-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قشة التطبيع التي قصمت ظهر البعير

عمار يزلي
  • 1991
  • 0
قشة التطبيع التي قصمت ظهر البعير

السقوط المدوِّي لحكومة العثماني المغربية ذات التوجه “الاستسلامي”، لم يكن صدفة ولا حدثا معزولا، بل كان بفعل أفعال وتفاعلات فعلت فعلتها في حكومة راهن عليها النظام الملكي لامتصاص موجة الربيع العربي سنة 2011. لا نملك هنا معطيات التحليل بالنظر إلى تحكُّم النظام في الأرقام الحقيقية للعملية الانتخابية في كل استحقاق خماسي، ولا نعلم إلى أيِّ حدٍّ تمثِّل نتائجُ الانتخابات المغربية ذات مصداقية أو مفبركة ومتحكم فيها في الغرف المظلمة، كما كان الشأن عندنا سابقا، وفي كثير من البلدان التي لبست لبوس الديمقراطية الغربية دون أن تطبِّقها على مقاس الشعب الحقيقي، مما جعل الانتخابات على الأغلب مسرحياتٍ فلكلورية هزلية وتمثيلا على الشعب بالشعب وتمثيلا به.

هذا التنبيه هو فقط من قبل التخمين بأنه يستحيل في نظام غير ديمقراطي يدَّعي ذلك أن يعطي الكلمة المطلقة للشعب بالمطلق، وإذا كان النظام الملكي قد منح سنة 2011، للشعب فسحة للتعبير والتصويت ربما، فلأنه كان يعرف كيف “تساق الإبل”، وكيف يمكن التحكم في الأمور من خلال التعديلات الدستورية السابقة التي تركت للملك سلطة التحكُّم في الثالوث الاستراتيجي: الخارجية، الدفاع والشؤون الإسلامية. نعم، الشؤون الإسلامية وزارة ذات سيادة من اختصاص الملك، لما يمثله هذا القطاع الحساس والاستراتيجي في تكوين البنية الفكرية الدينية المجتمعية. نلاحظ أنّه في المغرب، وعلى خلاف كثير من الدول ومنها الجزائر، تُركت لسنوات ولعقود وزارةُ الشؤون الدينية تحت مسمى “وزارة الشؤون الإسلامية”، مع أنها تسيِّر قطاعاتٍ غير مسلمة ومنها الشؤون والأوقاف اليهودية والمسيحية وما أكثرها وأقواها في المغرب، على خلاف تسميتها عندنا، رغم قلة وقوة الوقف المسيحي واليهودي. وزارةُ الشؤون الإسلامية وزارةٌ سيادية في المغرب من اختصاص الملك وهو من يعيِّن وزراء الخارجية والدفاع والشؤون الإسلامية، فيما يبقى لرئيس الحكومة المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية الحقُّ في تعيين باقي أعضاء الحكومة من حزبه أو بالمشاركة مع الأحزاب المتحالفة مع الحزب الفائز بأغلبيةٍ دون الثلثين.

حكومة الإسلاميين الأولى مع بن كيران، تمكنت من البقاء بفضل شخصية بن كيران نفسه وسلطته والكاريزما التي يتمتع بها مع الاستقلالية النسبية تجاه النظام الملكي، خاصة في قضية مثل الصحراء الغربية وفلسطين؛ إذ كان بن كيران لا يدخل في مداهنة مع الملك في الملفات الخارجية، ليس لأنه ضد فكرة “الصحراء المغربية”، وإنما لا يريد أن يكون حزبُه دمية تابعة ومنفذا لخطاب الملك، لكن هذا الميل كلَّفه العزل وجيء بالعثماني الأكثر ليونة والأقلّ استقلالية وبدون كاريزما أصلا، فحوَّل الحزب إلى جمعية برلمانية ذات منفعة خاصة، تصوِّت على ما يطلب منها الملك كحكومة وكبرلمان في نفس الوقت: يتجلى هذا في أول اختبار من أجل تدجين البعبع الإسلاموي، فكان أول إنجاز لحكومة الإسلاميين الثانية برئاسة “الخليفة العثماني” عندما قدمت مشروعا لفرنسة الموادّ الثانوية التعليم الثانوي بإملاءات فرنسية ملكية، لم يكن بن كيران ليقبل بها أو يمرِّرها: صاغها، أو بالأحرى صيغ له قانونُ الفرْنَسة ومُرِّر في البرلمان ذي الأغلبية الإسلامية من العدالة والتنمية. لن يقف النظامُ الملكي هنا، سيفرض على الحكومة تبني قانون آخر مثير للجدل وهو تقنين زراعة الحشيش، وهو ما حدث وسط لغط شعبي، أهدر “شعبية” الحزب المتآكلة منذ عزل بن كيران. غير أن الضربة الكبيرة بالفأس كما يقال، جاءت في النهاية قبل الانتخابات بأشهر قليلة: التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهي القشة التي قصمت ظهر البعير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!