الأحد 18 أوت 2019 م, الموافق لـ 17 ذو الحجة 1440 هـ آخر تحديث 16:50
الشروق العامة الشروق نيوز بنة تي في
إذاعة الشروق

بقلمسلطان بركاني

كيف هي أحوالنا بعد رمضان؟

  • ---
  • 0
ح.م

في أمسية يوم الاثنين الماضي، رحل رمضان تاركا خلفه رسالة وداع لأمّة الإسلام، أوصى فيها عباد الله المسلمين وعباد الله التّائبين بالثّبات على الطّاعات والقربات إلى حين عودته في العام القادم بإذن الله.. فماذا فعلنا مع وصية رمضان؟ هل ثبتنا على طاعة الله كما كنّا في رمضان؟ وهل داومنا على ما كنّا عليه في شهر الإحسان؟ وهل حفظنا العهد الذي قطعناه على أنفسنا في أول رمضان بأنّنا قد تبنا إلى الله وبدأنا صفحة جديدة من حياتنا؟ هل حافظنا على الصّفحة الجديدة وعمرناها بالطّاعات والقربات والصلوات والصّدقات وتلاوة الآيات؟ أم إنّنا طويناها وعدنا إلى ما كنّا عليه قبل رمضان؟

مع كلّ أسف، لقد تكرّر مع كثير منّا المشهد الذي اعتدناه في أعوام سابقة، حين شكت المساجد إلى الله حالها بعد رمضان.. حين انطلقت حفلات الأعراس وبدأ موسم الهجرة إلى الشّواطئ، لتنسي عباد الله المؤمنين صيامهم وقيامهم، وتنسيهم دعواتهم ودمعاتهم في صلاة التهجّد، وتنسيهم ختمات القرآن التي وفقوا لها في رمضان.
أخي المؤمن.. ربّما أصابك الفتور أياما قليلة بعد رمضان، لكن، هل سيستمرّ معك هذا الفتور، لتنقض غزلك، وتنكص عمّا بدأته في رمضان؟ رمضان قد رحل، لكنّ أبواب الرّحمة والتّوبة والمغفرة، لا تزال مشرعة.. فقط، لا تستسلم لنفسك، وعد أدراجك، وتذكّر نسمات رمضان التي لا تزال تخالط أنفاسك، وتذكّر موضع سجودك في بيت الله الذي بدأ يشتاق إليك، وتذكّر الموضع الذي كنتَ تجلس فيه في المسجد لتتلو كلام ربّك، وحاول أن تستشعر حنينه إليك.

لا تستسلم أخيّ لنفسك ولقرينك، واحذر أن تغريك نفسك بأنّ النّاس من حولك كلَّهم مثلك، يتوبون في رمضان ثمّ ينقضون غزلهم وتوبتهم بعد رمضان، وأنّ الصّلاح والثّبات كان في زمن مضى.. ألا فلتعلم أخي المؤمن أنّ في زماننا هذا الذي نعيشه عبادا لله صالحين، أنسُهم وراحتهم في طاعة الله، ولا يفتُرون عن الطّاعات في رمضان وفي غير رمضان.. رمضان بالنّسبة إليهم محطّة لزيادة الإيمان وتلمّس الحصاد وتصحيح الأخطاء وتكميل النّقائص.
ربّما تغرينا أنفسنا الأمّارة بالسّوء وتقول لنا: إنّ الصّلاح في هذا الزّمان صعب، وإنّ الثّبات ربّما يكون مستحيلا.. ألا فلنقرأ معا هذه النّماذج لأحوال عبادٍ مسلمين يعيشون في زماننا هذا وتحيط بهم الفتن كما تحيط بنا، ولديهم مشاغل كما لدينا، لكنّهم غالبوا أنفسهم بينما ركّنا نحن إلى أهواء أنفسنا.

هذا أحدهم، يتحدّث عنه ابنه يقول: كنت مع والدي في السيارة وكان هناك زحام شديد في الطريق، قال والدي: أقرب مسجد قف عنده نريد أن ندرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، فقلت: أمامنا مسجد كبير يا والدي لعلنا ندرك فيه الصّلاة، فوصلنا في الركعة الثانية، ثم بعد انتهاء الصلاة رأيت أبي يبكي ويمسح الدموع عن وجهه. فقلت له: ما بك يا والدي؟! قال: والله يا ولدي، لي تسع سنوات، هذه أول مرة تفوتني تكبيرة الإحرام في المسجد.. تسع سنوات لم تفته تكبيرة الإحرام مع الإمام وحينما فاتته بكى بقلبه قبل عينيه وتحسّر على فوات فضل حرص عليه 9 سنوات كاملة.. وهذا صالح آخر نحسبه كذلك، يقول عنه صديقه: اتصلت بصديقي قبل أيام أسلم عليه، فدار الحوار بيننا ثم قال: اليوم والله أنا متعب نفسيا. قلت: سلامات بإذن الله. خيرا. قال: والله العظيم لي أكثر من 20 سنة لم تفتني صلاة الفجر في الوقت، بل أستيقظ بفضل الله قبل الفجر بساعة وأقرأ جزءا ثم أصلي ما كتب الله لي ثم أذهب إلى المسجد، أما اليوم فقد فاتتني ركعة وأدركت الركعة الثانية من صلاة الفجر. قلت له: جزاك الله خيراً على حرصك وهمتك العالية، وأسال الله أن يبارك لك في وقتك وعمرك وعملك.. وهذا صالح آخر نحسبه كذلك، تروي عنه إحدى اليتيمات أنّه ومن يوم توفي والدها ظلّ يطرق بابهم بعد صلاة كل جمعة ويضع لهم ما يحتاجونه خلال الأسبوع وينصرف. تقول: 15 عاما لم ينقطع عن هذا، ووالله إنّنا لا نعلم من هو!.. رجل صالح آخر، لما توفي زارت منزلَ أهله امرأة معها ثلاث بنات جامعيات، وقالت: بناتي اليتيمات كان يكفلهنّ منذ كنّ في الابتدائي.. وهذا صالح آخر نحسبه كذلك، دأب كل أسبوع، بعد صلاة الجمعة، على دعوة البسطاء من عمال وفقراء الحي إلى الغداء.. وهذه عجوز صالحة، نحسبها كذلك، على كبرها، تضع الماء للقطط عصر كلّ يوم كميعادٍ مُهم لا تتخلّف عنه، تجدّد الماء كل يوم وترفض أن يبقى متّسخًا.. وهذه معلّمة صالحة، نحسبها كذلك، يوم تسلمت عملها، قامت بفرش مصلى المدرسة واشترت له مكيفا على حسابها، وظلّت تتعاهده وتلتقي فيه بالزّميلات والعاملات تذكّرهنّ وتنصحهنّ…

هذا الخير وهذا الصّلاح ليس مقصورا على المسلمين في بلاد الإسلام، بل إنّ بين عباد الله المسلمين في بلاد الغرب، من يسطّرون أروع النّماذج في التمسّك بدين الله والصّبر عليه، ولعلّنا نكتفي بنموذج واحد رواه العالم السّوداني الشّيخ جعفر شيخ إدريس، حيث يقول: رأيتُ في المركز الإسلاميّ بمونتريال بكندا شابا قد أسلم حديثًا، ويصلّي جميع الصلوات جماعةً في المركز الإسلاميّ، وقد أخبرني إمامُ المسجد أنّ هذا الشاب منذ أن دخل في الإسلام وهو لا يترك فرضًا من الفروض مع الجماعة بهذا المركز صيفًا ولا شتاءً، حتى في شهور الثلوج والبرد الشديد، وأنه يقطع في سبيل ذلك طريقًا يستغرق منه كل مرة نحو نصف ساعة، يقول الشّيخ جعفر إدريس: فكلمتُ ذلك الشاب لأقنعه بأنه في ذلك يشق على نفسه، فقال لي: يا شيخ؛ أمَا قرأتَ قول الله تعالى: ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب)) (الحج 32)، والمساجد من شعائر الله، فأنا أريد أن أعظّم شعائر الله تعالى. قال الشّيخ: فوالله لقد انقطعت حجّتي، وسكتّ.

هكذا يعيش المسلمون الجدد الإسلام بقلوبهم وأرواحهم، وهكذا يعظّمون شرائعه وشعائره؛ الواحد منهم ما أن يعتنق الإسلام حتى يحسّ بأنّه قد ظفر بأعظم كنز في الوجود، ويرى أنّه ينبغي أن يصبغ حياته كلّها بهذا الدّين، ويعيشه واقعا في كلّ صغيرة وكبيرة من حياته، ويسعى لتقديم ما أمكنه تقديمه لخدمته والدّعوة إليه والذّود عنه، على النّقيض تماما ممّا نعيشه نحن الذين ولدنا وترعرعنا على هذا الدّين، لكنّنا لم نعرف قدره، فأعطيناه هوامش حياتنا وفضول أوقاتنا، ونظرنا إليه على أنّه تكاليف نتملّص من بعضها لأتفه الأسباب، ونؤدّي بعضها خوفا من العقاب، وحدود نلزم بعضها على مضض، ونتعدّى بعضها بأوهى الأعذار والحجج.. فهل يليق أن يقدّم المسلمون الجدد في الغرب أروع النّماذج في الثّبات على دين الله وفي الصّبر على طاعة الله، بينما نصرّ نحن المسلمين في بلاد الإسلام على التعامل مع ديننا على أنّه حمل ثقيل نتحيّن الفرص لإلقائه عن عواتقنا.. نصلّي في بيوت الله في رمضان، ونقرأ القرآن ونتصدّق، ثمّ نودّع المساجد ونهجر القرآن وننسى الصّدقات في أوّل يوم من شوال!!! ألا فلنتّق الله ولنجاهد أنفسنا الأمارة بالسّوء على الثّبات على طاعة الله؛ فالله الذي يرانا ويحصي أعمالنا في رمضان، يرانا ويحصي أعمالنا في شوال وذي القعدة وغيرها من الشّهور.. إنّنا متى ما أصرّينا على نقض الغزل وعلى الرّوغان في ديننا، فلن نكون أعزّ على الله ممّن قال فيهم: ((الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُون))، وربّما يستبدلنا الله بقوم آخرين ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)).

مقالات ذات صلة

600

0 تعليق
  • الأحدث
  • الأقدم

لا يوجد أي تعليق, كن أول من يعلق!

close
close