-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في صحبة موسى والخضر

لا إفراط ولا تفريط

أبو جرة سلطاني
  • 326
  • 0
لا إفراط ولا تفريط

تحدّث أبو حامد الغزالي كثيرا في هذه المسألة، وذهب إلى أنّ لكلّ شيء وجهين: “وجه إلى نفسه ووجه إلى ربّه، فهو باعتبار وجه الله وجود، فإذًا لا موجود إلاّ الله ووجهه، فإذًا كلّ شيء هالكٌ إلاّ وجهه”. وهي مقدّمة صحيحة، ثم يقول -بعد شرحها- إنّ العارفين “بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتّفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلاّ الواحد الحقّ، لكنْ منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميّا، ومنهم من صار له ذوقا وحالاً وانتفتْ عنهم الكثرة بالكليّة، واستغرقوا بالفردانيّة المحضة، واستهوتْ فيها عقولهم، فصاروا كالمبهوتين فيه، ولم يبقَ فيهم متّسع لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضا، فلم يبقَ عندهم إلاّ الله فسكروا سُكْرا وقع دونه سلطان عقولهم!! (هذه مردودة عليه) فقال بعضهم: أنَا الحقّ. وقال الآخر: سبحاني ما أعظم شأني!!

وقال الآخر: ما في الجنّة (أو الجبّة) إلاّ الله..” ثم علّق على هذا الكلام المتقلّب المزاج المتفلّت من عقال الشّريعة بما يبرّر حالة السّكر المعنوي بحضرة الإله المعبود فقال: “وكلام العشّاق في حال السّكر يُطوَى ولا يُحكى (فلماذا حكاه ودوّنه في أسفار يقرؤها الناس) فلما خفّ عنهم سكْرُهم وُردُّوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه عرفوا أنّ ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل يشبه الاتحاد..”. ثم يتابع القول، بعد أنْ ساق شواهد لتأييد كلامه من أشعار الصّوفيّة: “وهذه الحالة إذا غلبت سمّيت بالإضافة إلى صاحب الحال، فناء، بل فناء الفناء، لأنه فنى عن نفسه وفنى عن فنائه، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ولا بعد شعوره بنفسه، ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه، وتسمّى هذه الحال، بالإضافة إلى المستغرق فيها بلسان المجاز، اتّحادًا. وبلسان الحقيقة توحيدا، ووراء هذه الحقائق أيضا أسرارٌ لا يجوز الخوض فيها” ا.هـ. (مجموعة رسائل الإمام الغزالي: رسالة مشكاة الأنوار: 294- 295).

هكذا جاء بالحرف مدوَّنا في رسائل هذا العالم الجهبذ، ليثبت معنى الاتحاد والتّوحيد، والذّوق والسُّكر، والحلول والذّوبان، والفناء الذي يشبه عقيدة “النّرفانا” في عقائد الحلول عند الوثنيين القدامى والبوذيّين. وحاشاه أن يكون قد قصد هذا المعنى، لأنه كشف -بعد طول بحث- عن بيت القصيد الذي يسمّيه “الرّوح القدسيّ النّبوي”. فما معنى الرّوح القدسي النّبوي عنده؟ وما صلته بالعلم اللّدني؟

استعرض في كثير من رسائله مراتب الأرواح البشرية النّورانيّة فوجدها خمسا: مرتبة الرّوح الحساس. ومرتبة الرّوح الخيالي. ومرتبة الرّوح العقلي. والرّوح الفكري. وأعلاها الرّوح القدسي النّبوي الذي يقول في تعريفه: “الذي به يختصّ الأنبيّاء وبعض الأوليّاء، وفيه تنجلي لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السّموات والأرض، بل من المعارف الربّانيّة التي تقتصر دونها الرّوح العقلي والفكري، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم)) (الشّورى: 52)، وهو كلام يبدو في ظاهره نفيسًا لا غبار عليه ولا اعتراض، إذا جعلناه مقدّمة لفهم معنى الوحي، والنّور، والهداية.. وكلّها عطاءات ألوهيّة اختصّ الله -جل جلاله- بها عباده المرسلين، كونها وحيًّا علويا غايته الهداية وتنظيم حركة الإنسان في الوجود بمنهج السّماء. لكنّ النّتيجة التي توصّل إليها فيها كثيرٌ مما لا يجوز تأخيرُ بيانه عن وقت الحاجة، لاسيما في مسألة حساسة تمسّ بجوهر عقيدة التّوحيد والرّسالة والنّبوّة والغيب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!