-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كيف نقرأ التاريخ؟

التهامي مجوري
  • 205
  • 0
كيف نقرأ التاريخ؟

هناك معضلة أخرى في قراءة التاريخ، وهي متعلقة بالشخص الذي يقرأ الحدث، هناك شخص إيجابي وهناك شخص آخر سلبي، فالإجابي يقرأ الحدث انطلاقا من إيمانه بشرعية القضية وما تتطلب من تضحيات، فتكون له نتائج مختلفة قطعا عن السلبي الذي ينظر إلى حجم التضحيات أكثر مما ينظر إلى ما عليه ما يتطلب الموضوع منها، وذذلك نتيجة ما بينهما من فروق نفسية تجعل كل منهما ينظر من نافذة تختلف عن نافذة الآخر، وكما جاء في الأثر “حبك الشيء يعمي ويصم” [حديث]، أي عندما تحب شيئا تعمى عن كل عيوبه وتُصَمُّ أذناك عن سماع كل ما يقدح فيه، وبمفهوم المخافة، بغضك الشيء يعمي ويصم أيضا.
وكما قال الإمام الشافعي:

وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ *** وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
والأحداث والوقائع والمشاهدات في معظمها من صنف ما نحب ونبغض ولذلك كان للجانب النفسي أثر فيما يصدر عنا من آراء ومواقف.

فالإنسان الإيجابي لا يركز كثيرا على الأمور السلبية، وإذا كانت فإنه يطوعها لخدمة ما هو إيجابي؛ لأن طبيعته الإيجابية تفرض عليه الانشغال بما هو إيجابي، بحيث تراه يتتبع الإيجابيات ويترصدها، بينما السبيات يطاردها ويبحث لها دائما عن تاويل يتلاءم والغايات الكبرى للوقائع والأحداث، بحيث يجعل من تلك السلبيات التي يقف عليها، حدثا طبيعيا يقتضيه واقع النشاط الإنساني، كما خلد القرآن بعض الأخطاء التي وقع فيها الصحابة رضي الله عنهم في غزوتي أحد وحنين، كانت سببا في هزيمتهم في المعركتين، فقال في الأولى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) [آل عمران 165]، وقال في الثانية (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة 25]، فلم يذكر القرآن ذلك في سياق سلبي يقمع النفوس ويخضعها لمكرهات الواقع، وإنما كان ذكرها في القرآن محاط بجملة من القيم العالية، بحيث برزت كأخطاء من الطبيعة البشرية، القابلة للتجاوز وكفى؛ بل في بعض سياقات أخرى نص القرآن عن مغفرة الله لمخطئين في مواقف مخلة بطبيعة المؤمن وعلاقته بالقيم العالية، كما وقع مع المخلفين (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة 118]، ومع ذلك تجاوز الله الخطأ الذي وقعوا فيه وتاب عليكم، شأنه شأن كل خطإ أو سلبية في إطار الإيجابيات، وذلك من طبيعة وضرورة التفاعل مع الواقع لتحقيق كل ما هو إيجابي؛ لأن منطق التاريخ منضبط بمبادئ ووسائل وغايات، والسلوك الإنساني ليس بالضرورة كذلك، قد يركز على المبدإ ويهمل الوسيلة، ويركز على الوسيلة ويتهاون في المبدأ والغاية، ويركز على الغاية ولا يعتني بما دون ذلك…إلخ، ولكنه في الغالب يبحث له عن مؤيد له من التاريخ في حركته وتحقيق مقاصده، وهو بذلك يفترض أنه لا يقصد الخروج عن التاريخ، وإنما قد تغلب عليه بعض نوازعه التي تشد من عزمه ومن مواطن الارتقاء فيه فتحجب عنه الفضائل بمقدار.
والإيجابية تقتضي أن يقرأ مثل هذا السلوك على أنه تحرك في إطار الإيجابية وليس طلبا للسلبية، وهذا يعطي للحدث التاريخي بعدا آخر لا يقف عند ما أنتجته الأحداث وحسب، وإنما يذهب إلى عمق الأحداث والأقدار التي تصلها بالنتائج المُحَصَّلَة، التي لا تعبر دائما عن المبدأ التاريخي وإنما قد تخفي ما هو أهم.

فما وقع في تاريخ ثورتنا المباركة 1954/1962 من خلافات بين القيادات السياسية والعسكرية، وأحداث كبيرة اختلف فيها القوم، بحيث أدت بالبعض إلى التشكيك في مساعي وأنشطة البعض الآخر والطعن فيها.

فلو أننا قرأنا كل حدث مختلف فيه من القضايا سياسية كانت أو عسكرية، على أنها اجتهاد من المجتهد وليست خيانة أو حب زعامة أو تصفية حسابات، لكان الأمر مختلفا، ولوصلنا إلى أعماق الأحداث بشكل أفضل…، ولكن الأمر في تقديري لم يكن بأيد الإيجابيين أو السلبيين وإنما كان بأيد أخرى قد تتعمد السير في مثل هذه الأروقة المشبوهة، حتى يتسنى لها تحقيق فكرة ما يعرف بـ”الثورة المضادة”، ومن هذه الجهات التي من مصلحتها السير في هذه الأروقة، مراصد الأفكار التي تستعين بها الدول في معاركها مع أعدائها وخصومها.

فقصة حديث الإفك، التي تمس بعِرض النبي صلى الله عليه وسلم، وبعِرض إحدى نسائه عائشة رضي الله عنها، واقعة كادت تعصف ببيت النبوة، ومع ذلك اعتبرها الوحي خيرا للأمة، وليست شرا، ونقصد بالواقعة الادعاء الذي أشيع بين المؤمنين باتهام عائشة رضي الله عنها في عرضها، بشيء لم يقع وقد كذبه القرآن (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور 11].
أما الإنسان السلبي فعلى العكس تماما لا ينظر للوقائع الإيجابية إلا من خلال السلبيات التي يتتبعها بدقة، ليس بغرض تطويعها كما يفعل الإيجابي، وإنما بالتركيز على تأثيرها، خوفا أو طمعا أو ترددا…إلخ، وحبا في السلامة، وأسوأ ما في حالة السلبي، الخوف المفرط.

والخوف إذا ما استبد بالمرء لا يترك له منفذا للنظر فيما هو الإيجابي؛ بل يغلق في وجهه كل شيء، ومن ثم يكون المدخل المهيأ له والطبيعي هو اليأس، الذي يقضي على طموحات المرء مهما كانت قاصرة وضئيلة.

إن القراءة السلبية للتاريخ تنطلق من نتائج معدة مسبقا تصنعها النفوس الضعيفة والمهزوزة، ثم يتم استقبال الوقائع والأحداث لتقرأ تباعا وفق تلك النتائج المعدة.

فلو افترضنا أن نشاطا معينا أرادت جماعة أن تقوم به، فإن الإيجابي منهم يتطلع إلى الفوائد التي سيجنيها من هذا النشاط، ومن ثم يجد نفسه مقبلا على التنفيذ تلقائيا، إلا إذا خانته الوسائل وأدوات النجاح التي تبدو أنها متاحة.

أما السلبي فإنه يتحسس مقدار الإيذاء الذي سيلحق به في الطريق، ويفترض المعوقات التي ستصادفه أكثر من استحضاره المؤيدات له ولنشاطه، ومن ثم سيجد من المعوقات التي تمنعه أكثر من المشجعات، فيتراجع، بحيث لا يرى من أسباب النجاح شيئا.

وهذه الطبيعة مطردة في حياة الإنسان سواء كان بداخل الحدث التاريخي، أو كان خارجه متفاعلا معه ومنفعلا بآثاره، أو قارئا له… فالحدث التاريخي إذا تعلق بشخص إيجابي يختلف عن الذي يتعلق بالشخص السلبي، وكذلك قراءة الإيجابي للتاريخ فإنها تختلف عن قراءة السلبي له، سواء في فهم الأحداث وتفسيرها وتحليلها أو في نتائحها.

ولمزيد من التوضيح للفرق بين القراءتين الإيجابية والسلبية، أن ما بين التوجهين فروق نفسية هامة، فالإيجابي متطلع متشوف للأفضل والأحسن والأرقى والأنفع، ومن ثم فدَيْدَنُه تتبع “مراقي الصعود”، بينما السلبي فخاضع خانع قانع بما بين يديه، متخوف دائما من المستقبل، خائف من الفشل، متردد في اتخاذ المواقف…، فلو قيل مثلا لشاب إيجابي إن هناك مسابقة للعمل في مكان يبعد عن بلدته ألف كيلومتر، لذهب مباشرة إلى البحث عن أقصر طريق وأسرعه وأيسره للمشاركة في هذه المسابقة، بينما لو عرض ذلك على شاب سلبي، لقال مباشرة، إن قائمة الفائزين محضرة مسبقا عن طريق الوصاية وعلاقاتها بالمعارف والرشاوي! وكيف أصل إلى هذا المكان البعيد؟ وعندما أذهب إلى هناك أين أنزل؟ ومن يستقبلني لأنني لا أعرف المنطقة؟! وأخيرا من يضمن لي النجاح في المسابقة؟!

وقراءة التاريخ بصيغتيه المذكورتين آنفا مثل هذين الشابين تماما، فالإيجابي ينظر إلى أحداث التاريخ وتفسيرها انطلاقا من تلمس المكاسب لصاحب القضية، وما يقف عليه من سلبيات كلها يطوعها إلى ما يخدم المنطلق، بحيث يكتشف الأمور السلبية التي ليست من طبيعة النشاط الإنساني ولا من جنس القضية، مثل الجسم الغريب الذي يدخل على الأجسام السوية، فلا تقبله، وترفضه بطريقتها.

بينما السلبي لا يستطيع ذلك؛ لأن اكتفاءه بالقليل من النتائج لا يسمح له بالنظر في المكاسب وفضائلها؛ لأن منطقه الذي يرى به الأحداث على طريقة “هَنِّينِي ْنَهنِّيك”، وليس مستعدا لكسر الرأس.
والتداخل بين جانبي الحب والبغض، والإيجابية والسلبية، سببه الأمور النفسية التي تستبد بالإنسان فتتحول إلى موجه له في حياته، ومن ذلك فهمه للأحداث وتحليلها وتفسيرها، وربما كان أحدهما مهدا للآخر؛ لأن المشترك بينهما حالة نفسية تتحول عند الإنسان إلى بوصلة ينظر بها إلى الأمور كلها.

وأغلب ما تكون هذه الحالات النفسية في الذين ينطلقون في تحليل الأحداث من ذواتهم وعواطفهم وميولاتهم الحزبية والفكرية والعقائدية والأيديولوجية، وذلك من الكوابح والموانع من الوصول إلى الحقائق، بسبب الضغوط النفسية التي تملي على المرء الموقف من الحدث والواقعة، وفق الخلفية النفسية من غير مراعاة جادة للمناهج العلمية وما يقتضيه التحليل الموضوعي.
يتبع

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!