-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا حماسستان ولا فتحستان !

حسين لقرع
  • 981
  • 0
لا حماسستان ولا فتحستان !

عاد الجدل بشأن ما يسمّى “اليوم التالي لحرب غزة” ليحتدم مجدّدا بين القادة الصهاينة، ويعمّق خلافاتهم، وكأنّ هذه الحرب قد حسمها الاحتلال لصالحه وأسقط حكم “حماس” وقضى على فصائل المقاومة جميعا، ولم يبق إلا الحديث عمّا يجب القيام به في “اليوم التالي” لنهاية الحرب: هل ينبغي حكم غزة عسكريا كما يريد نتنياهو؟ أم إسناد الأمر إلى جهات مدنية فلسطينية غير معادية للكيان، كما يدعو وزير دفاعه يوآف غالانت؟

المفارقة أنّ هذا الجدل يثار في وقت يعترف فيه الكثير من القادة العسكريين والأمنيين الصهاينة، السابقين وحتى الحاليين، بأنّ “حماس” قد عادت بقوّة لتبسط سيطرتها على شتى مناطق القطاع، وتخوض معارك طاحنة مع جيش الاحتلال تفوق في قوّتها ما شاهدناه في الأيام الأولى للحرب؛ إذ استخلصت “حماس” الدروس الكافية من الشهور السبعة السابقة، وفضّلت هذه المرة خوض حرب عصابات ناجحة فاجأت العدوّ وأربكت جنوده، وأضحت توقع عشرات القتلى والجرحى بينهم يوميا، فضلا عن تدمير 100 من آلياته العسكرية في ظرف 10 أيام فقط، حسب أبو عبيدة، ما يعني أنّ حديث نتنياهو عن بداية الاقتراب من “النصر المطلق” هو مجرّد أراجيف تكذّبها وقائع الميدان، حتى أن اللواء في الاحتياط، إسحاق بريك، حذّر نتنياهو من أنّ جيش الاحتلال يستدرج إلى حرب استنزاف خطيرة ستؤدّي، حتما، إلى انهيار الاقتصاد وجيش الاحتياط معا.

وتكاد الصحف الصهيونية والأمريكية تجمع على أنّ الاحتلال لن يربح هذه الحرب حتى لو اجتاح رفح بأكملها، ولكنّ لنفترض جدلا أنّ نتنياهو انتصر فيها وأسقط حكم “حماس”، فكيف يستطيع حكم غزة في هذه الحالة عسكريا والحال أنّ أسلافه حاولوا ذلك من قبل وفشلوا؟

نعلم جميعا أنّ الكيان احتل غزة خلال حرب 1967، وأصبح يحكمها عسكريا ومدنيا بعد طرد الإدارة المصرية منها، لكنّ القطاع لم يخضع وبقي يقاوم، وأدّى أبناؤه دورا فاعلا في انتفاضة 7 ديسمبر 1987 التي دامت 6 سنوات كاملة ولم تنته سوى باتفاق أوسلو 1993، بعد أن حوّلت حياة جنود الاحتلال هناك إلى جحيم. وخلال الانتفاضة الثانية التي اندلعت في سبتمبر 2000، تشكّلت مقاومة مسلحة مشتركة بين “حماس” و”فتح” وفصائل أخرى، وخاضت معارك ملحمية مع الاحتلال دامت خمس سنوات كاملة وأجبرت شارون على سحب جنوده ومستوطنيه معا في أوت 2005 والفرار من القطاع لإيقاف خسائره، فكيف يستطيع نتنياهو اليوم حكم القطاع عسكريا والحال أنّ المقاومة الآن أقوى مائة مرة مما كانت عليه خلال الانتفاضة المسلحة الثانية؟

ربما يستطيع نتنياهو إسقاط حكم “حماس” ومؤسّساتها المدنية وفرض حكم عسكري على القطاع، لكنّه قطعا لن يستطيع إنهاء المقاومة المسلحة هناك، وستخوض حرب اغتيالات يومية ضد جنوده إلى أن تجبره على الانسحاب منها كما فعل شارون في 2005، وهذا هو السيناريو المرعب الذي حذّر منه وزير دفاعه غالانت حينما أكّد أنّ الحكم العسكري المباشر لغزة سيكون مكلفا بشريا واقتصاديا، وقال بالحرف الواحد: “سنحتاج إلى عملية عسكرية ضخمة، وسندفع أرواحا كثيرة، وفي النهاية، سنترك المنطقة للفلسطينيين”!

في الختام، نودّ فقط أن نعلّق على قول نتنياهو إنه “لن يقبل باستبدال حكم فتحستان بحماسستان في غزة”، وهذه هي المرة الثانية التي يدلي فيها بهذا التصريح، ما يعني ببساطة أنّ العدو لن يرضى عن السلطة الفلسطينية حتى لو بالغت في انبطاحها و”تنسيقها الأمني” معه، وطاردت المقاومين الشرفاء في الضفة ووشت ببعضهم للعدو، أو اعتقلتهم، أو قتلتهم نيابة عنه كما فعلت منذ أيام مع زعيم كتيبة طولكرم أبو الفول، فبالرغم من كل “الخدمات الجليلة” التي تقدّمها هذه السلطة للعدو في الضفة الغربية، إلا أنّه لم يرض عنها، وها هو نتنياهو يصر على استبعاد “فتح” من أداء أيّ دور في غزة بعد الحرب.

ومع ذلك، لا تستخلص “فتح” العبرة الكافية من هذه الحقيقة المرّة، ولا يزال رئيسها ورئيس السلطة يحمّل “حماس” مسؤولية حرب غزة ويتهمها بتوفير الذرائع للاحتلال لتدميرها وقتل الفلسطينيين، وكأنّ المشكلة بدأت في 7 أكتوبر فقط والعدو كان طيلة 76 سنة كاملة بردا وسلاما على فلسطين وحملا وديعا مع أهلها!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!