الأحد 15 سبتمبر 2019 م, الموافق لـ 15 محرم 1441 هـ آخر تحديث 16:56
الشروق العامة الشروق نيوز الشروق +
إذاعة الشروق

اللغط الجاري حول المنظومة التربوية والصراع بين الوزارة والنقابات.. يشي بأن شيئا ما لا يمشي.
في اليابان عندما سُئل أحد وزرائه عن السبب الذي جعل اليابانَ قوة علمية ضخمة في فترة وجيزة؟ قال لهم: “وصلنا إلى هذا المستوى لأننا أعطينا للمعلم راتب الوزير، ومكانة الرئيس وقداسة الإمبراطور”! هذا هو السبب الذي جعل العلم يتطور عندهم وينهار عندنا.. لأننا لم نستثمر في الإنسان، في التعليم، بل لم نستثمر في شيء غير المصالح الضيقة والآنية والمناصب وملء الجيوب والتزلف من أجل البقاء في السلطة أو الوصول إليها!
المنظومة التربوية عندنا تعاني منذ أمدٍ غير قريب من مشكل “الشيزوفرينيا” التي تولدت عن زواج قسري بين مستعمِر ومستعمَر، لم تفصل فيه هويته، رغم كل الوثائق التاريخية التي تؤكد بأن الشعب الجزائري ليس أوروبيا ولا فرنسيا، وأن الهوية العربية الإسلامية الأمازيغية ثابتة، إلا أن البعض لا يزال يراهن على أن فرنسا جزءٌ من هذه الهوية، وبالتالي، فإن لغتها هي لغة هوية وطنية جزائرية، قالها مع الأسف حتى بعض الكتَّاب المحسوبين أصلا على العربية، عندما ساووا بين الفرنسية والعربية كلغة هوية للجزائريين!
هذه المسألة لم تُحسَم سياسيا غداة الاستقلال ولا تزال إلى اليوم حصان طروادة للبعض من أجل التنكُّر للهوية الوطنية والمطالبة بأن يعرف الجزائري على أنه فرنسي اللغة والتكوين!
أقول هذا اليوم، والمنظومة التربوية تشهد طورا جديدا من “الاستصلاحات” التي لا تصلح، ليس لكونها غير مكتملة، ولكن لكونها تحمل مضامين إيديولوجية بعيدة وتبعدنا عن هويتنا.
سيكون من الأجدر أن نقيم “إصلاحات” هذه المظلومة من بن بوزيد.. وزيد يا بوزيد، عندما تنظر إلى ما وصلت إليه المدرسة والمتوسطة والثانوية وتلامذتها من مستوى تعلمي إلى مستوى الممارسات غير التعليمة التي تشهدها الساحة التعليمية (عنف، جرائم، اعتداءات، خطف، مخدرات، غش، تغيُّب، هروب، اعتداء على الأساتذة، منع الضرب والتوبيخ، تأنيش التلاميذ، تقليشهم كأنهم في روضة أطفال وليس في مدرسة).. نحن لا نولي اهتماما للمعلم، رغم أن المعلم كاد أن “يكون رسولا”.
نمتُ على هذا الهوس لأجد نفسي أستاذ فلسفة في ثانوية فرنسية ذات طابع جزائري! ثانوية، يعتبرون العربية ثانوية، لا يتحدث تلامذتها غير الفرنسية، لأن أمَّهاتهم وحتى آباءهم لا يتكلمون معهم سوى بها ومنها وإليها… حتى في البيت! تصوروا الفرنسية في بيت العربية.. أنانيش تشم فيهم المساكين رائحة الغربة والتغريب والانسلاخ والاستلاب العقلي واللغوي والثقافي.. قال لي تلميذ، جوابا على سؤال هامشي: من فتح الأندلس؟ قال لي بلغة “عرنسية”: أستاذ، “باغازاغ.. مش نابوليون بوناباغت”! قلت له: أمّك العورة اللي ساكنة في الدورة..! لم يعرف أحد منهم الإجابة. بعد ذلك رحت أتحدث عن سبينوزا.. وما إن نطقت بهذا الاسم حتى قالت لي تلميذة أنوشة: ياه أستاذ..أسمه يشبه “un nom de dinosaure”!… ضربت رأسي بكفي، واكتفيت بالسكوت حتى لا أنفجر، خاصة لما لاحظت أنهم لا يفهمون ما أقول لهم بالعربية الفصحى ولا حتى بالدارجة! هل سأعلم الفلسفة بالدارجة؟ ماذا أفعل؟ أعود للفرنسية لكي أعلمهم العربية! أعلمهم الفلسفة العربية باللغة الفرنسية.. أعلمهم الفلسفة الإسلامية وإخوان الصفا والمعتزلة من خلال لغة فولتير.؟ المشكل أنهم لا يفهمون حتى الفرنسية العلمية! عندما أفقت، وجدت نفسي فاتحا فمي و”قرللو” قد دخل.. على خاطره.. حتى وصل إلى الحلق.. قفزت مذعورا وأنا أكاد أختنق.. يا إلهي.. هذا “القرللو” كاد أن يخنقني!

https://goo.gl/BemdrQ
600

4 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم
close
close