-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا هادي ولا عاصم لأبنائنا إلا الله

سلطان بركاني
  • 720
  • 0
لا هادي ولا عاصم لأبنائنا إلا الله

زماننا هذا، بقدر ما فيه من المبشّرات، في أفواج من يعتنقون الإسلام في أرض الله الواسعة من العلماء والباحثين وكبار المثقفين والكتاب وعامة الناس، وفي أعداد الدّعاة الحاذقين الذين ينتدبون أنفسهم للدّفاع عن حياض الإسلام بالعلم والحكمة ضدّ الشّبهات التي تثار حول دين الله الحقّ، وأعداد من يتوبون إلى الله ويهجرون حياة التيه والغفلة والضّياع.. بقدر ما فيه من الأحوال التي تدمي القلوب الحيّة، وتحمل على الخوف والوجل ممّا بلغته القسوة بقلوب بعض النّاس وبينهم مسلمون؛ شباب وشيب مردوا على المعاصي، وأصبح الواحد منهم لا تردّه عن الإصرار على المعصية وفاة صديق أو قريب ولا مشهد جنازة ولا حتى جوار مقبرة.

 قديما بلغت قسوة القلب بولد نبي الله نوح -عليه السّلام- مبلغا عظيما، فأصرّ على الكفر والعناد، ورفض أن يؤمن لأبيه النبيّ المبعوث من ربّ العالمين والمؤيّد بالمعجزات والبراهين، وعلى الرّغم ممّا رآه من الآيات إلا أنّه ظلّ سادرا في غيّه، حتّى كانت الآية الكبرى وكان الطّوفان العظيم، ناداه والده الأب النبيّ: ((يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِين))، فما كان من الولد الشّارد إلا أن أجاب: ((سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ))، فماذا كانت النّتيجة؟ ((قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)).. موقف جليل يقرع القلوب الحيّة بمصير من أعرض عن منهج الله واتّبع هواه، ولو كان المعرض ابن نبيّ من الأنبياء، كيف بغيره.. المخيف في الموقف ليس نهاية الابن بالغرق، إنّما هو ذلك الرّان الذي طبع على قلبه، حتّى ما عادت تؤثّر فيه الآيات ولا النّذر مهما بلغت في عظمتها!

المخيف في مآل من بلي بقسوة القلب ليس أن يموت، إنّما أن يموت قلبه وهو لا يزال على قيد الحياة؛ أن تكون عقوبته العاجلة ختما يطبع على قلبه فلا تؤثّر فيه الآيات ولا القوارع ولا النّذر، ويظلّ على تلك الحال حتّى يحين أجله، وربّما لا تأتيه منيته إلا وقد أشرب بغض شعائر الدّين وشرائعه!

بين حين وآخر، يراسلني بعض الخيّرين من أحبابي الشّباب في أحداث ووقائع يتقطّع لها القلب حسرة وأسى، ولولا أنّ خبرها ينقله شباب ثقات أحسبهم كذلك، ما صدّقتها.. ومن ذلك أنّ أحدهم بعث إليّ برسالة لعلّه كتبها بدموع عينيه ودماء عروقه قبل أنامل يديه، يتأوّه فيها حسرة لما رآه أكثر من مرّة من فواجع بقرب سور إحدى المقابر؛ شباب يقتادون فتيات كما تقاد النعاج إلى مذبحها ليخلوا بهنّ ويقترفوا الفاحشة غير بعيد عن قبور يعلم الله ما بداخلها! ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.. هذا ما تفعله قسوة القلب بصاحبها، تجرّئه على حدود الله فلا يراعي حرمة زمان ولا يكترث بحرمة مكان! يصل الأمر بعبد مسلم يؤمن بالله وملائكته واليوم الآخر والحساب والجنّة والنّار، إلى حدّ اقتراف كبيرة من أعظم الكبائر بجانب قبور تحتها من النّعيم والعذاب ما الله به عليم، بل قد حُدِّثتُ عن شباب يقترفون الفاحشة الكبرى عند أسوار المقابر، وعن شباب آخرين وصلت بهم الجرأة على حدود الله إلى حدّ معاقرة الخمور والمخدّرات قريبا من الأجداث، بل إنّ منهم من يتعاطى هذه السّموم داخل أسوار المقابر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. أين حرمة الموت؟ أين حرمة الموتى؟ أين حرمة القبور؟ والله إنّ الأمر لعظيم وخطير، ونخشى أن يعمّنا الله بفتنة أو عذاب إن نحن سكتنا عن هذا المنكر الوبيل!

شابّ آخر من شبابنا الخيّرين، أنعم الله عليه بالتوبة، جاءني يشكو إليّ بكلّ حسرة حال إخوانه الشّباب الغارقين في مستنقع الخمور والمخدّرات، ويتأسّف كيف أنّه أصبح مضطرا للتعامل مع هؤلاء الشباب بحكم عمله، وأنّه يعاني الأمرين من خلطته بهم وإصرار أكثرهم على مقارعة الموبقات والمتاجرة في المحرّمات وسبّ الخالق فاطر الأرض والسّماوات، ومنهم من تجاوزوا مرحلة الاستخفاء بالمنكرات التي يقترفونها إلى مرحلة المجاهرة والتباهي باحتساء تلك السّموم المذهبة للعقول.. يحدث أن تمرّ باللّيل في بعض الطّرق فترى من أحوال بعض شبابنا في تعاطي الخمور والمخدّرات ما يقطّع نياط القلوب.. شباب يسهرون خارج البيوت إلى ما بعد منتصف اللّيل، على احتساء الخمور وتجرّع السّموم ومشاهدة المقاطع الآثمة، أمّا عن رفع الأصوات بالكلام الفاحش والبذيء وإيذاء النّاس في بيوتهم، فحدّث ولا حرج!

إنّه حصاد الاستقالة شبه الجماعية التي اختارها أكثر الآباء مع كلّ أسف، من مسؤولية متابعة أبنائهم! يعود الأب من عمله مساءً، فلا يسأل عن شيء آخر غير وجبة العشاء، ليقضي بعض السّاعات أمام التلفاز بعد أن يملأ بطنه، ثمّ يخلد إلى النّوم من دون أن يسأل عن ابنه المراهق أين هو وما الذي يشغله؟ ولا عن ابنته التي تقضي معظم السّاعات مع الهاتف في غرفتها؟ بل ربّما يعود الأب من بيت الله بعد أن يصلّي العشاء فينطلق سريعا إلى سريره لينام من دون أن يسأل عن أبنائه ولا عن بناته!

بعض الآباء، ترى الواحد منهم غير مكترث لحال أبنائه، وعندما تحدّثه في الموضوع، تفاجأ به يجيبك قائلا: “يا أخي، حتّى نوح -عليه السّلام- لم يستطع هداية ابنه”! لا حول ولا قوة إلا بالله! وهل تخلّى نوح عن تربية ابنه ونصحه؟ هل سكت نوح وترك ابنه في طريق الكفر والإعراض؟ لا والله، بل كان يدعوه ويذكّره وينصحه إلى آخر لحظة قبل الغرق.. فهل نحن نتعب حقيقة مع أبنائنا؟ هل نحمل همّ هدايتهم؟ هل نقوم الليل وهل نزيد في صلاتنا ونطيل ركوعنا وسجودنا لأجلهم، كما كان الإمام سعيد بن المسيّب -رحمه الله- يفعل، كان يقول لابنِه: “لأزيدنَّ في صلاتي من أجلك، رجاء أن أُحفظ فيك”، ثم يتلو قول الله تعالى: ((وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا))”.. هل نتصدّق بنية أن يصلح الله أبناءنا؟ هل نجلس معهم ولو ساعة كلّ أسبوع نذكّرهم ونعظهم بكلّ شفقة؟ هل نسأل عن أصدقائهم ورفاقهم؟

زماننا هذا صعب ومرهق؛ الشّبهات تتدفّق فيه من كلّ حدب وصوب، والشّهوات تعرض في كلّ مكان؛ في التلفاز وفي الهاتف وفي الشّارع وفي مكان العمل، وحتّى في المدرسة والجامعة، ولا عاصم في خضمّ أمواج هذا الزّمان المتلاطمة إلا الله، لذلك فجميعا في أمسّ الحاجة إلى فضل الله ورحمته وتوفيقه وتثبيته وعونه، فوالله لا هادي إلا من هداه الله، ولا صالح إلا من أصلحه الله، ولا خلاص إلا باللّجوء إلى من بيده أمر القلوب والاحتماء بحماه وتوثيق الصّلة به جلّ في علاه، وإطالة الرّكوع والسّجود، والقيام باللّيل لأجل البكاء وإظهار الضّعف والتذلّل ودعاء الحيّ القيوم أن يهدي قلوبنا وقلوب أبنائنا ويثبّتنا على دينه وطاعته حتى نلقاه، وما أجمل أن نجعل بين أدعيتنا: ((رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)).. ((رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين))!

ينبغي لكلّ واحد منّا أن يكون على يقين بأنّه إن لم يتعب في تربية أبنائه ويبكي لأجل صلاحهم، فإنّه سيتعب في هذه الدّنيا بشقوتهم وربّما يذرف دموع الحسرة والأسى لحالهم، والأكثر ألما أنّه ربّما يشقى بهم في قبره ويوم القيامة، لذلك كان من الواجب علينا أن نحمل همّ صلاح أبنائنا، ونحرص على تربيتهم وربطهم بالقرآن والمساجد، ونتابع ونسأل ونتفقّد، ونأمر في بيوتنا بالمعروف وننهى عن المنكر، ويأخذ كلّ واحد منّا بيد زوجته ويقول لها: “لنتّق الله في أبنائنا، ولنتعاون على ترغيبهم في الصّلاة وحفظ القرآن ومتابعة البرامج النّافعة والهادفة، ولنتعاون على تعويد بناتنا لبس الواسع والمحتشم، ولنمنعهنّ متابعة المسلسلات المدمّرة والمقاطع المفسدة على الإنترنت”.. كلّ هذا واجب ينبغي أن نقوم به وعليه، لكنّ الواجب الأهمّ هو أن نفرّ إلى الله ونتذلّل بين يديه ندعوه أن يهدينا ويهدي أبناءنا وبناتنا ويحفظهم ويثبّتهم على دينه وطاعته، ويقرّ أعيننا بصلاحنا وصلاحهم واستقامتنا واستقامتهم.

أبناؤنا هم مشروع حياتنا الأوّل بعد مشروع طاعة الله وعبادته، وهم ميراثنا الأهمّ، وأثمن ما نتركه خلفنا في هذه الدّنيا.. فإمّا أن يكونوا زادا ونورا ورفعة لنا في قبورنا بعد موتنا، وإمّا أن يكونوا وبالا وظلمة وخزيا لنا في القبور ويوم القيامة؛ تعرض علينا أعمالهم السيّئة في قبورنا، فنزداد ألما على ألم وعذابا فوق العذاب، نسأل الله العافية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!