-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لا يكنْ قلبك كالإسفنجة!

سلطان بركاني
  • 605
  • 0
لا يكنْ قلبك كالإسفنجة!

معارك فكرية كثيرة تفرض نفسها على شباب الأمّة في هذا الزّمان. لعلّ أولاها بالاهتمام معركته مع الإلحاد والعلمانية؛ فالإلحاد الذي يعني إنكار وجحد وجود الخالق سبحانه يتهدّد شباب الأمّة ويغريهم ويخدعهم ليسلب منهم أعزّ وأغلى ما يملكون في هذه الدّنيا، إيمانهم بالله الواحد الأحد.. والعلمانية تريد أن تقتل في شباب الأمّة عزّتهم بدينهم وغيرتهم وحبّهم له، وتريد أن تبعد دين الله ليس عن السياسة فحسب، إنّما عن الحياة كلّها.

بعض شبابنا أضحوا أسرى لشبكة الإنترنت العالمية، وقد أشرعوا عيونهم وآذانهم وقلوبهم للشّبهات ولزخرف القول الذي يلقيه سحرة الإلحاد والعلمانية في الفضاء المفتوح.. ((شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)).. أصبح كثير من شبابنا كالإسفنجة، يتشرّب الواحد منهم كلّ ما يقع أمامه، ويبلع كلّ ما تقع عليه عينه، من دون تمحيص أو تثبّت، والمشكلة الأكبر ظنّه أنّه بمسارعته إلى تشرّب الشّبهات قد بلغ مبلغا لم يبلغه غيره وظفر بما لم يظفر به أحد سواه..

يروي الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه “مفتاح دار السعادة” أنّه كان يورد على شيخه ابن تيمية بعض الشّبهات، فقال له ابن تيمية -رحمه الله- كلمة نفعه الله بها وكانت نبراسا لطريقه، قال: “لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الاسفنجة، فيتشرّبها؛ فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها؛ فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات”..

هذا ما يفترض في حقّ العبد المؤمن الموقن بالله، لكنّ كثيرا من أحبابنا الشباب في هذا الزّمان، تجد الواحد منهم يسبح في مستنقع الشبهات ويتتبعها من مكان إلى آخر، ويشارك في نقاشات لا يملك من العلم والاطّلاع والأهلية ما يمكّنه من خوضها، فلا يزيد على أن يوهن صفّ أهل الحقّ، لأنّه لا يكلف نفسه شيئا من عناء البحث عن أجوبة للشبهات التي تعترضه، مع أنّ الفضاء المفتوح مليء -ولله الحمد- بالمواقع والصفحات التي تردّ على الشّبهات وتفكّ عقدها وتعرّي عوارها، مواقع يقوم عليها علماء وشباب أصحاب همم عالية يصلون الليل بالنهار دفاعا عن دين الله، متخصّصون ويتابعون الجديد في عالم الاكتشافات وعالم الفكر والثقافة ليزنوه بميزان الشّرع.

كلّ هذا الخير موجود ولله الحمد، لكنّ بعض شبابنا لا يبحثون عنه، إنّما يكتفون بالبحث عن الجديد المخالف للمألوف، الذي يُعرض في قالب من الإثارة والتزيين، هذا الجديد الذي يشكّكهم في حقائق دينهم ويجعلهم يشعرون بالحرج من بعض شعائره وشرائعه، وتبدأ الوساوس تعمل عملها في قلوبهم وعقولهم، ويصبح الواحد منهم يحمل في قلبه ظنا أنّ الدّين يخالف العلم وأنّ التطوّر العلميّ والتكنولوجي سيحاصر الدين داخل بيوت العبادة، وينسى أنّ الدين الحقّ هو من عند الله الخالق العليم الخبير، وأنّ هؤلاء الذين يزعمون وجود تعارض بين حقائق الدين وحقائق العلم، هم جهلة بالدّين وبالعلم، لأنّ العلم الصحيح لا يمكن أن يعارض الدّين الصحيح، ولا يمكن لحقيقة علمية أن تعارض حقيقة دينية. يقول الحقّ سبحانه: ((أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا))..

يقول عالم الفيزياء الأمريكي الحائز على نوبل “روبرت ميليكان” (ت: 1953م): “إن الذين يعلمون قليلًا عن العلم، والذين يعلمون قليلًا عن الدين يختصمون بالفعل، ويتخيل المشاهد وجود صراع بين العلم والدين في حين أن الصراع حقيقةً هو بين نوعين مختلفين من الجهالة”.. وقبله قال الطبيب والعالم الفرنسي المشهور “لويس باستور” (ت: 1895م): “الإيمان لا يمنع أيّ ارتقاء كان، ولو كنتُ علمت أكثر مما أعلم اليوم، لكان إيماني بالله أشد وأعمق مما هو عليه الآن”، ثم عقَّب هذا بقوله: “إن العلم الصحيح لا يمكن أن يكون ماديًّا، ولكنه على خلاف ذلك يؤدى إلى زيادة العلم بالله؛ لأنه يدل بواسطة تحليل الكون على مهارة وتبصُّر وكمال عقل الحكمة التي خلقت الناموس، المدبّرة للوجود، كمالًا لا حدَّ له”.

على إخواننا الشّباب أن يتّقوا الله في دينهم ولا يجعلوه عرضة للمساومات، وألا يغامروا بأعزّ ما يملكون، دين الله محكم متين ولا يمكن أن تهزّ الشّبهات شريعة من شرائعه أو شعيرة من شعائره، لكنّ من أراد أن يدافع ويجادل عنه ينبغي أن يكون له حد أدنى من العلم، ولا يدخل بحرا لا يحسن السباحة فيه.. ذات الشّبهة قد ينظر إليها المتعلم الباحث على أنّها تافهة ومضحكة، لكنّ غير المطّلع قد يراها قوية ومعجزة.

الباحث المطّلع، يعرف جيّدا المغالطات التي تقوم عليها الشبهات والأساليب التي يعتمدها من يبثّونها، ويعلم جيّدا أنّ أكثر الشبهات التي تثار في زماننا هذا هي نفس الشبهات التي أبطلها العلماء قديماً، وبيّنوا عوارها وباطلها.

من أراد من شبابنا أن يخوض المعركة ضدّ الإلحاد والعلمانية فينبغي له أن يتحصّن بإيمان راسخ يقوم على التصديق الجازم وعلى الاستدلال العلميّ القائم على أصوله، وأن يحرص على أن يكون إيمانه يقينياً بالعلم والبحث وسعة الاطّلاع، وليس بالعاطفة وحدها، وإذا أشكلت عليه مسألة من المسائل، فإنّه يحتمي بإيمانه الجازم، قبل أن يبحث ويسأل بحثا عن الجواب الشافي بإذن الله.. كما ينبغي لشبابنا أن يوثّقوا صلتهم بالله الواحد الأحد، ويكثروا من الأعمال الصّالحة خاصّة أعمال الخلوة، فهذه من أهم الأسباب المعينة على الثبات أمام الشبهات والفتن.. كما يحسن بكثير من شبابنا الذين يحملون مستويات متواضعة ولم يؤتوا حظا مقبولا من معرفة اللغة وحقائق الدّين والرد على الشبهات، ألا يغامروا بدينهم ويدخلوا المواقع التي تثار فيها الشّبهات، وكما أنّ الصّحيح المعافى يبتعد عن الأماكن التي ينتشر فيها الوباء، فكذلك ينبغي لمن لم يُؤت حظا من العلم ألا يدخل ميادين الشّبهات والجدال. الشّبهات ليست قوية ولكنّ الجهل بها هو ما يعظّمها، ومن كان يملك مناعة ضعيفة فالواجب عليه ألا يغامر بصحته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!