-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قلَّبت المواجع يا إبراهيم!

التهامي مجوري
  • 1627
  • 0
قلَّبت المواجع يا إبراهيم!
ح.م
الأستاذ ابراهيم قارعلي

كتب الأخ العزيز والزميل الأستاذ ابراهيم قارعلي مقالا في صفحته على الفايسبوك بعنوان “كاتبٌ من أيام البصائر”، يصف فيه كتابات الزميل والأخ العزيز الدكتور محمد قماري، الطبيب الذي طوَّع قلمه ليخط مقالات من جنس أيام “البصائر” الرائدة في عهدها الأول، وهو زمن عظماء الإصلاح والأدب والثقافة في الجزائر.

قرأتُ المقال وتمتعت بقراءته، ولكن بدل أن يجد المقالُ فضاءً في نفسي فأضيف فكرة أو أنقد أخرى، رأيته حرك فيّ الكثير من المواجع والمآسي التي تسكنني كمثقف أولا، ثم كمهتمّ بالشأن العامّ ومتألم لما آلت إليه الحياة الثقافية في بلادي ثانيا، ثم إبنا بارّا لجمعية العلماء تشرَّب أدبياتها في جميع مراحل عمره، بل هي سارية في نفسه كما يجري الدم في عروقه.

وأول هذه المواجع أن البصائر التي يكتب فيها الدكتور قماري مقالاته التي كتبتَ عنها يا أخي ابراهيم ووصفتَها بما وصفت، لا علاقة لها ببصائر “أيام البصائر” إلا في العنوان والنيّات الطيبة التي تديرها وتُخرجها كل أسبوع، لا في مضمونها ولا في اهتماماتها ولا في الجزئيات التي تتناولها. ولولا اجتهاد بعض الخلّص من القائمين عليها والكتّاب فيها أمثال الدكتور قماري الذي ذكرت وغيره، لما بقي للعنوان طعم أصلا… ومع ذلك نصبّر أنفسنا ونمنيها ونتسلى بقولنا “ما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه”!

وثاني هذه المواجع أن الشباب الذي قرأ مقالك اليوم يا أخي إبراهيم لا يعرف عن البصائر شيئا ولا عن الذين صنعوها وصنعوا محتوياتها، وفي أحسن الأحوال يعرفون أن البصائر لسان حال جمعية العلماء قديما وحديثا، فلا يعرفون عن البصائر أنها التي شقّت طريقا ثقافيا متميزا في عهدها الأول، و كانت في أعلى مستويات الخطاب الوطني المتميز، الذي رسخ الثلاثية الخالدة “الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا”، ولا يعرفون أن ما تميزت به البصائر من حرية الفكر والتعبير والأصالة، ما يعرفون من آليات العصر التواصلية، فلا يعرفون أن افتتاحيات البصائر التي كان يكتبها الطيّب العقبي ومبارك الميلي ومحمد البشير الإبراهيمي رحمهم الله، كانت تمثل برنامجا ثقافيا لجميع الأمة الإسلامية، ومواقف سياسية حضارية متميزة في أشكالها ومضامينها غير حزبية ولا فئوية ولا هي خاضعة لنزوات آنية عابرة… اقرأوا إن شئتم الدرس السيار الذي كان يكتبه العقبي في بدايات البصائر، وآثار محمد البشير الإبراهيمي التي كان الكثير منها افتتاحيات للبصائر، ومقالات العلامة أحمد توفيق المدني في السياسة الدولية التي كانت تغطي أحداث العالم كلها وكان يوقّعها باسم “أبو محمد”، كما كانت هناك معاركَ ومناوشاتٌ أدبية راقية تجسد حقيقة الرأي والرأي الآخر… كُتِب فيها عن مالك بن نبي، مقالات تناصره وأخرى “تنتقده، كما كتب الأستاذ رضا حوحو عن النماذج البشرية فيصف تلك النماذج بما يراه وكان يُغضب البعض ويرد عليه البعض الآخر… وظلت القافلة تسير.

وأعرض هنا نموجا لتلك المناوشات بما كتبه الأستاذ عبد الوهاب بن منصور الكاتب المغاربي المتميز وهو مقال ينعت به الطبقة المثقفة بالقعود عن الواجب ويصف استقالتها من الحياة الثقافية بعنوان: “ما لهم لا ينطقون؟”… فردّ عليه الكثير من الكتَّاب من رجال جمعية العلماء ودافعوا عن مواقفهم وأرائهم، ولعل أروع ردّ وأعذبه هو قصيدة الشيخ أحمد سحنون التي قال فيها:

لا تطل لومي ولا تطلب نشيدي *** أنا في شغل بتحطيم قيودي

أأغنّي ويدي مغلولة *** وبرجليّ قيود من حديد؟

أأغني ولساني موثق!  *** وبطوقٍ خانقٍ طوّق جيدي؟

أيغني من غدت أمته  ***بعد عزِّ المُلك في ذّلِ العبيد؟

أيغني من غدا موطنه *** بين أنياب ذئاب وأسود؟

أأغني وأنا في مأتم! *** بعد دهر كله أيام عيد؟

لا تطل لومي على صمتي *** فلو هز قومي الشعرُ ما حطمت عودي

بسكوتي لم يضِع شعري سدى *** وبشعري طالما ضاعت جهودي

لم يعد للشعر تأثير ولو *** رجّ كالمدفع أو قصف الرعود!

إن قومي ألفوا طعم الكرى *** هل يفيد الشعرُ في قوم رقود؟

لا أغني قبل أن أجني المُنى *** وأرى الإسلام خفاق البنود!

لا أغني قبل تحرير الحمى *** فإذا حرِّر غنيتُ نشيدي

وثالث هذه المواجع استقالة طبقتنا المثقفة من ساحات الاهتمام بالشأن العام، إذ لم يعد للمثقف ذلك البريق الذي أحدثته البصائر وشقيقاتها من الجرائد الوطنية التي كانت تصدر يومها.

إن أزماتنا التي نعيشها في بلادنا ومنذ عقود، سببها في تقديري غياب المثقف وقبوله بفُتات الحياة رهَبا ورغبا، وعندما أقول مثقفا أقصد حامل همِّ أمته. يروى عن أحد الرؤساء أنه زار بلدا محترما فطلب في لحظة ما، مقابلة مثقفين من ذلك البلد الذي يحترم نفسه، فقيل له “يمكن أن نحضر لك كُتَّابا وإعلاميين أما مثقفين فيصعب ذلك”.

إن أزماتنا التي نعيشها في بلادنا ومنذ عقود، سببها في تقديري غياب المثقف وقبوله بفُتات الحياة رهَبا ورغبا، وعندما أقول مثقفا أقصد حامل همِّ أمته. يروى عن أحد الرؤساء أنه زار بلدا محترما فطلب في لحظة ما، مقابلة مثقفين من ذلك البلد الذي يحترم نفسه، فقيل له “يمكن أن نحضر لك كُتَّابا وإعلاميين أما مثقفين فيصعب ذلك”.

ورابع هذه المواجع غياب الجدل الثقافي الجاد والمعارك والسجالات الثقافية بين التيارات الفكرية والأدبية في الساحة، بل غياب النقاش في إطار التيار الواحد، وكأننا نريد قتل الإنسان فينا الذي خلقه الله (أكثر شيء جدلا).

في ثمانينيات القرن الماضي اندلعت معركة أدبية بين أطراف في التيار اليساري، عندما فضح عمار بلحسن رحمه الله سرقاتٍ أدبية للأستاذ الروائي رشيد بوجدرة، نُشرت بقلم الناقد الأديب محمد بنيس المغربي، بملف نشره في جريدة الجمهورية التي تصدر من وهران بعنوان “بوجدرة غايت”، والعنوان مستوحى من قضية “إيران غايت” القضية- الفضيحة بين أمريكا وإيران يومها. وانطلقت المعركة بكتابات مدافعين عن بوجدرة ودافعين له وتهاطلت البرقيات على جريدة المساء من داخل البلاد ومن خارجها؛ لأن المقالات المسروقة نُشرت في المساء، ولكن كانت البرقية القاصمة للظهر والتي كانت الأقسى على نفسي، وهي برقية بوعلام بسائح وزير الثقافة والإعلام يومها التي تأمر إدارة التحرير بالمساء بتوقيف المعركة.

لا شك أن المعارك الأدبية كثيرا ما تتجاوز حدود الأدب واللياقة، ولكن مع ذلك، يوجد فيها الخير الكثير مما يُنعش ويغني الحياة الثقافية. ولعل فضائل الأدب العربي الباقية إلى اليوم تعدّ من ثمار المعارك الأدبية المعروفة في تاريخ الأدب بالمعركة بين القديم والحديث، وقد أسيء فيها الكثيرُ من الأدب وكيلَ الكثيرُ من التهم المتنوعة، ومن التهم بالسرقات الأدبية وتزوير الشهادات الدراسية… واتهامات بعض الأدباء لبعضهم الآخر، في زمن طه حسين والعقاد والرافعي وغيرهم كثير… ولكن كل ذلك ذهب وبقيت مقاماتهم محفوظة، وبقي ارتقاء الأدب العربي وجودة نصوصه بفضل تلك المعارك الساخنة والباردة التي ثارت بين الأقران وقالوا ما قالوا عن بعضهم البعض.

والبصائر التي كانت “الصوت النشاز” والخارج عن القانون في العهد الاستعماري، لم تخلُ من كتابات نقدية هامة ارتقت إلى نصوص أدبية رفيعة ووثائق تاريخية مهمة.

هاتفني منذ أيام (في شهر جانفي 2023) الأستاذ الدكتور الشاعر عبد الحفيظ بورديم، وقال لي إنني عاكف هذه الأيام على قراءة جريدة البصائر لعهدها الأول فقرأتُ مقالا يطعن صاحبه في ذمة المكلفين بجمع اشتراكات البصائر، وبعد نشر المقال هذا ينشر رد على المقال.. يقول لي سي عبد الحفيظ وعقبا على ما قرأ: أيبلغ بقيادة الجمعية وإدارة جريدتها هذا المستوى من حرية التعبير… في ذلك العصر البعيد، ونحن اليوم لا يطيق بعضنا صوت بعض؟!

وخامس هذه المواجع وآخرها في هذا المجال وفي هذه الوقفة السريعة، سلبية “المعربزين” غير المتناهية التي بلغت حدًّا من التدني لا يطاق؛ بل حدّ التردي والمهانة، التي لا تضفي إلا إلى الموت البطيء.

كتبتُ مقالا ذات يوم في جريدة العالم السياسي في ركن “بلا أقنعة” تكلمت فيه عن التيار “الفرونكوشي”، وعن الخيط الجامع والقاسم المشترك بين أطرافه، الذي هو اللغة التي يكتبون بها وهي اللغة الفرنسية، وذكرت أن من سار معهم من المعرّبين فإنه يعيش منبوذا بينهم بسبب اللغة التي يكتب بها، وذكرت مثالا لذلك أحد الكتّاب، فاتصل الأستاذ الكاتب –المثال- محتجًّا على قولي “كان منبوذا بينهم”، رغم أنه لا يحبّهم ولا يحبّونه… ولما قال له أحد الزملاء بالجريدة أكتب ردا ننشره الأسبوع المقبل، رفض وقال: كيف أرد على هذا النكرة؟! وفي مناسبة أخرى تكلمت مع أستاذ أسّس لحركة ثقافية قوية كان لها بُعدٌ سياسي وكانت ناجحة جدا، ولكن الأستاذ حلها وأوقف نشاطها وتخلى عنها… ولما التقيته في إحدى المناسبات سألته: لم أوقفتَ هذه الحركة الواعدة؟ قال لي توصَّلتُ إلى أن الإصلاح يحتاج إلى قرار وليس لمجرد تجمّعات ولقاءات! وغاب عن الأستاذ أن الذي يصنع القرار هو صانع الرأي العامّ وليس الإدارة أو السلطة، وإن كان للإدارة وللسلطة قوةُ الأمر الواقع، إلا أنها لا تستطيع فعل شيء إلا بالضغط المشروع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!