-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في صحبة موسى والخضر (25)

لا يملك النّفع والضرّ إلاّ الله

أبو جرة سلطاني
  • 481
  • 4
لا يملك النّفع والضرّ إلاّ الله

الحياة تكاليف ومسؤوليّات وسعي وكدّ وكدح وأخذ بالأسباب المتاحة والمباحة، لإعمار الأرض وسياسة الدّنيا بالدّين، وليست كشْفا وهيولات وأقانيم وفصوصا وتجليّات وفناءً في الغيب وذوبانا في نور النّور.. كما تقول بعض الصّوفيّة. والله -جل جلاله- لم يرسل من رسله أحدًا إلاّ بمنهج الشّريعة الواضحة الغرّاء المتناسبة مع كلّ أمّة لتعديل ميزان السّلوك الاجتماعي وضبط حركة النّاس في الوجود وتنظيم علاقاتهم بربّهم وبأنفسهم وبالكون الفسيح من حولهم. وهذه هي القواعد المضطردة التي جاءت رسل الله جميعا وإرسائها بما أيّدهم به من كتب ومعجزات وموازين وشوكة: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط)) (الحديد: 25). هذا ديْدنُ موسى –عليه السّلام- في التّعامل مع من أرسله الله إليهم من عامّة الخلق على كافّة المستويات المحكومة ببشريّة الإنسان وطموحاته وتطلّعاته وأحاسيسه ومشاعره وعواطفه وحاجاته الخاضعة لمشيئة الله في حركة الأسباب وتفاعلها مع الأقدار الجارية بأمره.

أما ما يودِعه من عجائب قدرته في بعض خلقه، فجُمَل معترضة في حركة الحياة العامّة، تجمّل النصّ وتضيف إلى كماله رونقَ الإعراب خارج السّياق، كما يقول النّحاة. فحركة الحياة محكومة بالأسباب، والناس فيها عاملون بما تعوّدوه من جريان الأمور كما شاءها الله، فإذا خرق الله أسبابه بقدرته فلحكمة أرادها غايتها تقرير أنّ هذا الكون ليس رهين “حتميّات الطّبيعة” وإنما هو تسخير الكبير المتعال الذي خلق الكون موزونا، وسخّر حركته بأسباب، ولم يجعل لأحد خارقة. وحتّى الذين أكرمهم بخاصّة منه لم يكلّفهم بتعليمها الناس ولم يتعبّدنا بها؛ فالقدوة في الالتزام بالشّرعة والمنهاج واتّباع المرسلين وليست في جريان الخوارق. وما يتحدّث به بعض أصحاب “الفيوضات” يلزمهم ولا يلزم غيرهم؛ فمن عرف التزم ومن عجز تسعه تقوى الله في حدود الوُسع والطّاقة. فصلاح الصّالحين لأنفسهم أما إصلاح المصلحين فيعمّ خيرُه الناس، ومن حباه الله ـ”كرامة” وجب عليه إخفاؤها لتكون له خبيئة عند ربّه، ومن كان عنده شيء من العلم اللّدنيّ فليس مكلّفا بنقله إلى غيره علما وإنما هو مأمور بتجسيده في نفسه أخلاقًا كونه هبةً اصطفاء وليس عطاء تورَيث.

أسوة المؤمنين رسلُهم وأنبياؤهم ومن صلح وثبت من علمائهم ومن تحرّكوا فيهم بمنهاج وشرْعة حتّى قضوا، ومن أرسوا في المجتمع قيمَ تعانق الدنيا والآخرة في مزْرعة الإيمان والعمل الصّالح من مقامات الإحسان. أما أهل “الفتوحات الربّانيّة” والكشْف الرّحماني والفيض الإيماني وفصوص الحكَم؛ فلا يُطلب اتّخاذهم مُثلا وأسوة إلاّ من باب الاستئناس بجمال ما يقولون من مواعظ وجميل ما يصنعون من فضائل وصبر ما يكابده البعض منهم من تحمّل ومشقّة على طريق السّالكين لتخلية القلب عن غير الله وتحليته بذكره، فحقيقة الزّهد في الدّنيا أنّه أحوال وليس أقوالا؛ بالإعراض عن مظاهر التّذلّل لما سوى الله التماسًا لجاه حائل أو مال زائل. أما ما عدا هذا المقام المشهود – الذي يُدرك بالمجاهدة-ـ فالدّين كامل والنّعمة تامّة.

فالخضر -رضي الله عنه- لا يملك من أمر الله شيئا؛ فهو عبد من عباده، ومثله الحارث المحاسبي والجنيْد وأبو طالب المكّي والبسْطامي والشّبْلي وحاتم الأصمّ وإبراهيم بن أدهم وبشْر الحافي وأيّوب السّختيّاني وذو النّون… ولا حتى أويْس القرْني والخضر؛ لا أحد يملك إضافة لهذا الدّين أوْ نفعا بما لم يكتبه الله له أوْ يضرّه بما لم يكتبه الله عليه، فالله -جل جلاله- كتب كلّ شيء في اللّوح ورُفعت بأمره الأقلام وجفّت بقدرته الصّحف. فلو كان مخلوقٌ قادرا على نفْع أحد أو إنزال ضرًّ به لكان رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- لشدّة قربه من ربّه -جل جلاله-، ولكنّ الله أمره أن يعلن في النّاس أنه عبدُ الله ورسوله لا يملك نفعا ولا ضرّا: ((قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون)) (الأعراف: 188)، فلا نافع ولا ضارّ إلاّ الله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • عمار بن ياسر

    يا سي ابو جرة اخوانك من عرب واعراب وعربان الخليج ومصر حكاما وشعوبا وعلماء الديين السلفيون الوهابيون يعتقدون ويؤمنون ايمانا قاطعا بان امريكا الصلبيبة ونتنياهو هما الضار والنافع في الدنيا والاخرة !!!!؟؟؟؟

  • الفاروق

    الخضر عليه السلام نبي والدليل انه قال(ما فعلته عن أمري) عن امر من؟ عن أمر الله وأمر الله وحي...هذا مزلق ضلال الصوفية في تقديس الاشخاص ورفعهم الى مراتب الآلهة

  • سعيد

    أعتقد أن الله سبحانه وتعالى لايضر أحد من الخلق بل ينفع فقط وانما الخلق(البشر)هو من يضر نفسه (ولا يظلم ربك أحدا)بل لا يستقيم الأمر بأن من أسماء الله الحسنى-الضار-كما هو معروف مع أنه حسب علمي لم يحدث ابدا أن إتخذ أحد أو سمى إبنا له ب:عبد الضار.إنتهى وعيدالجميع مبارك سعيد

  • لزهر

    الجُهد العضلي جهاد و صبر و مقاومة. و الصبر حسن العاقبة و طاقة متجددة تجعلك تتغلب على الفقر و المصائب بإذن الله و أستعينوا بالصبر و الصبر مفتاح الفرج و لا تفقد الأمل و أمضى في التفاؤل تستطيع قلب الموازين رأساً على عقب و لا تتأخر حين يجب التقدم و لا تتقدم حين يجب التأخر و يقولون عينكَ هي ميزانكَ في تدبير الأمور.