-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كلمة عدل وإنصاف في حقّ السلفية والسلفيين

سلطان بركاني
  • 2942
  • 0
كلمة عدل وإنصاف في حقّ السلفية والسلفيين

كثيرا ما تنقبض صدور إخواننا السّلفيين وتسيل أقلامهم باللّوم والعتاب عندما نحذّر في كتاباتنا من فتنة التبديع والتجريح التي وقع فيها بعض المنتسبين إلى السّلف والسلفية، ويظنّ ظانّهم أنّنا بذلك نخوض حربا جائرة ضدّ السلفية لحساب جماعات أو طوائف أخرى، أو حتّى لمآرب دنيوية فانية! وهذا ظنّ خاطئ، لأنّنا نفرّق جيّدا بين الدّعوة السلفية الإصلاحية التي سار في ركبها كثيرٌ من أعلام الأمّة على مرّ القرون، وبين طائفة تنتسب إلى السّلف، تشغل أتباعها بالطّعن في العلماء والدّعاة والمصلحين، عن حمل هموم الأمّة الكبيرة وخوض معاركها الكثيرة..

كما أنّ حديثنا المتكرّر عن جناية الغلاة على حقل الدّعوة لا يعني أبدا أنّنا نضع أيدينا في أيدي العلمانيين وتجّار الشّهوات والشّبهات الذين يبغونها عوجا أو أنّنا نخطّئ السلفية في قضايا منهجية، لنتراصّ مع من يطعنون في سلف الأمّة أو يدعون إلى القطيعة مع جيلها الأوّل.

السلفية كانت على مدار قرون متعاقبة دعوة إصلاحية، تسعى إلى تنقية ساحة الإسلام ممّا طرأ عليها من بدع ومخالفات، وتأخذ بأيدي المسلمين للعودة إلى المعين الأوّل الصّافي. لا تتميّز عن عامّة المسلمين باسم ولا رسم. تدعو وتنصح وتعلّم وترحم عباد الله المسلمين، وتجاهد الأعداء والمعتدين.. هكذا كانت ولا تزال كذلك إلى يوم النّاس هذا، ورغم التباس أمرها على كثير من المسلمين في زماننا هذا بسبب بعض المنتحلين، إلا أنّ المنتسبين إليها بحقّ -وما أكثرهم- لا يزالون على العهد سائرين.. ربّما لا تظهر جهودُهم لكثير من المتألّمين من سطوة غلاة التبديع والتجريح المنتسبين إلى السلفية، لكنّها موجودة وظاهرة لكلّ منصف يرى الغلاة بحجمهم الحقيقيّ وليس بصوتهم المرتفع أو بالإشهار والدّعم الذي يلقونه من جهات معروفة.

هؤلاء من يمثّلون السلفية الإصلاحية في هذا الزّمان

عندما نعلم أنّ بروفيسورَ علم الأدوية المشهور إياد قنيبي، ودكتور مقارنة الأديان صاحب المؤلّفات المؤصّلة والقوية سامي عامري، ودكتور الطبّ هيثم طلعت، والأستاذ أحمد السيّد، والأستاذ عبد الله العجيري، وغيرهم كثير من الدّعاة الذين برعوا في مجالات علمية مختلفة وكانت لهم بصمات واضحة في الدّعوة إلى الله وتجلية مفاهيم الإسلام الصحيحة والناصعة ومقارعة الإلحاد والعلمانية والمذاهب الإنسانية والنسوية، وخوض مختلف المعارك الفكرية المعاصرة، والاهتمام المتواصل بواقع الأمّة ونكبات المسلمين؛ هم من السلفيين الذين برعوا في التوأمة بين العلم الشّرعيّ ومختلف العلوم الأخرى النّافعة، لتقريب الحقّ ومواجهة الباطل.. عندما نعلم هذا فإنّ الإنصاف يمنعنا من حصر السلفية في طائفة من غلاة التبديع والتجريح أو في بعض العلماء والدّعاة الذين يكتفون بالنّظر في مسائل الفقه الجزئية ويكفّون عن النّظر في واقع الأمّة وقضاياها المصيريّة ويمتنعون عن الالتفات إلى المعارك الشّرسة المفتوحة عليها.

هذه جهود السلفيين في المرابطة على ثغور الدّعوة

الإنصاف يقتضي أن نعترف بأنّ السلفيين هم حائط الصدّ الأمتن والأعلى في مواجهة موجة الإلحاد المعاصرة المدعومة عالميا، وكلّ مهتمّ بهذا الملفّ وكلّ متصفّح للمواقع والصّفحات المتخصّصة في مقارعة الإلحاد يعلم أنّ القائمين عليها دعاة وناشطون سلفيون.. والسلفيون هم -مع إخوانهم من جماعات أخرى- الواقفون بالمرصاد وبقوة للعلمانية العربيّة التي كشّرت عن أنيابها في السنوات الأخيرة خاصّة في أعقاب الثورات والثّورات المضادّة.. وهم من أكثر المسلمين نشاطا في كشف حقيقة المذهب الإنسانيّ والنّسويّة المعاصرة.. كما أنّ السلفيين هم أصحاب القدح المعلّى في التصدّي للمذاهب الباطنية التي تسعى إلى إقامة كياناتها على أنقاض الأمّة.

السلفيون هم المرابطون في الدّفاع عن حقّ الله الأوّل والأعظم والأهمّ في أن يُدعى وحده ويُلجأ إليه ويستغاث به وحده، وهم المتصدّون للعقائد القبورية التي تشوّه نضارة الإسلام وتصدُّ المنصفين والباحثين عن دين الله الحقّ وتغري شباب الأمّة بترك الدّين واعتناق الإلحاد.. وهم من أكثر المسلمين نشاطا في الدّفاع عن السنّة وعن المصادر التي حوتها وحملتها، وهم الأكثر تحمّسا للعمل بها وإحياء ما نُسي وهُجر منها، وكلّ منصف يقرّ بأنّه لولا جهود السلفيين -بعد فضل الله- لظلّ حقّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- مقصورا على قراءة “البردة” في مولد الحبيب -عليه الصّلاة والسّلام- وعلى نظم القصائد وتلحينها في حبّه، ولكانت حقوقه في الطّاعة والاتّباع والنّصرة نسيا منسيا.

السلفيون، باعتراف المخالف قبل الموافق، هم خطّ الدّفاع الأوّل عن أخيار الأمّة من الصّحابة المرضيين والهداة الفاتحين وأمّهات المؤمنين.. وهم من أكثر المسلمين اهتماما بقضايا المسلمين في العالم، ومن أكثرهم إبرازا لمعاناة المستضعفين، وهنا لا نتحدّث عن سلفية التجريح التي ترى في الاهتمام بقضايا الأمّة ومحن المسلمين فضولا، إنّما نتحدّث عن السلفية الأصيلة التي سمّينا بعض دعاتها ورموزها. صحيح أنّ هناك من إخوانهم المسلمين من يفوقهم نشاطا وحماسا في هذا المجال، لكنّ نشاط السلفيين ملموسٌ ومشهود، ونحن إذا بحثنا في الواقع فإنّنا نجد دعاةً من أمثال الشيخ عبد الرحمن السميط -رحمه الله- والدكتور حسن الحسيني، يُشهد لهم بمتابعتهم الحثيثة لأخبار المسلمين في العالم ونشاطهم الكبير في أعمال الإغاثة، أمّا في مواقع التواصل فإنّنا نجد موقع “شؤون إسلامية” السلفي من أكثر المواقع نشاطا في متابعة قضايا المسلمين في العالم ونصرة المظلومين والمستضعفين منهم.

السلفيون من أكثر المسلمين لزوما لحدود الله

السلفيون، من أكثر المسلمين غيرة على نسائهم وأخواتهم وبناتهم وعلى نساء المسلمين، وأكثرهم بُعدا عن مواقف الريبة، ونساؤهم من أكثر نساء المسلمين سترا وعفافا وحياءً.. كما أنّ السلفيين -في مجملهم- من أكثر المسلمين التماسا لحكم الشّرع في شؤون الحياة المختلفة، وهم أبعدُ المسلمين عن المحرّمات وعن الشبهات، فلا تجد بينهم -في الغالب- من يتساهل أو يتحايل على الرّبا والرّشوة، ولا تجد عندهم تساهلا في المعاملات المحرّمة والمشبوهة في البيع والشّراء.. والسلفيون هم أكثر من يعاني حرمان المناصب في القطاع العامّ وأكثر من تطبَّق عليه القوانين ويتعرّض للعقوبات والفصل لأتفه الأسباب.

رغم كلّ ما سبق: السلفية ليست جماعة معصومة

السلفية جماعة دعوية، حمل علماؤها ودعاتها وعامّتها خيرا كثيرا للأمّة، لكنّها ليست جماعة معصومة، فالعصمة ليست إلا لأمّة الإسلام في مجموعها، والانتساب إلى السلفية من دون تعصّب قد يكون عملا صالحا، لكنّ الأصلح والأفضل منه الاكتفاء بأشرف وأعلى انتساب، الانتساب إلى دين الإسلام.

السلفيون -مع إخوانهم من جماعات أخرى- يقفون بالمرصاد وبقوة للعلمانية العربيّة التي كشّرت عن أنيابها في السنوات الأخيرة خاصّة في أعقاب الثورات والثّورات المضادّة.. وهم من أكثر المسلمين نشاطا في كشف حقيقة المذهب الإنسانيّ والنّسويّة المعاصرة.. كما أنّ السلفيين هم أصحاب القدح المعلّى في التصدّي للمذاهب الباطنية التي تسعى إلى إقامة كياناتها على أنقاض الأمّة.

يُؤخذ على السلفية المعاصرة أنّها في مسائل العقيدة الخلافية تنقبض كثيرا من المذهب الأشعريّ وتراه مذهبا خارجا عن مذهب أهل السنّة والجماعة، ولا تكاد تستفيد في هذا الباب من أقوال فطاحل الأمّة من الأشاعرة، مع أنّ الحقّ يكون معهم في بعض مسائل الخلاف.. يُؤخذ على السلفية أيضا أنّها تنغلق في أبواب الفقه على أقوال وفتاوى عدد من العلماء السلفيين المعاصرين كالألبانيّ وابن باز وابن عثيمين، وتُعاب بأنّها تميل كثيرا إلى الفقه الظّاهريّ ولا تهتمّ بفقه المقاصد.. كما يُؤخذ على السلفيين عموما -على اختلاف طوائفهم- قلّة حرصهم واهتمامهم بوحدة الجماعة المسلمة في بيوت الله.. كما يُعتب على كثير من السلفيين خاصّة طلبة العلم منهم إحجامُهم عن نصح الشّباب الواقعين في فتنة التّجريح، بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وهو ما فتح الباب لخصوم السلفية ومناوئيها لمجابهة هذا الغلوّ بحقّ وبباطل!

 

خصوم السلفيين -أيضا- ليسوا معصومين

عندما نقول إنّ السلفية الإصلاحية ليست جماعة معصومة، فهذا الحكم ينسحب كذلك على الجماعات الأخرى، وحتّى البلاء الذي بُليت به السلفية في هذا العصر، بلاء غلاة التبديع والتّجريح، فهو ليس علامة مسجّلة باسم بعض المنتسبين إلى السلفية، إنّما هو داءٌ لم تكد تسلم منه طائفة من طوائف الأمّة، مع كلّ أسف؛ فبين المنتسبين إلى الأشاعرة غلاة في التجريح لهم نشاطٌ كثيف في الواقع والمواقع وعندهم غلوٌّ في محاكمة مخالفيهم يفوق ما عند غلاة السلفية، ولا يتورَّعون عن نِسبة مخالفيهم إلى التجسيم ولا تتوقّف ألسنتهم وأقلامهم عن تجريح ابن تيمية وابن القيم ومن سار على دربهما في بعض مسائل العقيدة، بل إنّ من غلاة الأشاعرة من وصل إلى حدّ تكفير ابن تيمية والقول بزندقته، فضلا عن بعض العلماء الذين جاؤوا بعده.. هناك -كذلك- بين المنتسبين إلى “الإخوان” مجرِّحة لا يتورّعون عن الطّعن في العلماء ووصفهم بكلّ نقيصة، وكذلك الحال بالنّسبة للمنتسبين إلى التصوّف، وغلاة التجريح في الوسط الصوفي في هذا الزّمان تركوا نهج الجُنيد وتجنّدوا لسلق مخالفيهم بألسنةٍ من حديد.

السلفية جماعة دعوية، حمل علماؤها ودعاتها وعامّتها خيرا كثيرا للأمّة، لكنّها ليست جماعة معصومة، فالعصمة ليست إلا لأمّة الإسلام في مجموعها، والانتساب إلى السلفية من دون تعصّب قد يكون عملا صالحا، لكنّ الأصلح والأفضل منه الاكتفاء بأشرف وأعلى انتساب، الانتساب إلى دين الإسلام.

هناك بين خصوم السلفية من يصرّون إصرارا عجيبا على إلباس الدعوة السلفية الإصلاحية لباس المدخلية التجريحية وعلى حشر جميع السلفيين في بوتقة واحدة ورميهم من قوس واحدة، بل إنّ بعض من تصدّوا للردّ على تيار التجريح والتبديع ذهبوا بعيدا في انتقاد أعلام الأمّة السلفيين الذين جاهدوا في الله بالسّنان والبيان، مثل ابن تيمية -رحمه الله- الذي يحمّله بعض الجائرين المسؤولية الأكبر عن الفكر المدخليّ! كما يحمّله بعض العلمانيين المسؤولية عن الفكر التكفيريّ، وهو الذي كان أبعد النّاس عن هذا وذاك، وكان من أكثر أعلام الأمّة براءة من فكر التبديع والتجريح، فها هو -مثلا- يقول عن الشيعة الإمامية الغلاة الذين يرون ابن تيمية كافرا زنديقا: “كثيرٌ منهم ليسوا منافقين ولا كفاراً، بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يُرجى له مغفرة الله”، ويقول أيضا: “وينبغي أيضاً أن يُعلم أنه ليس كل ما ينكره بعض الناس عليهم (الشّيعة الإمامية) يكون باطلاً، بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعضهم، والصواب مع من وافقهم”، وذكر أنّ لهم جهوداً في دعوة الكفار إلى الإسلام وقد دخل على أيديهم خلقٌ كثير من الكفار في دين الله.

يُؤخذ على السلفيين عموما -على اختلاف طوائفهم- قلّة حرصهم واهتمامهم بوحدة الجماعة المسلمة في بيوت الله.. كما يُعتب على كثير من السلفيين خاصّة طلبة العلم منهم إحجامُهم عن نصح الشّباب الواقعين في فتنة التّجريح، بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وهو ما فتح الباب لخصوم السلفية ومناوئيها لمجابهة هذا الغلوّ بحقّ وبباطل!

كما عُرف عن ابن تيمية -رحمه الله- إنصافُه وتسامحه مع مخالفيه وخصومه الذين نصبوا له العداء وسعوا في أذيته وقتله، يقول تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: “كان يدعو لأعدائه، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت إليه يوماً أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إيذائه وعدائه، فزجرني، وأعرض عني، وقرأ: ((إنّا لله وإنا إليه راجعون)) وذهب لساعته إلى منزله، فعزى أهله، وقال: “اعتبروني خليفة له، ونائباً عنه، وأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه”، وتحدّث معهم بلطف وإكرام بعث فيهم السرور، فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجّبوا منه”.. وتذكر كتب السِّيَر كيف عفا عن خصومه حينما أمكنه الله منهم بعد تولّي السلطان الناصر قلاوون الأمر، حيث قال للسّلطان: “إذا قتلتَ هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل”، وحين ردّ عليه السلطانُ متعجبا: لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مرارا؟! قال ابن تيمية: “من آذاني فهو في حِلّ، ومن آذى اللهَ ورسوله فاللهُ ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!