-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كن ربّانيا ولا تكن رمضانيا

سلطان بركاني
  • 471
  • 0
كن ربّانيا ولا تكن رمضانيا

السّاعات الأخيرة من رمضان كلّ عام، ساعات حزينة ومؤثّرة، تخفق فيها قلوب الصّالحين حسرة على رحيل أيام ذاقوا فيها حلاوة الجوع وليالٍ وجدوا فيها لذّة الخشوع.. حتّى المفرّطون والمقصّرون من أمثالنا، تتحسّر قلوبهم على ما أضاعوا من أيام الشّهر الفضيل ولياليه وساعاته، وهم يخشون أن يعود رمضان في عام قابل وهم تحت اللّحود رهائن تفريطهم وتقصيرهم، يعضّون أصابع النّدم على ما فرّطوا في جنب وأضاعوا من أعمارهم، ويتمنّى الواحد منهم لو يعود إلى الدّنيا ليصوم يوما واحدا من رمضان ويقوم ليلة واحدة من لياليه.

في كلّ عام يقرع رمضان قلوبنا ويهزّ أرواحنا بسرعة توالي أيامه وفجأةِ رحيله، ليُنذر كلّ عبد تغرّه صحّته أو يغرّه شبابه بأنّ العمر سيمضي سريعا كما مضت أيام رمضان، والفرص مهما كانت متاحة إلى آخر العمر، فإنّ كثيرا منها سيفوت كما تفوت فرص رمضان.. قد يموت الإنسان فجأة فتُطوى عشرات الفرص التي كانت تتلألأ أمامه وهو يسوّف ويؤخّر ويؤجّل؛ يغلق في وجهه باب التّوبة، وتبقى المظالم معلّقة في رقبته والذّنوب تثقل كاهله والطّاعات التي ضيعها دينا يصعب سداده إلا بعفو من الله.. وإن لم يمت الإنسان فجأة، فإنّه ربّما يمرض فجأة، فيعجز عن كثير من الطّاعات التي كان يقوى عليه في صحّته وعافيته لكنّه كان يتكاسل عنها، ويصبح بعد مرضه يتمنّى لو يقوى على القيام بين يدي مولاه، لو يستطيع السّعي إلى بيت الله، وهو الذي كان قبلها يسمع النّداء فيأبى إجابته ويقوم إلى سجادته في البيت لينقر صلاته نقرا ويعود إلى التلفاز أو إلى هاتفه.. ربّما يتمنّى بعد مرضه لو يقوى على تقليب أوراق المصحف، وهو الذي كان يقلّب صفحات الفايسبوك ويقرأ عشرات الرسائل على الماسينجر ويبخل عن نفسه بقراءة صفحة ممن كتاب الله.. ربّما يتمنّى بعد سقمه لو يقوم عند قدمي أمّه خادما لها، وهو الذي كان يأنف خدمتها ويتضجّر من طلباتها وكلماتها.

رمضان ضيف عزيز يُكرم –بإذن الله- من أكرمه، ويرحل ليشهد له عند خالقه بحسن صنيعه معه، وهي الشّهادة التي يجد العبد المقبول أثرها في قلبه وروحه وحاله؛ تتحسّر نفسه على وداع رمضان، ويجد رغبة تحدوه لمواصلة العمل الصّالح والوفاء لرمضان حتّى لقائه في عام قابل بإذن الله، فهو يعبد الواحد الديان ولا يعبد رمضان، يعلم أنّ رمضان محطّة لزيادة الإيمان وشحذ الهمم وإيقاد العزائم، لمواصلة السّير إلى الله والدّار الآخرة، يعلم أنّ قيام اللّيل متاح في غير رمضان كما كان متاحا في رمضان، وأنّ الصيام متاح في سائر أيام العام، والصّدقة تقبل ويضاعف أجرها في كلّ وقت وآن، وأنّ العتق من النّار متاح بأعمال كثيرة تتيسّر في غير رمضان، وأنّ أسباب مغفرة الذّنوب تتهيّأ لمن طلبها في كلّ يوم وكلّ ساعة، وأنّ الذي يبسط يده للتّائبين في ليالي رمضان، يبسطها كذلك في سائر أيام العام.. يروى أنّ الإمامَ أبا بكر الشبلي (ت: 334هـ) سأله أحد أصحابه: أيّهما أفضل: رجب أم شعبان؟ فقال: “كن ربانيًّا ولا تكن شعبانيًّا”.. ويروى أنّ جارية باعها سيدها لقوم، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له بما لذ وطاب من الطعام والشراب، فسألتهم، فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: “وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟! لقد كنت عند قوم كان كل زمانهم رمضان؛ ردّوني عليهم”.. ويروى أنّ الحسن بن صالح (ت: 169هـ) باع جارية له، فلما انتصف الليل قامت فنادت: يا أهل الديار، الصلاة الصلاة، قالوا: أ طلع الفجر؟ قالت: وأنتم لا تصلّون إلا المكتوبة؟! ثم جاءت الحسن وقالت: “لقد بِعْتَني لقوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة، رُدَّني، ردّني”.

فاحذر أخي المؤمن أن تكون امرئ سوء، لا يعرف قيام اللّيل ولا يقيم صلاة لوقتها، ولا يعرف لبيت الله طريقا، ولا تمتدّ يده بصدقة أو معروف، ولا يفتح المصحف، إلا في أيام وليالي رمضان! لا يكفيه أن يجعل ساعات يومه الأربع والعشرين للدّنيا، حتّى يجعل لها أحد عشر شهرا في العام.. لا يغرنّك الشّيطان بأنّك ستجد سعادتك في النّوم الطّويل وفي تأخير الصّلاة ونقرها، وفي إشباع نهم النّفس من المآكل والمطاعم في كلّ وقت وكلّ ساعة، وفي إمساك المال وكنزه… سعادتك الحقيقية والدّائمة في طاعة مولاك والأنس به، في المحافظة على صلاتك وتلاوة كلام الله، في بذل النّدى وكفّ الأذى، في المحافظة على ساعات عمرك.. باختصار: سعادتك في أن تستعبد نفسك لله ولا تتركها تستعبدك.. فكن ربانيا تظفر بالسّعادة، ولا تكن رمضانيا فتخسر الدّنيا والآخرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!