-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“لعنة” الخبز!

“لعنة” الخبز!

تربّى الجزائري قديما، على التقاط قطعة الخبز، إذا وجدها مرمية على  الأرض وتقبيلها ووضعها على جبينه، ثم وضعها في مكان بعيد عن الأعين والأيدي، إيمانا منه بأن الخبز هو جزءٌ من الحياة وعرق جبين الفلاحين الذين يحرقون أيام العمر بشتائها وصيفها في حرث الأرض وبذرها وحصدها، والأرقام التي قدَّمتها وزارة التجارة عن كمية تبذير هذه المادة التي هي في الحقيقة من هِبة البترول، بعد أن صار القمح يُستورد من الخارج، ليست جديدة ولا مفاجِئة ولا صادمة، فمنظر الخبز المبذَّر في الشارع هو نتاج العمر المبذَّر في الشارع أيضا.

وإذا كانت وزارة التجارة قد قدمت رقم 535 طن من الخبز المرمى في القمامة خلال الثلث الأول من شهر رمضان، من دون أن توضح لنا كيفية احتساب هذه الكمية، فإن تكرار نفس الأسطوانة في بياناتها بالحديث عن حملة وطنية للقضاء على ظاهرة تبذير الخبز هو في حد ذاته تبذير للحبر والجهد والوقت، فمن غير المعقول أن تستورد الجزائر سنويا من القمح الليِّن ما يقارب الملياري دولار، من أجل صناعة الخبز، لتتحول هذه الكمية إلى أكياس القمامة، من دون أن نرى أكثر من بيانات التنبيه والإحصاءات والأرقام التصاعدية التي تدلُّ على أن الخبز لم تعد له تلك القيمة المعنوية لدى الجزائريين.

رميُ الخبز في القمامة ليس دليلا على الثراء أو الشبع، فلم نسمع عن بلدان ثرية ترمي الخبز في القمامة، بل إن عمال النظافة أكدوا بأن الكمية التي تُرمى من الخبز غالبيتها في الأحياء الفقيرة وأمام البيوت القصديرية، مما يدل على أن المشكلة هي في الإنسان سواء كان في القمة، حيث لا مشاريع أمة حقيقية، تبعدنا عن ممارسة الاستيراد كلما عجزت وزارة الزراعة ونام الفلاح الجزائري وجفت الحقول، أو في القاعدة، حيث لا يمارس المواطن الاقتصاد الحقيقي مع نفسه وفي عائلته فيدرك بدقة ما تحتاجه من خبز ومن غيره من مواد غذائية.

حكاية التبذير في الجزائر بدأت مع تبذير الوقت في مشاريع فاشلة كان أهمها الثورة الزراعية وما تلاها من إصلاحات لا طائل منها، حولت الجزائر إلى أكبر مستورد للخبز في العالم، بعد أن كان من أسباب احتلالها من فرنسا وتمكنها من الاكتفاء الذاتي في غذائها وخاصة قمحها الذي كان يُصدَّر إلى جنوب القارة العجوز، وتواصل تبذير الوقت في التعليق على هذا البؤس الاقتصادي والأخلاقي الذي تتجلى صوره الكاريكاتورية في حاويات القمح القادمة من كندا وروسيا وفرنسا، ثم تتحول إلى القمامة في مشهدٍ متناقض لا يقبل أي تحليل أو تعليق، وإنما ثورة حقيقية تعيدنا إلى السكة التي افتقدناها منذ عقود.

لا نريد للجزائري أن يعود إلى التقاط الخبز من الأرض لتقبيله ووضعه على جبينه في قصة حب لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما إدراك الوهن والبؤس الذي يجعلنا نعيش في واحدة من أكبر بلاد المعمورة وأثراها بمياهها الجوفية والسطحية، ومع ذلك نستورد خبزنا، بل كل غذائنا من بلدان تصغرنا مساحة وثراء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • نحن هنا

    انت في الجزائر الجديدةبعقلية قديمة الخيز المرمى غير صالح حتى لعلف الحيوانات يارجل راقبوا المخابز اولا