-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قطّاع الطّريق إلى الله!

سلطان بركاني
  • 910
  • 0
قطّاع الطّريق إلى الله!

جميعنا تنقبض نفوسنا عند سماع وصف “قاطع طريق”، ونعلم ونقرّ بأنّ هذا العمل محرّم ومن كبائر الذّنوب، ويجلب لصاحبه غضب الله ولعنته ولعنة ملائكته، ونستغرب كيف لعاقل أن يرضى لنفسه بأن يوصف بأنّه قاطع طريق، يقطع على النّاس طرقهم ليروّعهم ويأخذ أموالهم ومتاعهم بغير حقّ.. لكنّ هناك قَطعا للطريق أسوأَ وأشنع وأكثر إثما عند الله من هذا النّوع، ربّما لا يلقى ما يستحقّ من النّكير، إنّه قطع الطّريق إلى الله جلّ وعلا؛ حين يرضى عبد من عباد الله لنفسه بأن يكون جنديا من جنود إبليس، يقف على الطّريق المؤدية إلى الله وإلى رضوانه وجنّته، يصدّ النّاس عنها، ويؤزّهم إلى طرق تبعدهم عن الله وتؤدّي بهم إلى خسارة الدّنيا والآخرة.

المصيبة أنّ العبد قد يتحوّل إلى قاطع للطّريق إلى الله وهو لا يشعر، ويكسب لنفسه آثاما أمثالَ الجبال وهو لا يدري؛ فربّما يَضلّ ويتسبّب في إضلال ما لا يحصي عددهم إلى الله، من حيث لم يحتسب العبد: ((لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُون)).

تجد بعض النّاس لا تكفيه الآثام العظيمة التي تلحقه من المعاصي والكبائر التي يقيم ويصرّ عليها، حتى يسعى في ترغيب الناس مِن حوله فيها وتهوين أمرها وأمر الوقوع فيها عليهم.. تجد قاطع الطّريق لا يصلّي وإذا جرى الحديث عن الصّلاة أخذ يهوّن من أمرها ويصف المصلّين بكلّ نقيصة.. أو تجده يرفض أداء فريضة الحجّ ولا يكتفي بذلك حتى يشحذ لسانه في أعراض الحجاج ويتّهم نياتهم ولا يستثني منهم أحدا! فهم كلّهم مراؤون ويبحثون عن لقب “الحاجّ” ويريدون إخفاء الطوامّ التي يقترفونها!

تجد الفتاة المسلمة ترفض لبس الحجاب، وتصرّ على العبودية للموضة والماركات، ولا تكتفي بذلك حتى تتحوّل إلى قاطعة لطريق الحجاب، تصفه بلباس المتخلّفات والفقيرات والمنافقات، وتطلق لسانها في أعراض المحجّبات، ولا تستثني منهنّ محجّبة واحدة؛ فكلّ المحجّبات هنّ -في نظرها وحكمها- منافقات ومظاهرهنّ تخالف أفعالهنّ!

تجد قاطع الطّريق شحيح النّفس، لا ينفق في بناء بيوت الله ولا في إعانة الفقراء والمحتاجين، ولا يكتفي بذلك حتّى يزيد لنفسه إثم قطع طريق الإنفاق والصّدقة عن غيره، تارة يتّهم المنفقين والمتصدّقين بأنّهم يراؤون ولا يريدون وجه الله (يورّيو في رواحهم)، حاله كمن قال الله في حقّهم: ((الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، وتارة يتّهم قاطعُ الطّريق اللّجان الدينية والجمعيات الخيرية المتطوّعة لجمع وتوزيع الصّدقات بأنّها تخدم بالمعريفة، وأنّ أعضاءها يبحثون عن مصالحهم! وتارة أخرى يتّهم الدّالين على الخير الناشطين في جمع وتوزيع الصّدقات بأنّهم “يخدمو بن عمّيس” وأنّهم يسرقون الصّدقات ويسطون على الزّكوات.. بل حتّى الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات لا يسلمون من لسان قاطع الطّريق؛ فهم في نظره وحكمه كلّهم يخادعون ويكذبون وليسوا محتاجين حقيقة!

وبإزاء هذا الصّنف من النّاس، هناك صنف آخر تجد الواحد منهم يؤدّي بعض الطّاعات، لكنّه يصدّ غيره عنها بإصراره على إضاعة طاعات وفرائض أخرى، فيكون سببا في زهد بعض النّاس فيما هو متمسّك به؛ تجده مثلا يحافظ على صلواته في المسجد، لكنّه يتهاون في وظيفته وعمله أو يغشّ في تجارته ويطفّف في الميزان.. تجده يحجّ ويعتمر لكنّه يستطيل على جيرانه ويأكل حقّ إخوته وأخواته وأقاربه.. تجده محافظا على السنّة في مظهره لكنّه يقابل الناس بوجه عابس ويبخل عنهم بدنانيره ويستنكف عن إعانتهم.. تجد الفتاة المسلمة ترتدي الحجاب لكنّها لا تهتمّ بأخلاق وآداب الحجاب، وربّما تُظهر بغضها للحجاب وندمها على لبسه وتحرّض من هم حولها على التبرّج وعدم لبس الحجاب.

يقول أحد الدّعاة: “وجدت متبرجات يدافعن عن الحجاب كفريضة، ويمدحن المحجبات، ورأيتهن يسألن الله أن يعينهنّ على الالتزام به، ويشعرن بالذنب.. رأيت بعضهن مترددات، يتمنّين سماع من يشجعهن على هذه الفريضة ويعينهنّ على أنفسهنّ وعلى الواقع.. لكن للأسف، يأتي دور قاطعات الطريق إلى الله، من بعض المحجبات اللاتي يهونَّ من قيمة الحجاب وينتزعن الرغبة فيه من قلوب أولئك الفتيات المتردّدات، بدل أن يكنّ عامل دعوة وتحبيب وتشجيع! لكن كيف تفعل قاطعات الطّريق ذلك؟ تارة باعتبار الحجاب حرية وقناعة شخصية، وليس لأحد أن يأمر به أحدا أو ينكر عليه تركه، وتارة بتصوير تركه على أنه صغيرة من الصغائر وأنّ التبرّج أقلّ إثما من الكلام في النّاس! وأنّه من اللمم الذي لا يستدعي الإنكار! وتارة بتمجيد المتبرجات المشهورات ورفض كلام من ينكر تبرجهن… وهكذا، بدلا من أن تخطو المتبرجة خطوات إلى الحجاب، تبتعد عنه أكثر مع راحة ضمير وعدم شعور بالتأثم.. والسبب هو أولئك المحجبات المهزومات!”.

إنّه ليس غريبا أن يكون الملحد أو العلمانيّ أو اليهوديّ أو النصرانيّ قاطعا للطّريق إلى الله، لكن أن يتحوّل المسلم إلى قاطع يقطع على النّاس طريقهم إلى رضوان الله وإلى جنّته، فهذه إحدى غرائب هذا الزّمان الذي نعيش أيامه ولياليه.. لقد استهان كثير من المنتسبين إلى الإسلام في هذا الزّمان بجرم وجريرة قطع الطّريق إلى الله وسوّلت لهم أنفسهم أن يكونوا أعوانا للشّيطان في مهمّته القذرة التي انتدب نفسه لها حين قال: ((فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين)).. خاصّة مع شيوع استعمال مواقع التواصل التي أتاحت الفرصة لكلّ أحد أن يكتب في كلّ موضوع ويبدي رأيه في كلّ أمر وكلّ قضية وكلّ نازلة، حتى أصبحت فرائض الدين وحتى أركانه ميدانا للنّقاش، وأصبح لكلّ فكرة ساقطة من يلقطها ويشيعها ولو كانت تخالف محكمات الدّين وقضاياه التي لا تقبل النّقاش.

ينبغي لكلّ واحد منّا أن يعلم يقينا أنّ الصدّ عن سبيل الله وقطع الطّريق الموصلة إليه، كبيرة وعمل خطير يجلب لصاحبه خسارة الدّنيا والآخرة، ويحمّله من الأوزار ما لا يحصيه إلا الله، يقول سبحانه وتعالى: ((لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُون))، ويقول النبيّ المصطفى عليه الصّلاة والسّلام: “مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا” (رواه مسلم).

مَن غلبته نفسه على فرض من فرائض الدّين، فلْيعترف بتقصيره وليدعُ الله بأن يهديه ويعينه على نفسه، ولا يجمعنّ على نفسه إثم الصدّ عن سبيل الله إلى إثم التقصير في دينه والتّفريط في جنب ربّه الكريم.. من غلبته نفسه على الصّلاة في المسجد ورضي لنفسه بأن يكون هاجرا لبيت الله، فلا يزدْ على نفسه إثم قطع الطّريق إلى بيوت الله.. من غلبته نفسه على الصّدقة وعجز عن أن ينفق في بناء بيوت الله وفي إغاثة الفقراء والمحتاجين، فلا يزد على نفسه إثم قطع طريق الإنفاق في سبيل الله.. مَن غلبتها نفسها على لبس الحجاب، فلا تزد على نفسها إثم إعلان الحرب عليه وقطع الطّريق إليه… وهكذا.

إنّ أكثر النّاس خزيا في الدّنيا وعذابا في الآخرة، هم أولئك الذين رضوا لأنفسهم بأن يكونوا قطّاعا للطّريق الموصلة إلى الله، جنودا لإبليس وأعوانا له في مهمته التي لأجلها طلب الإنظار إلى يوم الدّين.. يقول الله جلّ وعلا: ((وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ))، ويقول سبحانه على لسان نبيّه شعيب عليه السّلام: ((وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا)).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!