-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قانون العرض والجشع

عمار يزلي
  • 600
  • 4
قانون العرض والجشع

كما في كل شهر رمضان، وكما في كل المناسبات الدينية والوطنية والدولية، التي تحوّلت مع نموذج النظام العالمي للاستهلاك، إلى مناسبات للاستهلاك الأقصى، فإن رمضان هذه السنة لم يكن استثناءً ولا خارج هذه القاعدة.

في مجتمع، عُرف منذ البدء بأنه مجتمعٌ مبنيٌّ على الاستيراد من دون الاكتفاء الذاتي من الإنتاج المحلي، السوق فيه غالبا ما تكون في حالة اضطراب وتذبذب، مهما استوردنا، فسلسلة التسويق من المنتِج إلى المستهلك، طويلة وتخضع لعدة عوامل وميكانيزمات تجعل من تمويل السوق عند زيادة الطلب غير مضبوطة. ومع دخول سوق الاستيراد القطاع الخاصة بدل الدولة، زاد الفساد وزاد التذبذب وافتعال الندرة للزيادة في الأسعار. ما يتحكم في هذه الزيادات الكبيرة في الأسعار والتهابها عند اقتراب كل المواسم الاستهلاكية، ليس قانون واحد وهو قانون العرض والطلب، كما هو الشأن في المجتمعات الرأسمالية ذات الإنتاجية العالية وذات الآليات العقلانية في التزوُّد وتموين السوق طول العام وفي المواسم، والتي هي الأخرى تعتمد على الاستيراد، لكن في وجود إنتاج يفوق حاجيات السوق المحلية أحيانا، مما يوفر التبادل التجاري دون خوف من الندرة. السوق يضبط نفسه بنفسه، خاصة وأنّ المواسم معروفة مسبقا ومعروفٌ ما يُستهلك في هذه المناسبة أو تلك، مما يجعل التموين لا ينقطع، بل يزداد وتنخفض الأسعار بسبب المنافسة والحملات الترويجية، خلافا لما يحدث عندنا، إذ يروَّج للندرة عبر التخزين والدعاية حتى قبل حصولها لخلق جو ضبابي يسمح للمضاربين بالتربُّح غير المشروع.

ما يتحكم في اقتصادنا الاستهلاكي أكثر من مجرَّد قانون عرض وطلب، فهناك قوانين “العرض والجشع” و”الطلب والشراهة”، التي تحكم سيكولوجية الاستهلاك عندنا. لقد تعوَّدنا بطريقةٍ آلية أن نقبل على الاستهلاك في رمضان و”نتموّل” ونحضّر له قبل حلوله: أولا، لأن ذهنية الندرة غُرست في أذهاننا بسبب تجارب سابقة خاضعة لاقتصاد الاستيراد بدل الاكتفاء الذاتي والمنافسة الإنتاجية من كل منتج أو معظمه. ثانيا، “وهم الجوع” وتعويضه بـ”وحم الأكل”، واعتبار أن رمضان هو شهر نُحرم فيه من الأكل، وبالتالي يُدَّخر له حتى قبل حلوله، فيحدث الإقبالُ الجماهيري على اقتناء كل ما له صلة برمضان، وهذا خلال الأسبوع الذي يسبق رمضان وخلال الأسبوع الأول منه، ثم يبدأ التسوُّق في الانحسار لاعتبارات محددة منها: ميزانية المدفوعات العائلية تشرع في التقلص جراء التسوُّق المفرط وبكميات قد تغطي الشهر كله، كما أن الكثير سيدخلون في تعب النهار جرّاء سهر الليل، وبالتالي التعب من الشراء الواسع فيقتصرون على مقتنيات اليوم. هكذا نلاحظ أن الأسعار تبدأ في الانخفاض مع نهاية الأسبوع الأول من رمضان، لتشرع مواد الحلويات في الارتفاع والندرة من جديد وأيضا ألبسة الأطفال واللعب مع نهاية رمضان تحضيرا للعيد… وهكذا، ينتج عن هذا الاستهلاك غير العقلاني في مجتمع تعوَّد على سلوك الشراهة تخوفا من الندرة والتموين وعدم اليقين والشك في حصوله على ما يريد في الوقت الذي يريد وبالكمية التي يريدها.

عدة قوانين متداخلة تجعل الظاهرة تتكرر كل سنة، مما يستدعي حلولا ناجعة تتمثل أصلا في ثلاثة محاور: الاكتفاء الذاتي بتشجيع الإنتاج المحلي، وعدم الخضوع لسيف الاستيراد مستقبلا، وتقنين وضبط السوق قانونيا وإجرائيا رقمنةً وعصرنةً وإدخال مرونة أكبر على شبكة التوزيع لاسيما تجَّار التجزئة مع قمع كل التجاوزات. وأخيرا، مسار ثقافي تلقائي لتعويد المواطن وطمأنته لدفعه إلى استقرار نفسي واجتماعي، استقرار لم يعرفه يوما حتى في استهلاكه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • ح ف

    من يتحكم في اقتصادنا الاستهلاكي مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ والصلاة والسلام على رسول الله

  • بومبروك

    اسمها الفجعه الشعب والف على الفجعه ..لكن ليام جاية وتتسقم الحوال باذن الله. نتمنى اي مسؤول يشوف هذي الفكرة ممكن تنفع: الدولة تأسس مجمعات تجارية فيها مكتب مراقبة الاسعار وفيها مخازن يكون التاجر تحت عين الرقابة طول الوقت ما يقلك اعوان الرقابة عددهم قليل وما يقلك يخبو السلعه كلشي واضح يكون وحتى التجار يحبو الفكرة خلي الايجار فيه عرض شباب ومغري .. اما التجار عايشين وحدهم ويديرو وش يبانلهم هادي اسمها كل واحد سارح بالمعزة تاعو. اما نجو من ناحية اخرى أهم من ذلك كله: غلاء الاسعار والخوف كله مسلط من الله !!! أنعم كيما راك تقرا ورانا عارفين هادا الشي من بكري ودايما نسمعوه في خطب الجمعه ..انشالله ربي يهدينا ويصلح حالنا.

  • سهيل

    نحن اليوم في عالم مبني علي الاستهلاك وتنامي المتع المختلفة و الرغبة الشديدة في الحصول عليها وعدم كفاية الوقت لتحقيق كل ذلك .. انسان اليوم اصبح ذو بعد واحد هو انسان استهلاكي اقتصادي يخدم بسلوكه غير المضبوط المبني علي الشراهة و" ياكل بعينيه " يخدم الراسمالية المتوحشة الجديدة المتمثلة في الشركات العابرة للدول التي تريد ان يستهلك الناس اكثر لتربح اكثر ولا يهم ماذا تستهلك سواء كان الناس محتاجين اليه حقيقة ام لا .. في الحقيقة اصبح الانسان هو السلعة وما يعرض عليه من بضاعة ما هي الي حاجيات رسختها منظمة الاستهلاك الراسمالية فيه فهو كقطيع الاغنام التي تنهمك في الاكل مطأطاة راسها ولا ترفعه حتي يحيط بها الخطر .. الحل هو في ظبط السلوك الشخصي للافراد وهذا لن يكون الا من خلال تطبيق قواعد الدين الاسلامي في الاستهلاك الرشيد وعدم الاسراف . قال تعالي " كلوا واشربوا ولا تسرفوا .." صدق الله العظيم قال رسول الله " لن يملأ جوف ابن أدم الاّ التراب " " ولو كان لابن ادم جبل من ذهب لتمني لو كان له جبلين .."

  • لزهر

    عوض معالجة أزمة كورونا بإحترافية في هذا الشهر بتغيير كلي لسلوكنا في تناول الطعام للتفليل من إنتشار الفيروس البريطاني لكي لا يجد المرتع الذي يناسبه للتكاثر. بحملات توعية من طرف أطباء بأتباع نظام غذائي طبيعي يقلل من حدة إنتشار الفيروس . المختصون في الكيمياء يعرفون هذه اللغة هناك بعض الأطعمة التي يصطدم بها هذا الفيروس و يلقى حتفه. مثل النشويات التي تحتوي على سكر الجلوكوز و توجد في الخبز الأرز البطاطة الخضروات الفاكهة الحلويات و الزبادي و الأبتعاد عن اللحم. يعني أكل طبيعي 100/100 لو نتبع خلال شهر كامل هذا النوع من الأغذية لا نحتاج إلى لقاح و لا أدوية يُقال أن الفيروس يكره الجلوكوز والله أعلم نحن في بداية شهر رمضان و نحن في شهرأين تطرد السموم من الجسم و تحسين الوزن. صَح رمضانكم.