-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قسنطينة.. غربة الثقافة في مدينة الثقافة

قسنطينة.. غربة الثقافة في مدينة الثقافة

ارتبط اسم قسنطينة بالثقافة منذ عهود طويلة، فقد كانت هذه المدينة مثابة لطلاب العلم من كل حدب وصوب وخلّدت أساطيرُ الرومان والوندال قصة هذه المدينة التي تضاهي في شموخها ورسوخها الثقافي روما وبيزنطة، وظلت قسنطينة رمزا للتألق الثقافي والإشعاع الحضاري حتى أدركتها سنونٌ عجاف أصبحت الثقافة فيها غريبة كغربة أهلها وانتشرت في أرجائها مظاهر العزوف الثقافي حتى إنك لا تكاد تجد فيها ما يغذي العقل مما ألفناه من أمسيات ثقافية وأدبية وندوات فكرية. رغم هذا العزوف الثقافي فقسنطينة قادرة على العودة إلى زمنها الجميل إذا تضافرت جهود أهلها واتحدت الهمم وصح العزم، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

إن الراهن الثقافي المتردي في قسنطينة هو نتيجة حتمية لاختلال سلم الأولويات في المجتمع الجزائري برمته، سلم أجحف واضعوه في حق الثقافة فجعلوها من سقط المتاع وحصروها في زاوية مناسباتية ضيقة ينتهي أثرُها بعد حين أو لا يكون لها أثرٌ بالمرة. إن الثقافة في تقديرنا كائنٌ حيّ لا تجد متنفسها وضالتها إلا في الفضاءات المفتوحة فإذا ضُيّق عليها ماتت كما يموت أي كائن حي. ليتنا ندرك هذه الحقيقة فنعيد النظر في سلم الأولويات ونجعل الثقافة في مركز اهتمامنا وصدارة مخططات التنمية المجتمعية، وليتنا نعي العمق الحضاري والثقافي لقسنطينة فندرك فداحة ما فرّطنا في جنب هذه المدينة التي تدلنا المخطوطات والمصنفات التاريخية أنها كانت على مر العصور والدهور مدينة عامرة بالعلم، زاخرة بالثقافة، يأتيها الناس من الأمصار القريبة والبعيدة للنهل من ينابيعها التي لم تنضب حتى حينما نضبت ينابيع كثيرة في العواصم الثقافية الكبرى.

“غربة الثقافة في مدينة الثقافة”، واقعٌ مر يعرفه كل من يتجول في شوارع وساحات قسنطينة، شوارع استبدلت جمهورها المحب لفوضى الأشياء بجمهورها المتعطش للثقافة الذي يأسره عبق الصورة وعمق الكلمة. إن الواقع المر للثقافة في قسنطينة لا يجيز لنا أن نشطط وننظر إلى الثقافة في هذه المدينة بنظارات سوداء أو ننضم إلى حلف “هلك الناس” ففي الحديث الشريف: “من قال هلك الناس فهو أهلكهم”. هناك نشاطاتٌ ثقافية -ولو على قلتها- ينظّمها المحبون للثقافة في هذه المدينة ينبغي أن نثمنها ونشد على أيدي منظميها، إذ ليس من الحكمة أن نلعن الظلمة بل الحكمة أن نوقد شمعة تنير دروب السالكين.

إنني أشعر بحسرة كبيرة وأنا أرى قسنطينة التي يتألق أبناؤها في مهرجانات ثقافية عالمية وتختزن في أديمها ثقافات كثيرة تعيش غربة ثقافية قاتلة. وإنني أشعر بحسرة أكبر وأنا أرى معالم قسنطينة الثقافية تنقض تباعا. أليس فينا رجلٌ رشيد؟ أين السلطات المحلية؟ وأين النخبة الثقافية؟ أم أن انشغال هذه النخبة بصغائر الأمور في برامجها الثقافية لم يترك لها مجالا للاهتمام بالثقافة وبأضعف الإيمان؟

إن مدينة قسنطينة تنام على كنوز ثقافية كثيرة، في المنصورة ووادي الرمال ورحبة الجمال وغيرها يجب أن نستغلها للترويج لما نسميه “السياحة الثقافية” إذا أردنا فعلا أن ننعش الثقافة في بلادنا ونجلب العملة الصعبة ونوفر للجزائر مواردَ بديلة لمرحلة ما بعد البترول.

لقسنطينة تاريخٌ ثقافي حافل قرأنا عنه في كتاب: (تاريخ قسنطينة خلال الفترة العثمانية) لأوجان فايسات وفي كتاب: (حاضرة قسنطينة كرتا النوميدية والرومانية) لمهنتل مقروس جهيدة وفي كتاب: (قسنطينة أيام أحمد باي) لأبي العيد دودو، وفي كتب أخرى لا يتسع المقال لذكرها. إن المشكلة ليست في قلة الكتابات عن التاريخ الثقافي لقسنطينة، بل في قلة الاهتمام بالفعل الثقافي أو انعدامه في أغلب الأحيان لأسباب كثيرة أهمها طغيان ثقافة البازار على ثقافة الأفكار وتحوُّل المثقف في مدينة الثقافة قسنطينة إلى عازف على نغمة نشاز بعد أن وفدت على المدينة كغيرها من مدن الجزائر نغماتٌ نشاز تتخذ من الثقافة الغربية مرجعية وتعد التمسك بالثقافة الوطنية رجعية.

إن إنشاء مدينة ثقافية في قسنطينة من شأنه جمع شتات الأسرة الثقافية في هذه المدينة التي تعاني من قطيعة رحم فيما بينها دفع جلها إلى الانسحاب من الساحة الثقافية أو الانطواء على نفسها والاعتزال بجمهورها مما أثر سلبا على الفعل الثقافي في قسنطينة.

لقد طفتُ في بلاد كثيرة غربية وعربية فوقفت فيها على عدد معتبر من المقاهي الثقافية التي يلتقي فيها المثقفون فيتدارسون فيها حال الثقافة وحال المثقف ويضعون فيها المشاريع الثقافية الهادفة التي تنهض بالثقافة وتعزز دورها في المجتمع. إن المقاهي الثقافية مشروعٌ هادف طبِّق في دول كثيرة فأتى أكله فارتفعت بورصة الثقافة وأصبحت رافدا من روافد التنمية الوطنية وهو ما يجب أن نقوم به في قسنطينة وفي الجزائر عموما إذا أردنا أن يكون للثقافة معنى ومغزى.

ما الذي ينقصنا في قسنطينة -وقس عليها كل ولايات الوطن- لنصنع حراكا ثقافيا في مراكزنا الثقافية كالذي نراه في المراكز الثقافية الفرنسية وغيرها؟ ما الذي يجعل الشباب القسنطيني يقف طوابير أمام هذا المراكز في حين تجد مراكزنا الثقافية شبه خاوية لا ترتادها إلا قلة قليلة؟ يمكن تفسير ضعف الإقبال على المراكز الثقافية في قسنطينة وغيرها بتفسيرات مختلفة منها أن مراكزنا الثقافية تفتقد إلى برامج ثقافية مركّزة ومتميزة كالتي توفرها المراكز الثقافية الأجنبية، ومنها أن مراكزنا الثقافية لا تواكب في غالب الأحيان موجة الحداثة الثقافية فتراها جامدة على طريقتها القديمة في التعامل مع قضايا ثقافية مستجدة، ومنها أن المراكز الثقافية ينبغي أن تكون أداة لمرافقة الفئات الشابة والاستجابة لطموحاتهم ورغباتهم التي يمليها عالم متطور فتهيّئ لهم الانفتاح على آفاق الاندماج في عالم الاختراع والإبداع وتوفّر لهم سبل تطوير مهاراتهم وقدراتهم. ولا يعني فتح آفاق الاندماج التخلي عن تراثنا الثقافي بل الاجتهاد في استثمار عناصر القوة في هذا الموروث من أجل بناء شخصية الشاب الجزائري بناءً يحافظ على رصيد القيم المثلى المستمدة من روح هذا التراث.

إن غربة الثقافة في مدينة قسنطينة وفي غيرها من مدن الجزائر مردّها بالدرجة الأولى إلى ظاهرة الانعزال الثقافي الذي نعاني منه إذ أن هناك خللا كبيرا في التواصل بين الكيانات والجمعيات الثقافية، وهذه الانعزالية أثرت بشكل لافت للنظر في العمل الثقافي وزادت من وطأة الغربة الثقافية.

إن مدينة قسنطينة في حاجة ماسة إلى مدينة ثقافية جامعة تجتمع فيها كل الكيانات الثقافية من أجل مواجهة الهجمة الشرسة التي تشنها بعض الكيانات الثقافية المعادية التي تستهدف ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا الثقافي. إن إنشاء مدينة ثقافية في قسنطينة من شأنه جمع شتات الأسرة الثقافية في هذه المدينة التي تعاني من قطيعة رحم فيما بينها دفع جلها إلى الانسحاب من الساحة الثقافية أو الانطواء على نفسها والاعتزال بجمهورها مما أثر سلبا على الفعل الثقافي في قسنطينة.

إن النخبة الثقافية في قسنطينة مطالَبة بالتنازل عن كثير من امتيازاتها الشخصية من أجل خدمة الثقافة في هذه المدينة، وهي مطالَبة أيضا بممارسة النضال الثقافي على كل الجبهات وفي كل الساحات من أجل أن تعود قسنطينة حاضرة ثقافية كما كانت.

إن الحفاظ على المعالم الثقافية في قسنطينة واجبٌ تتقاسمه السلطاتُ المحلية والنخبة الثقافية كل من موقعه، ولا يتأتى ذلك إلا بالتخلي عن فكرة الصراع المصطنع بين السلطة والنخبة. لقد آن الأوان أن نجتمع -سلطة ونخبة- من أجل خدمة الثقافة التي تحتاج إلى اجتماع كل مكوناتها فإنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية.إن من أسباب انتشار مظاهر الغربة الثقافية في قسنطينة على غرار مدن الجزائر الأخرى هو تخلي النخبة عن واجبها في التنوير الثقافي الذي سمح للتيارات الأخرى بالامتداد في الفراغات الثقافية، والطبيعة لا تقبل الفراغ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!