-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

فلسفة الاجتهاد

خير الدين هني
  • 307
  • 1
فلسفة الاجتهاد

يلزم الاجتهاد استفراغ طاقة فكرية كبيرة في استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية، وهو لذلك يصدر عن موهبة فطرية عبقرية وليس عن متوسط الذكاء العادي والتراكم المعرفي، والموهبة قدرة ذهنية عالية الإدراك والتبصُّر، تجعل صاحبها من ذوي الذكاء الفئوي العالي بما يساوي 0.25 بالمائة من العلماء، وليس من أصحاب الذكاء العامّ الذي هو صفة مشتركة بين البشر، 60 في المائة من الناس، ولذلك يقوم الاجتهاد على فلسفة فقهية وأصولية معقدة، معروفة في المدارس الفقهية القديمة والحديثة.

وقد فصل فيه جهابذة من العلماء والفقهاء والأصوليون، ولم يتركوا شيئا من مسائله إلا ودققوا فيها النظر بمناهج رصينة، أبانوا فيها شرائط الاجتهاد وفلسفته الاشتقاقية واللغوية والاصطلاحية، وضبطوا لفظته بضوابط لغوية دقيقة، أخذت من المظان اللغوية  في معرفة معاني مفردات لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم، وهي اللفظة التي يدل معناها على بذل الجهد والمشقة في العمل، وما يصاحب ذلك من إفراغ الجهد في الفكر والقراءة وتدقيق النظر في حل المسائل الفقهية المستعصية.

وعرّفه الأصوليون تعريفا اصطلاحيا وافيا، ليكون دالا على أبوابه في الأصول، وهو: بذل الجهد في التعرّف إلى الحكم الشرعي في الاستنباط،  خلافا للمناهج التقليدية المعروفة بالجمود.

والاجتهاد في التأويل والمسائل الفقهية، يكون ببذل جهدٍ علمي كبير، من أصحاب الاختصاص من الراسخين في علوم القرآن والقراءات والفقه والحديث واللغة والبلاغة والشعر الجاهلي، ولا يكون إلا من ذوي المواهب الفائقة بالتعمُّق في تأويل النصوص واستنباط أحكامها  من أدلتها الشرعية، والاستدلال على صحة ما يستنبطونه، وليس الاجتهاد عملا اعتباطيا أو ارتجاليا أو تخمينيا أو ظنيا، يقوم به كل من تكدس في ذهنه نصيبٌ من العلم والمعرفة، وخالَ نفسه أنه أصبح جديرا برتبة المجتهد المستقل، فتكديس المعرفة الشرعية في الذهن وتراكمها، ليس كافيا ليجعل من صاحبها مجتهدا صاحب رأي فقهي مستقل، على نحو الأئمة الكبار من أصحاب المذاهب المعروفة.

والمعرفة النظرية لا تستدعي قدراتٍ ذهنية عليا، وإنما يتم تحصيلها من طريق حشو الذاكرة بمكدّسات العلوم والمعرفة، والذاكرة معدودة من العمليات العقلية الدنيا التي يشترك فيها جميع البشر، والتكديس في نظريات التعلّم الثورية، يؤشر على الحد الأدنى من عتبة جودة التعلّم وإتقانه، وعلماء التربية والنفس لا يعدّون  التحصيل العلمي مؤشرا على الذكاء المُبدِع، لأن المعرفة النظرية –مهما كان نوعها- هي معرفة تكديسية تراكمية ولا تتسم بالفاعلية والمردودية والنفعية في التطبيقات العملية، لذلك لا تمكّن صاحبها من حل المشكلات المعقدة.

ويُعرّفون الذكاء المبدِع، على أنه القدرة الخارقة على حل المشكلات المستعصية، أو القدرة على التكيّف مع الوضعيات الشائكة، ولذلك يُعدُّ الاجتهاد موهبة عقلية عالية الإدراك، تجعل صاحبها ذا قدراتٍ خارقة في التعمُّق في فهم النصوص والموازنة بينها وردّ المتشابه إلى المحكم منها، لاستنباط الأحكام من أدلتها الشرعية.

والإمام مالك -رحمه الله- لم يكن أرسخ معاصريه في العلم ولا أكثرهم إحاطة  في العلوم، ولكنه كان متفرِّدا في مواهبه وقدراته الذهنية العليا، وأعمقهم تفكيرا وأقدرهم على الفهم العميق للمسائل الفقهية المستعصية، وقد اشتهر في بداية إجازته  نيل رتبة المشيخة، بقدرته الفائقة على التخريجات الفقهية المعقدة، التي صعُب على معاصريه من كبار العلماء في المدينة إيجاد الفتاوى الملائمة لها، لذلك قالوا: “لا يُفتى ومالك بالمدينة”.

وقد وقعت بينه وبين محمد بن إسحاق صاحب أو ل تأليف في السيرة النبوية، منافرة شديدة بسبب مقولة لابن إسحاق قالها عن كتاب “الموطأ” حينما علم بجمع أحاديثه: “آتوني بأحاديث مالك فأنا طبيبُ عللِها”، وغضب مالك من ذلك غضبا شديدا، وقال فيه ما قال، لأن ابن إسحاق كان إماما في الحديث، وإخباريا كبيرا (مؤرِّخ)، لذلك كان أوسع عارضة من مالك في علوم السير والتاريخ، ولكنه في مجال الاجتهاد لم يكن في منزلة مالك، لفارق الموهبة عند مالك في التخريجات الفقهية.

وأبو حنيفة – رحمه الله- كان أول من وضع منهج القياس الذي أنكره الكثير من معاصريه ومنهم مالك، وأول من وضع مبادئ فقه الحيل والفقه الافتراضي اللذين توسع فيهما تلاميذه، وخرجوا بهما عن المقاصد، وكان مالك لا يقبل القياس ولا الفقه الافتراضي، والفقه الافتراضي منهجٌ يتصور وقوع مسائل فقهية في المستقبل، كما لو نقول: نفترض أن كذا وكذا سيقع، فما الفتوى التي تناسب حكمه؟ ومنهج القياس أصبح مصدرا من مصادر التشريع، كما أصبح للمنهج الافتراضي مخارج للإفتاء، ولولا هذا الاجتهاد المُبدع لما وجدت الأمة في الأزمنة اللاحقة مخارج شرعية في الفتيا، من ذلك أن المخدرات لم تظهر في عهود الاجتهاد الحر، لأن الاجتهاد الحر أو المطلق، توقف في القرن الرابع الهجري، وبقي الاجتهاد المقيد داخل المذاهب الأربعة، على نحو ما كان عليه أحمد الدردير صاحب كتاب “شرح مختصر خليل” الذي يعتبر عمدة الفقه المالكي، وقد احتار فقهاء المذاهب في تخريج الفتوى في شأن تحريم المخدرات، فاستعملوا القياس على الخمر لوجود علة تشابه بين الخمر والمخدرات.

والاجتهاد في الحيل الفقهية، كان له أثرٌ طيب على حياة الناس، وقد أوجد لهم حلولا جذرية لمشكلاتهم، وخلصهم من كوابيس الحيرة والقلق والحرج، من ذلك ما يُروى عن رجل دخل بيته في بغداد، فوجد زوجه على سلم في الفناء تتطلع إلى الشارع، وفي ثورة غضب شديد، قال لها: أنت طالقٌ ثلاثا إن نزلتِ أو صعدتِ، فسكنت في مكانها، ولم يجد الفقهاء مخرجا إلا بالطلاق البائن بينونة كبرى، فلما رُفعت المسألة إلى أبي حنيفة، خرّج لهم فتوى ذكية ذكاء عقله المبدع، مستخدما حيلة فقهية، فقال: نبرُّ اليمين حتى لا يقع الطلاق المعلق بالصعود أو النزول، وأمر بحمل المرأة مع السلم ووضعهما على الأرض، وبهذه الحيلة التي لا تتعارض مع مقاصد الشريعة، أخرج عائلة من محنتها التي وقعت فيها بسبب التسرُّع في اليمين.

والإمام الشافعي -رحمه الله- كان له فضل السبق في وضع علم أصول الفقه، وهو العلم الذي يضع القواعد الأصولية لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها الصحيحة.

واستشهادي بعبقرية هؤلاء الأعلام الكبار، إنما كان للاستدلال على أنهم نوابغ عباقرة، وأصحاب عقول كبيرة ومبدعة، وهذا الذكاء الاستثنائي هو الذي بوّأهم مراتبَ الاجتهاد المستقل، وليس بما تراكم في عقولهم من علوم ومعارف شرعية ولغوية، وربما كان تلاميذُهم من مجتهدي مذاهبهم أكثر منهم علما وحفظا للحديث والمتون، ومع ذلك كانوا تلاميذ لهم يجتهدون داخل مذاهبهم بالترجيح، وإذا قدّرنا درجات ذكائهم اعتمادا على روائز الذكاء في الدراسات النفسية، لتجاوزت درجات ذكائهم 160 درجة، ومتوسط الذكاء عند البشر 100 درجة، ومتوسط ذكاء الأغبياء 90 درجة، ومتوسط ذكاء المتفوِّقين بين 120 و130درجة، ودرجة العبقرية تبدأ من 140درجة وتتجاوز 200 درجة.

استفضتُ في تشخيص مواهب المجتهدين الكبار، بمؤشرات روائز الذكاء المعروفة، كي نقف على الفوارق الفردية بينهم وبين أدعياء التجديد في أيامنا هذه، على نحو خرجات رجل بمستوى عتبة جامعية دنيا، يدَّعي بأنه “متخصِّصٌ في العلوم الشرعية”، أخذ يجتهد على الفضائيات ببجاحة، وأخذ ينتحل آراء غيره من غلاة المستشرقين وممن يسمون أنفسهم “القرآنيون”، وذهب يفتري على الله ليُفسد عقول الشباب، وهو يجهل أن نظام التوجيه في السنة الرابعة المتوسطة، يوجِّه النخبة المتميزة إلى التخصُّصات العلمية، ومتوسطي المعدلات إلى الأقسام الأدبية، وضعاف المستوى ممن ينتقلون بالإنقاذ (ما بين 9 و10 من20) إلى العلوم الشرعية. وعليه يمكن تقدير درجة ذكاء هذا المجدِّد المزور الذي سيق إلى المحاكم، فيما بين 90 و100 درجة، وهو يعتمد في هرطقته على النقل والانتحال، وليس على الموهبة الفطرية المبدعة.

وهو يعلم بأن المقولات التي أوَّلَها بالتدليس، كان يرددها زنادقة العصر العباسي (ابن المقفع وبشار وعيسى الوراق وابن الرواندي وغيرهم)، وعنهم نقلها المستشرقون والمنصِّرون والقرآنيون والحداثيون، إذ اعتبر الحجَّ بأركانه وواجباته وعيد الأضحى بمناسكه – كما اعتبرهما الزنادقة من قبل- من عادات الجاهلية، ويزعم في تدليسه أن لغو كلامه هو “ابتكارٌ جديد”، وهو ليس إلا برتبة مدرِّس كان يلقّن التربية الإسلامية وآدابها لصغار الأطفال وغلمانهم، ومثله أستاذٌ معروف في كتابة أدب المجون، خاض -أيضا- في عيد الأضحى بمقالات تافهة لا تستحقُّ حتى حبر كتابتها.

وهؤلاء “المجدِّدون” المزيفون ونظراؤهم في العالم العربي، ممن اجتمعت كلمتهم على نشر الإلحاد باسم الاجتهاد فيما يسمونه “تجديد الخطاب الديني”، متأثرون تأثّرا كبيرا بالمدرسة الشحرورية، التي خُصِّص لصاحبها قنواتٌ فضائية للتّشغّب على المسلمين وتهديم أركان دينهم، إذ جعل نفسه “مجدِّدا كبيرا” و”مُصلحا عظيما”، وأخذ يؤوِّل القرآن الكريم برأيه الخاص، ويلغي السنة الصحيحة كمصدر ثان  للتشريع، وقد خرج عن قواعد الاجتهاد وضوابطه المعروفة، وشروط المجتهد المعروفة لا تتوفر فيه، لكونه تخرّج من الاتحاد السوفييتي برتبة مهندس في الهندسة المدنية، وهو متهم بالشيوعية، لأنه قضى مدة طويلة هناك، وهذا ما يجب على الشبان أن يعرفوه عن هؤلاء الناس، كيما يعرفون مخططاتهم  التشكيكية والتهديمية!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • أوغيدني .

    شكرا استاذنا ..هذا كلام حق ينير طريق الغافلين المساكين التائهين...اما عملاء الصلبيين والصهاينة فطريقهم معروف منذ القدم.