-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كيف نقرأ التاريخ (2)؟

التهامي مجوري
  • 479
  • 0
كيف نقرأ التاريخ (2)؟

يقال إن التاريخ ثلاثة أصناف وهي: التاريخ الشعبي، والتاريخ الرسمي، والتاريخ الأكاديمي العلمي.

أما التاريخ الشعبي، فمتعلق بقضايا الشعب ومساهماته في الأحداث والوقائع، والترويج لها والدعوة إليها والترغيب والترهيب في التعامل معها…، بما في ذلك استعمال الخرافات وروايتها.

ففي الثورة الجزائرية مثلا كانت للروايات الشعبية والخرافات أثر كبير في مساندتها، مثل الترويج لقصص غير حقيقية، كالقصة التي تروى أثناء الثورة، من أن جماعة من المجاهدين كانوا في سيارة، ولما مروا بحاجز أمني تحولوا إلى خرفان، ثم لما جاوزوا الحاجز الأمني عادوا إلى طبيعتهم البشرية، ويسوق ذلك على أنه حماية ربانية للمجاهدين.

فهذه القصة وامثالها كانت تتداول بين الناس لإبراز مشروعية الثورة وفضيلة الجهاد والمجاهدين والحماية الربانية التي يحاط بها أهل الجهاد، وتكرر الأمر مع الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي 1979/1989. فقد كان المجاهدون الأفغان يروجون لكرامات المجاهدين، حتى أن الدكتور عبد عزام رحمه الله وعبد المجيد الزنداني وغيرهما كثيرون، كانوا يروجون لكرامات المجاهدين بشكل كبير؛ بل إن مصداقية الأستاذين ومكانتهما في الحقل الدعوي، جعلت من الناس يصدقون تلك الأمور الصادمة للعقل ولطبائع الأشياء.

لا شك الحماية الربانية حاصلة لكل فعل خالص لوجهه الكريم سبحانه وتعالى، وليس بما لا يخضع للسنن الإلهية في الوجود، بحيث أن ما وقع من أحداث خارقة للعادة في تاريخ الأمة الإسلامية لا يكاد يذكر، مثل نزول الملائكة ببدر التي خلدها القرآن الكريم، ولكنها لم تتكرر؛ لأنها مرتبطة بواقع خاص وبوعد إلهي قد فرض عليهم بما يكاد يكون فوق طاقتهم، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مخاطبا ربه “إن تهلك هذه العصابة لن تعبد”، أما ما عدا ذلك من الأحداث كلها كانت خاضعة لسنن الله في الوجود وليس للكرامات وخوارق العادات، بدليل أن هناك معارك هزم فيها المسلمون بسبب تقصير منهم في جانب من جوانب المعركة.

ويدخل في التاريخ الشعبي كل مبالغات الجماهير ورواياتها وتداولها بين الناس مثل الأساطيق قديما، التي كانت تمثل مرحلة أو مراحل في تاريخ الفكر الإنساني، ما يقول المؤرخون للفكر الإنساني والعلوم.

والقراءة للتاريخ الشعبي، لا علاقة لها بصدقية الواقعة أو بعدم صدقيتها، وإنما هي متعلقة بالوقائع في ذاتها هل وقعت أم لم تقع؟ ومدى تأثير ذلك على سير الحدث؟ فهذه الأقاصيص في الثورة الجزائرية والجهاد الأفغاني، خرافات لا علاقة لها بالواقع، ولكنها كانت تسوق في إطار الدعاية الحربية ككرامات استقبلت من طرف الناس وقبلت قبولا حسنا لا نظير له، وربما كانت سببا في التحاق الكثير من الناس، طلبا للجهاد والشهادة في السبيل الله، في واقع تدخلت فيه العناية الإلهية مباشرة!!

أما بالنسبة للتاريخ الرسمي فإن الممثل الشرعي والمؤسسات الرسمية هي منظومة الحكم القائمة في كل مجتمع، والتاريخ الرسمي هو الأمور التي تتبناها الدولة، فتركز فيها على الجوانب الإيجابية من الأحداث التاريخية، سواء كانت هذه الأحداث خاصة بمرحلة معينة أو بجميع مراحل التاريخ الخاص بالمجتمع والدولة ومؤسساتها؛ لأن ذلك متعلق بـ”شخصية” الدولة التي تقتضي أن تكون في مستوى من الهيبة، وبتقوية المجتمع ومؤسساته وإبراز جانب العظمة فيه، بحيث لا تذكر السلبيات إلا بالقدر الذي لا يؤثر على هيبة الدولة واستقرار المجتمع ووحدة المؤسسات.

وذلك طبيعي في إطار بناء الدولة والمجتمع ومؤسساته وتقويتها، ولكن القيادة الراشدة لا تفعل ذلك على حساب الحقائق التاريخية، بحيث ينبغي أن تسوق الجانب الذي يقوي المجتمع ومؤسساته، من غير أن تهمل باقي الأحداث التي لا يشملها الفعل الدعائي؛ بل يجب أن تحرص على الاهتمام بالكل ولكن في إطار منظومة علمية تعمل على بقاء التاريخ كما هو بفضائله ورذائله، وتوظف أطرافه وفق الحاجة والضرورة ومقتضيات الواقع والمرحلة.

والتركيز على قضية معينة دون غيرها في إطار إبراز هيبة الدولة، لا يعني محو سلبيات المؤسسات والأشخاص والمجتمع من الخريطة، وإنما السكوت عنها لمصلحة الجماعة، أما الحقائق فلا تمحى بل إن بقاءها من مستلزمات حركة التاريخ، فلولا الرذائل ما أدركنا معنى وقيمة الفضائل كما يقال.

إن الأحداث والوقائع في كل مجتمع فيها الإيجابي وفيها االسلبي، وهذا من مسلمات النشاط الإنساني، وذكر السلبيات وتداولها بكثرة يؤثر سلبا على مؤسسات الدولة، ولذلك كان لا بد على التاريخ الرسمي أن يركز على ما هو إيجابي.

فالثورة الجزائرية مثلا كانت فيها أخطاء كثيرة، والمجتمع الجزائري بعد الاستقلال بقي فيه ممن لم يكونوا مع الثورة؛ بل يوجد من كان عميلا للإستعمار، فهل من الحكمة والمعقولية التركيز على تلك الأخطاء والانشغال بتلك الشريحة من بقايا الاستعمار؟

في تقديري ليس من الحكمة ذلك، وإنما الحكمة تقتضي لمجتمع ومؤسسات ناشئة ألا تلتفت إلا إلى ما هو إيجابي تقوية للصف وتمتينا للمؤسسات التي على كاهلها قيادة البلاد…، لا ريب في أن هذا الانتقاء ستستغله أطراف معادية وربما تكون من المتسللين إلى داخل المؤسسات الرسمية، وتوظفه في اتجاه التكلتلات الحزبية والفئوية والمصالح الخاصة، كما يمكن أن يستغل الخرافيون التاريخ بطبيعته الشعبية، ترويجا للخرافة وضواحيها، وهنا تظهر أهمية التاريخ الأكاديمي الذي على عاتقه قراءة التاريخ وفق قانون الله في خلقه، وطبقا لمنطق التاريخ الذي هو الوحيد المؤهل لمساعدة رجال الدولة على وضع برنامج التاريخ الرسمي والاستثمار في التاريخ الشعبي، وليس ذلك للسياسيين أو العصب الشعبية.

إن مهمة التاريخ الأكاديمي هو جمع الأحداث والوقائع والروايات، بتدوين وجمع  الروايات الشعبية والأشعار والأمثال من مصادرها، وجمع المذكرات وروايات الأشخاص الفاعلين في الأحداث والمعاصرين لها، من القريبين منها والبعيدين عنها، والتقارير الأمنية، وما كتبه كتاب العالم كله، وما نشر في الصحف الدولية والدراسات الأكاديمية، ثم دراسة ذلك كله، قبولا وردا وتفسيرا، بحيث تكون المعلومة كاملة للأجيال قابلة للتداول الرسمي والشعبي، ومفسرة ومفهومة بمنحنياتها ومنعرجاتها كلها.

فالتاريخ الأكاديمي هو الذي تتقرر فيه الحقائق من الزيف، والصحيح من الغلط، والصواب من الخطأ؛ لأنه يمثل الجهة الأقدر على حمايته مما يشينه من القريب والغريب، وهو الكاشف أيضا عن كيفية استثمار ذلك في بناء مؤسسات المجتمع والدولة، وحمايتها من المؤثرات الجانبية المضرة بها.

إن الطبيعة البشرية من أكثر المخلوقات تقلبا، ومن ثم يصعب الحكم على السلوك الإنساني بحكم واحد حدّي لا يقبل الأخذ والرد؛ لأن الإنسان قد يكون له موقف أو رأي في مسألة، ولكنه لظرف ما يطرأ عليه فيغير رأيه فيتحول هذا الموقف والرأي إلى النقيض أحيانا؛ لأن شيئا ما تغيير في واقعه، سواء باكتشاف معلومات لم تكن عنده، أو بسبب تقدير نابع عن رد فعل سريع أو استنتاج تغلب عليه العاطفة أو العقل الجاف، كل ذلك من أسباب التغير والتبدل.

والتاريخ كله من صنع هذا الإنسان المتقلب، وقراءاته المتنوعة لا يمكن تكون أسودا وأبيضا، وإنما قد يتقلب الرأي في المسألة الواحدة، إلى أكثر من وجه.

صحيح أن ذلك قد يفضي بالأمور إلى فوضى من الحقائق التي قد لا تصل إلى نهاية، كما يرى صاحب عالم الاجتماع البولندي في كتابه “الحداثة السائلة”، وقريب منه السوسيولوجي الدكتور علي الوردي العراقي، وإنما حركة المجتمعات تبحث عن ثوابت في الأحداث التاريخية، لتصل إلى ما يصلح حالها، فمراعاة الآراء في الأحداث وقراءتها، لا يعني إلغاء المقررات الثابتة بالقطع أو بغلبة الظن، مثلما هو مذهب الفقهاء، الذين يبنون أحكامهم الفقهية المستنبطة من نصوص الوحي والوقائع الإجتماعية على غلبة الظن؛ بل إن أكثرها ثابتة بغلبة الظن وليس باليقين، وذلك مراعاة لأحوال الناس وحاجاتهم التي جاء الوحي لمعالجتها.

والتاريخ أيضا، عندما يصل إلى الأكاديمين، فإن وقائعه تخضع للمقررات العلمية الموزعة على العلوم الإنسانية كلها، فهي أحداث، تخضع للعوم الاجتماعية والنفسية والإقتصادية والسياسية…إلخ، والقارئ لهذا التاريخ لا يسعه إلا الخضوع لهذه العلوم ليصل إلى القراءة الأقرب إلى طموح الإنسان ومكانته ودوره في الحياة، وذلك بالجمع والإحاطة بالأحداث والوقائع.

يتبع

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!