م, الموافق لـ 14 ربيع الآخر 1442 هـ
الشروق العامة الشروق نيوز
إذاعة الشروق

فرنسا.. الإرهابُ المقنّع!

عبد الحميد عثماني نائب رئيس تحرير بجريدة الشروق
ح.م
  • ---
  • 0

تحرير الرهينة الفرنسية، صوفي بترونين، من قبضة جماعة “القاعدة” في شمال مالي بعد أربع سنوات كاملة من الاختطاف، يُعيد إلى الواجهة مجددا الحديث عن دور باريس الفعلي في الساحل الإفريقي وعلاقته عمليا بتغذية الإرهاب، بعيدا عن الخطابات الاستهلاكية والظاهر من الأقوال المخادعة.

لقد حرص إيمانويل ماكرون على الاحتفاء بعودة رعيته أمام الشعب الفرنسي، في صورة الحدث الإنسانيّ والإنجاز الأمني والدبلوماسي الكبير لعهدته في الإليزي، إذ قال في بيان عن القصر، إن الإفراج جاء “بفضل تضافر جهود أجهزة المخابرات وقوات الجيش بالإضافة إلى شركاء ماليين”.

غير أن ماكرون لم يُطلِع العالم على الحقيقة الكاملة وعن كواليس “الصفقة” المخفيّة في واقعة تحرير “مريم”، لأنّ الإشارة بنبرة الفخر إلى جهود فرنسية دون الإفصاح عن الثمن والمقابل هو استغفال ساذج للرأي العام الدولي لم ينطل حتى على الإعلام الفرنسي نفسه، والذي فضح سريعًا تواطؤ باريس مع الجماعات الإرهابية، من خلال الرضوخ لشروطها المعلومة من التفاوض بالضرورة، وهي دفع الفدية، بل إنّ الأرقام جاءت صادمة بين 15 و20 مليون يورو.

إذا كان من حق الرئيس الفرنسي الاحتفال بالنجاح في تحرير مواطنة تحت مسؤوليته الدستورية، فمن حق دول الساحل وشعوب المنطقة الإفريقية جنوب الصحراء أن تسائله أيضا سياسيّا وأخلاقيا وقانونيّا عن تصرفات الدولة الفرنسية في إقليمها المستباح، لأنّ تغريدة ماكرون على تويتر بزعمه إنّ “الحرب ضد الإرهاب في الساحل ستستمرّ”، قولٌ في حاجة إلى فعلٍ يسنده ميدانيّا.

وما يعنينا في هذه المساحة تحديدا، هو تعارض الدور الفرنسي بشكل صارخ مع المقاربة الأمنية للجزائر في منطقة الساحل، وفق مبادئ سياستها الخارجية بالمنطقة، والتي ترتكز على رفض التدخل الأجنبي وقطع التفاوض مع الجماعات الإرهابية، فضلا عن تجريم الفدية والوساطة بشأنها، فما موقف باريس عمليّا من ذلك؟

تُعدّ فرنسا أكبر متدخل عسكري بشكل مباشر في المنطقة، من خلال إقامة القواعد العسكرية المنتشرة في وسط إفريقيا وشرقها وغربها وصحرائها، بل تتموقع قريبًا من الحدود الجزائرية في مالي والنيجر.

ذلك أنّ باريس ومثلها القوى الغربية تسعى إلى توظيف بعبع الإرهاب بالمنطقة للتواجد العسكري المباشر في الساحل الإفريقي، لأجل النفوذ والسيطرة على الثروات ومنابع النفط وحماية المصالح الخاصة، تحت غطاء مراقبة الجماعات الإرهابية.

وتلجأ فرنسا وحلفاؤُها إلى التدخل العسكري دون البحث عن الأسباب المغذّية للإرهاب في المنطقة، وعلى رأسها الانتشار الرهيب للأسلحة المتأتية من ليبيا منذ سقوط نظام القذافي، بفعل تدخُّل حلف الناتو، وعوض تقديم الدعم اللوجيستي لجيوش دول المنطقة وتشجيع المقاربة التنموية الشاملة لتوفير عوامل الاستقرار المجتمعي، ما يؤكد أنها إستراتيجية مُمهنجة غربيّة وفرنسيّة على وجه الخصوص، لأجل الهيمنة على المنطقة تحت قناع ملاحقة الإرهاب.

ولا شكّ أنّ الحرب التي نفذتها فرنسا على شمال مالي في مطلع 2013 كانت لأهداف أساسية جيوسياسية مرتبطة بصيانة مصالحها الاقتصادية التي تمثلها شركات “توتال” (النفط) و”أريفا” (اليورانويم) و”ألف” (الغاز).

وبذلك تكون الحرب على الإرهاب في الساحل هي البوابة التي تريد فرنسا من خلالها العودة بقوة إلى المنطقة، بعد اصطدامها برفض التوارق لنفوذها هناك، على خلفية دعمها لنظامَيْ مالي والنيجر، ناهيك عن الأضرار البيئيّة التي يكابدها السكان المحليون من آثار نشاط الشركات الفرنسية.

أمّا رفض التفاوض مع الجماعات الإرهابية مهما كانت الضغوط، وبصفة تلقائية رفض وساطة دول المنطقة في تسهيل تلك المساومات، فإنّ الجزائر جسَّدته في أحلك الظروف قبل 7 سنوات، عندما آثرت الحسم العسكري بقدراتها الذاتية ضد منفذي الهجوم الإرهابي الدولي على القاعدة النفطية بمنطقة تقنتورين في جانفي 2013، برغم التكلفة البشرية في الأرواح والفاتورة الماديّة، بينما لا تتورّع باريس أبدا عن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع رؤوس الإرهاب لمآرب فرنسية ضيقة.

أما ثالث المحدِّدات المُفاصلة بين البلدين، فهي دفعُ الفدية مقابل الإفراج عن الرهائن، إذ سعت الجزائر منذ 2007 إلى تجريمه دوليا، حتى نجحت في 17 دسيمبر 2009، بعد مصادقة مجلس الأمن، في استصدار لائحة أممية (1904) جرّمت دفع الفدية إلى الأشخاص والجماعات والمؤسسات والكيانات الإرهابية، إلا أن باريس لا يزال موقفها إلى هذه اللحظة متحفظا على اللائحة، إذ لم تُبدِ التزامًا صريحًا بها، وهو ما يشكل عقبة فعلية أمام جهود الجزائر والمجتمع الدولي قاطبة في تطويق الإرهاب في الساحل، بالنظر إلى ثقل فرنسا كلاعب رئيس بالمنطقة.

الافتتاحية

مقالات ذات صلة

  • تربية الصَّحابة على مكارم الأخلاق من خلال القصص القرآنيّ

    إنَّ القصص القرآنيَّ غنيٌّ بالمواعظ، والحكم، والأصول العقديَّة، والتَّوجيهات الأخلاقيَّة، والأساليب التَّربويَّة، والاعتبار بالأمم والشُّعوب، والقصص القرآنيُّ ليس أموراً تاريخيَّةً لا تفيد إلا المؤرِّخين، وإنَّما…

    • 116
    • 0
  • المنجِّمون.. وأفول النجوم

    يرحل الصادق المهدي بعد تاريخ حافل من الدين والسياسية، ويرحل مارادونا بعد تاريخ حافل بالمجد والتعاسة، ويرحل كثيرون ما بين ذا وذاك.. كما يرحل الجميع…

    • 442
    • 4
600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close