-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا رحمة في شهر الرحمة!

لا رحمة في شهر الرحمة!

لقد تعودّ الجزائريون قبل سنوات على استقبال شهرهم الفضيل بالفرح والاستبشار خيرا بقدومه، فهو موسم الطاعة والتراحم، حيث يتجدد الإيمان بتفعيل علاقة المخلوق بخالقه وتتوطد أواصر المجتمع بتعزيز التضامن بين أفراده.

لكن من المؤسف أن يتحول شهر رمضان إلى مناسبة للضجر الاجتماعي والشكوى من ضنك الحياة، إذ لا حديث هذه الأيام بين الجزائريين سوى عن الغلاء الفاحش للمعيشة وتدهور القدرة الشرائية للأغلبية المسحوقة، ومهما تعددت الأسباب والتحليلات والاتهامات، فإنّ النتيجة واحدة، وهي أنّ المواطن البسيط هو من يدفع ثمن الفوضى التجارية، بينما يغتني المضاربون والمحتكرون، كما يستمتع المسؤولون مع ذويهم بما لذّ وطاب على موائد الإفطار.

وخلال جولة سريعة في الأسواق الجوارية وكذا محلات الأحياء السكنية بالمدن الجزائرية، نقف على حجم الالتهاب الحادّ في الأسعار لكل البضائع والسلع والمنتجات، التحويلية منها والفلاحية والحيوانية على السواء، ولا يمكن للزبون أن يفاضل بينها، فكلها في الغلاء سواء.

ينبغي أن لا نغفل عن حقيقة مُرَّة، وهي أنّ الغالبية العظمى تعيش مؤخرا في مستوى الفقر تقريبًا، قياسًا بظروف المعيشة، حيث لا يتجاوز متوسّط الدخل الشهري للفرد الجزائري 34 ألف دينار، حسب تصنيف “نومبيو” لسنة 2021، لتحتل الجزائر المرتبة 13 عربيّا، مع أنّ مثل هذه الأرقام لا تعكس الواقع لسبب البسيط، وهي أنها محصلة لعملية حسابية للفارق بين موارد الأغنياء والفقراء، بينما واقعيّا سيكون دخل الأثرياء بالملايير في حين يبقى نصيب الفقراء بعشرات الدنانير فقط.

لقد تبخّرت فجأة كل وعود مسؤولي الحكومة في مختلف القطاعات التجارية والفلاحية والصناعية وسواها، وثبُت مرة أخرى أنّ كثيرا منهم ربما يعيشون في كوكب آخر أو يجهلون مسار الإنتاج والاستهلاك وقواعد ضبط السُّوق في النظام الرأسمالي الحرّ، حتى لا نقول إن بعضهم كان يضحك على ذقون الشعب مع سبق الإصرار والترصّد.

إنّ ما نعيشه اليوم من ارتفاع غير مسبوق في أثمان المواد الاستهلاكية اليومية هو تراكمٌ لأسباب كثيرة، تصبُّ كلها في اتجاه ضعف الاستشراف الحكومي وهشاشة التسيير الإداري لقطاعات حيوية تتّصل بحياة المواطنين.

ليس خافيًا أنّ ارتفاع الأسعار في المنتَجات التحويلية والغذائية المستوردة يرجع أساسا إلى ارتفاع تكلفتها بفعل التضخُّم الناجم عن تخفيض قيمة العملة الوطنية، ما أدى في النهاية إلى رفع سعرها في السوق، ليدفع الزبون وحده، كحلقة أخيرة في سلسلة الإنتاج والاستهلاك، ثمن الكلفة، يحدث ذلك دون أي تحسين في الأجور منذ سنوات بذريعة الوضع المالي الحرج للخزينة العمومية.

كما أنّ عجز الحكومات المتعاقبة عن تنظيم الإنتاج في القطاع الفلاحي وراء تذبذب الأسعار بصفة موسمية، ليدفع المنتِج تارة ضريبة الوفرة والكساد، وفي الموسم الموالي يحترق جيب المواطن نتيجة الندرة وعزوف مُنتجين عن إعادة الكَرّة بعد خسارة العام الماضي، وهكذا يظلّ السوق يتأرجح بين فائض الإنتاج، ثم قلّة المحاصيل.

يُجمع الكثير من المختصِّين في الشأن الاقتصادي التجاري على وجود فجوةٍ كبيرة في الأسعار بين المنتِج والمستهلِك، حيث يتربّح من عمليات التسويق الوسطاء على حساب الطرفين، بفعل المضاربة والجشع، وهذا ما يُلقي عبئًا آخر على الحكومة في تقليص هذه الفجوة السُّوقيّة، عن طريق حل مشكلة الأسواق الجوارية، خاصّة أن الدولة أنفقت أموالاً طائلة على هذا المشروع دون أن يتجسّد ميدانيّا حتى الآن.

بغضّ النظر عن الحلول العاجلة والآجلة المطلوب تنفيذها جذريّا، فهي مسؤولية سياسية تقع على عاتق الحكومة، لكن تخفيف العبء المادي على المواطنين بكل التدابير الممكنة صار أولوية قصوى مفروضة على أجندة السلطات العمومية قبل انفلات الوضع الاجتماعي، خاصة بعد ما لاحت بوادر الاحتجاجات المهنية في التصعيد.

لا يمكن الرهان السياسي على الذهاب نحو الاستحقاق البرلماني بعنوان التغيير، بينما يُعاني المواطن يوميّا من شظف العيش، وهو يكابد من أجل تحصيل لقمة أولاده، ويلهث خلف كيس الحليب وقارورة الزيت، ثم ندعوه إلى اختيار نواب الشعب الذين يتقاضون شهريًّا 35 مليون سنتيم، دون احتساب باقي الامتيازات، كأنّنا نصنع من ظهره المُحدَودب من نصبِ الحياة النّكدة منصّةَ لصعود المنتفعين باسم التمثيل البرلماني، حاشى الشرفاء في كل المواقع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • amremmu

    حين يأخذ الجهل مكان المعرفة . والنفاق مكان النزاهة . والتطرف مكان التسامح . والكسل مكان الجد والعمل . والمكر مكان الاخلاص .... يومها لا مكان لا للرحمة ولا للشفقة .

  • احمد

    الكل يبروفيتي من الاخرين. التاجر ..الطبيب.. الطاكسي.. المعلم ... الموضف.... الا من رحم ربي الكل اصبح لا يرضى حتى ب 20 مليون ربح في الشهر خصو يربح 60 مليون او اكثر و يقلعها من لحم الاخرين