إدارة الموقع

كورونا.. حديث عن لَقاحاته وعن اسمه في اللغة العربية

كورونا.. حديث عن لَقاحاته وعن اسمه في اللغة العربية
ح.م

بدأ الداء المُرعب الذي يسببه الفيروس التاجي غامضا وشرسا منذ وهلته الأولى، فقد حصد إلى حد الآن أرواح ما يزيد عن مليونين من بني البشر، وفرض على سكان كثير من المناطق المأهولة إنشاء مقابر جديدة. ومثلما حلّ غريبا، يبدو أنه سيغادر أو سيتراجع ملتحفا برداء غموضه. ومثلما أرعب البشرية، فإنه خيَّب كثيرا من ظنون وتوقعات الخبراء المتضلعين في مجال علم الأوبئة. والسؤال الذي يبحث عن سر انطلاقته ما يزال معلقا وبلا جواب. وهو السؤال الذي يدور عن حقيقة سلالة هذا الفيروس: هل هي سلالة أصلية متوحشة ظلت ترفض الاستئناس من قبل؟ أم هي سلالة تعرَّض أسلافُها إلى معالجات مخبرية كيميائية أو إشعاعية ولَّدت في طاقمها الوراثي المختزَل طفرات أكسبتها عدوانية أشدّ وشراهة أعنف، وشراسة أقوى ثم سُمح لأفرادها بمغادرة ظلام المخابر بفعل فاعل؟.

الفيروسات كائناتٌ حية تجردت من كل تعقيد من حيث بنيتها إذا ما قورنت ببقية الكائنات الحية الدقيقة الأخرى. ويعادل جسم الفيروس واحدا في المائة (1%) من حجم الخلية البكتيرية. ويتألف تركيبيا من مادة نووية ملفوفة في بغطاء بروتيني (مما يعني أن المادة الوراثية والبروتين هما أساس كل حياة)، وقد يحاط جسمُه الضئيل بطبقة دهنية واقية. ويفقد الفيروسات القدرة الذاتية على إنتاج الطاقة والتكاثر وصناعة البروتينات، مما يعني أنه عاجزٌ ذاتيا، وإنما هو مستطيع بغيره.

تعبِّر الفيروسات عن أبسط صورة من صوّر الحياة المكتشفَة إلى حد الآن. ومن غير الجائز الحديث عن إمكانية تصنيعها في المخابر، لأن الخلق ينفرد به الله، سبحانه وتعالى. وتتصف بأنها كائناتٌ عالية التخصص لما تأوي إلى حواضنها مجبرة من إنسان أو حيوان أو نبات، فالتطفل الإجباري صفة لصيقة بها. ولذا، فإنها تفقد حياتها بمجرد موت المُعيل “الحاضن” الذي يأويها.

ذهبت الكثير من تكهنات العلماء التي توقعوها في بداية زحف الفيروس التاجي “كوفيد 19” هباءً منثورا، وسافرت ضائعة مع أدراج الرياح، ولم تصدقها الأيام، فقد اعتقدوا أن التهديد الأكبر بالاجتياح ستكون ساحته قارة إفريقيا السمراء لضعف قواعد بلدانها الصحية وانخفاض في مستوى تأهيل طواقمها الطبية. وأن اليمن، وبسبب ظروف الحرب والفقر وانعدام الرعاية الصحية في جانبيها الوقائي والعلاجي، سيضرب الموت فيه بقوة وسيكون مفجعا. وبعد سنة كاملة، أظهرت الملاحظات أن حصة قارة إفريقيا من الإصابات لم تتجاوز 3.3% من مجموع الإصابات في العالم، وأن نسبة الوفيات في اليمن الجريح منخفضة جدا بسبب الهزال الجسمي الذي لا يستهوي الفيروس وبفعل مناعة القطيع التي لم يخطط لها أصلا.

أمام عجز الوسائل العلاجية المتاحة، شُرع التفكير في صناعة لَقاح يمنح الناس حصانة جسمية مكتسبة تحميهم من شر هذا الفيروس المخيف الذي يهدد حياتهم. وراحت المخابر تشتغل في سرية وتتنافس في تحضير لَقاحات أرادت أن تصل بها إلى عتبة عالية من الفعالية. وبعد مضيِّ عدة شهور، كشفت الجهود المضنية عن قائمة من اللقاحات تباينت في طرائق إعدادها. وتراوحت بين اللقاحات ذات الصبغة الكلاسيكية إذ جهزت بطريقة تقليدية شبيهة بالطريقة التي أعدت بها اللقاحات الأولى التي عرفتها البشرية كلقاحات الجدري والأنفلونزا وشلل الأطفال. والتي تعتمد على مبدأ التطعيم بالعوامل الممرضة كاملة أو بشطائر منها (الفيروسات في حالة داء كورونا) موهّنة ومضعّفة وفي حالة عاطلة، أي سلبت منها قدرتها على إحداث الإصابة المرضية، ولكنها احتفظت بالفعل التحريضي كأجسام غريبة لتوليد استجابة مناعية تتمثل في توليد مضادَّات أجسام تكسب الجسم قوة التصدِّي وتقهر الفيروسات السليمة متى تسللت إليه، ومنها اللقاحان الصيني والروسي.

لجأت مخابر أخرى إلى طرائق حديثة في صناعة لقاحاتها، كحقن جزيئات بروتينية جاهزة من الفيروس تشتقّ من الزوائد المحمولة على جسمه، وهو البروتين النوعي الذي يُرمز إليه بالحرف “S”. وعملت مخابر أخرى على تزويد الجسم بأشرطة جاهزة من الحمض النووي الريبي المعروف اختصارا باسم: ARN.m الذي يلعب دورا في تصنيع البروتين في هيولى الخلايا.

سُخِّرت هذه التقنية الأخيرة في تجهيز لقاح مخابر فايزر- بيوإنتيك وموديرنا. وتسهم شرائط الحمض النووي المحقون في صناعة بروتينات من نفس طبيعة البروتين الفيروسي. ولما كانت جزيئات الحمض النووي الريبوزي المرسال (أو الرسول) هشَّة وضعيفة المقاومة للغاية، فإنها تغلف بجسيمات دهنية يمكنها أن تذوب في ظروف درجة الحرارة العادية. ولهذا السبب وجب تخزين هذه اللقاحات في درجات حرارة منخفضة جدا، وهي 20 درجة مئوية تحت الصفر بالنسبة للقاح موديرنا و70 درجة مئوية تحت الصفر بالنسبة للقاح فايزر. ويعدُّ هذا الشرط عقبة تعجيزية في نقل هذه اللقاحات وتوزيعها على نطاقات واسعة. وفي المقابل، لا يواجه اللقاح الروسي سبوتنيك V واللقاح الصيني كورونافاك بمثل هذه الصعوبة المقعدة قبل استعماله.

بلغ عدد الدوّل التي فضلت استعمال اللّقاح الروسي سبوتنيك V إلى حد كتابة هذه الأسطر سبعا وعشرين دولة منها ألمانيا والجزائر التي تتفاوض مع روسيا لصناعته محليا. ولسنا ندري أسباب هذا التفضيل: هل تعود إلى انخفاض تكاليف تحضيره؟ أم إلى سهولة التحكم في تقنية إعداده؟ أم لكون اللقاحات القديمة التي صنعت بنفس طريقته التقليدية لم تخلف أضرارا جانبية تهدد صحة الأفراد ولو على المدى البعيد؟ ومن جانبي أميل كثيرا إلى الاحتمال الأخير.

لامس داء كورونا كل المناحي التي تقوم عليها حياة الناس، واختلط فيه العضويُّ مع النفسي وامتزج العلميُّ مع الاجتماعي، وتشابك فيه السياسي مع الاقتصادي والمالي وحتى المخابراتي. وفي خضم هذا الزخم نسينا أن نصك له اسما عربيا يتناغم مع قواعد الصرف في اللغة العربية.

الفيروس التاجي أو كورونا أو كوفيد 19 ليس هو المرض في حد ذاته، وإنما هو العامل الحي المسبِّب للمرض. وفي الغالب، لا يتقاسم العاملُ الممرض والمرض الذي يسبِّبه نفس الاسم إلا في النادر من الحالات.

بسبب الإبطاء والتراخي، تبقى الأسماء الأولى للأمراض بعد اكتشافها سائدة ورائجة، ولا يصاغ لها مقابلاتٌ في اللغات الأخرى. ومثال ذلك استعمال اسم مرض “السيدا” للتعبير عن الداء المعروف الذي انتشر منذ سنوات، وأزعج البشرية، والذي يعرف في العربية بداء فقدان المناعة المكتسبة. ونلاحظ في هذه الحالة أن تعريف المرض هو الذي غلب وانتشر، وتناقلته الألسنة مع ما في ذلك من إسراف لفظي غير محبَّذ ولا مستساغ.

تصاغ أسماء الأمراض والأوبئة والجوائح في اللغة العربية بالاحتكام إلى قواعد صرفية متعارف عليها إلا فيما شذَّ من الحالات. والقاعدة الغالبة هي أن يُصكَّ الاسمُ على وزن: فُعال (بضم حرف الفاء). ومن أمثلة ذلك: صُداع، زُحار، مُهاق، سُعال، زُكام، رُشاح، كُساح، هُزال، كُباد “التهاب الكبد”… وأذكر أن بعض اللغويين العرب لما استهجنوا اسم مرض: “الاستسقاء الدماغي  L’hydrocéphalie الناجم عن تراكم السوائل في التجاويف الدماغية إلى درجة تضخُّم الرأس وفقدان تناسبه مع بقية أعضاء الجسم، عوّضوه باسم: “الرُّؤاس” الذي جمع فيه بين مواصفاته المرضية وأصول القاعدة اللغوية.

واعتبارا للمقدِّمات السابقة، ومحاولة لخدمة اللغة العربية، اقترح أن يُدعى المرض الذي يسببه الفيروس التاجي باسم: كُفاد (بضم حرف الكاف). وهو اسم توفيقي بين اسمه الأجنبي الأصلي وقواعد لغتنا العربية.

عندما عرضتُ هذه الفكرة الأخيرة في صفحتي في الفضاء الأزرق لم تجد تفاعلا من قبل الأصدقاء الافتراضين ذكورا وإناثا إلا من طرف صديق أردني هو الدكتور زاهي العطروز الضليع في اللغة. وقد عقَّب على اقتراحي بما يلي: (إن صوغ مصطلح ما ليس مهمة فرد، وإنما هو مهمة المجامع اللغوية، فإن الفرد لا يُستمع إليه ولا يُؤخذ برأيه. وبدلا من كُفاد، لمَ لا يصاغ له مصطلحٌ عن طريق النحت، فيقال نحو: كُتاج، فتكون الكاف من الاسم الأعجمي، و”تاج” من اللفظ العربي، أو كُفات، فتكون الكاف والفاء من كوفيد، وحرف التاء من “تاج”…). وأضيف: إن مع اسم كُفاد سيطلق اسم: الكفيد على من أصيب به، وهو على وزن: المريض والسقيم والعليل… إنه مجرد اقتراح.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • عبد الرحيم طاروس

    أحسنت في أقتراحك. على اللغويين أن يتحركوا لتطور اللغة العربية مع تقدم العلم.

  • لزهر

    أول فيروس تحت الجليد ظّهر في روسيا قبل الحرب العالمية الثانية و هو الجمرة الخبيثة و أصاب حينها حيوان غزلان الرنة و الرعاة
    في أقل من 40 دجة تحت الصفر حينها قامت روسيا بتطوير بعض الفيروسات لأستعمالها في الحرب العالمية الثانية
    و لاكن لم تستعملها و أكتفت بالدبابة فقط.
    الخطر المحدّق في إفريقيا هو الخفافيش السوداء و الطيور المهاجرة و التي تتغذى على أشجار الفاكهة و بذالك تنتقل العدوى
    السؤال المطروح هل نعتمد على الحيوان أم الأنسان للتخلص من هذه الأمراض
    في رأيي الأعتماد على الحيوان للوصول إلى حلول
    أنا لست بعالم أو طبيب أو شيء من هذا
    و إنما هاوي متتبع للأحداث و خاصة الجرائد و الراديو.

  • لزهر

    و نجعل من الحبة قبة
    أينما تكثر الحيوانات تكثر الفيروسات
    و أينما يكثر الجليد و النبات و الأشجار و الرطوبة هناك فيروسات نائمة
    الصين الحيوانات
    روسيا الجليد
    البرازيل غابات الأمازون
    جنوب إفريقيا غابات الكونڨو و ساحل العاج
    آخرها المتحول البرازيلي الطفرة
    E484k
    من بروتين سبيك و الذي أبدى مقاومة شرسة ضد اللقاحات.
    السؤال ببساطة هل يملك البرازيل القدرة على التحكم في مثل هذه الفيروسات
    الجواب نعم وهو الذي قام بتطوير زيكا و سيغزو كل غابات العالم و ما عليك حينها أن تقوم بشراء بعض الصناديق من إناث زيكا لأنها تحتوي على بروتين قاتل عند المزاوجة بالذكور لمحاربته.
    نحن في غابة القوي يأكل الضعيف.

  • زارا

    كورونا سييعود بقوة فاستعدوا يا سادة واظهروا لنا تكنولوجياتكم المتقدمة في الطب
    كورونا يتحداكم مرة ثانية وثالثة ورابعة ....فهذه ليست الا البداية يا بشر
    الظلم والطغيان علي كوكب الارض تعدي كل الحدود والتكبر والتجبر
    مادام استبداد امريكا واوروبا مستمرا ومتواصلا فكورونا لن تزول وستبقي بقاء الدهر والازمنة