-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

للأشواق لغتها

سلطان بركاني
  • 779
  • 0
للأشواق لغتها

يظنّ بعض الشباب المتدين، أنّ حقوق الحبيب المصطفى عليه الصّلاة والسّلام، تتوقّف عند المحبّة والطاعة والاتّباع والنّصرة، وحتّى النّصرة كثيرا ما تُقصر على اتّباع السنّة؛ فإذا ما جرى الحديث عن هذا الحقّ، خاصّة مع كلّ إساءة توجّه إلى خير خلق الله، تسمع من يجزم بملء فيه أنّ نصرة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- تكون بطاعته واتباع سنّته، وأنّ ما يفعله المسلمون من إظهار الغضب والتداعي إلى مقاطعة منتجات الدول المسيئة، هي أفعال لا علاقة لها بالنّصرة!
إخواننا هؤلاء لا يريدون أن يفهموا أنّ النّصرة حقّ آخر غير حقّ المحبّة وحقّ الطّاعة والاتّباع، فهي تعني أن يقدّم المسلم أقصى ما يمكنه تقديمه دفاعا عن شفيعه صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأنّ هذا الذي يقدّمه يختلف باختلاف الزّمان والمكان، وتحكمه أحكام الشرع وآدابه، والموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فالنّصرة في حياة النبي -عليه الصّلاة والسّلام- تختلف عنها بعد وفاته، وتختلف وسائلها باختلاف حال الأمّة قوة وضعفا، وحال المسلم وقدرته.

قبل هذا وبعده، فحقوق المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، لا تتوقّف عند المحبّة القلبية والطّاعة والاتّباع والنّصرة، فهناك حقّ آخر، تابع للمحبّة ومتمخّض عنها، هو حقّ شوق القلب إلى لقاء الحبيب ورؤيته؛ هذا الحقّ الذي انقسم فيه المسلمون إلى طرفين ووسط؛ فطرف مالوا إلى الغلوّ في هذا الباب مع إهمال واضح لحقّ النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- في الطّاعة والاتّباع؛ تجد الواحد منهم مهتما بتتبع آثار المصطفى مجادلا في مسائل التبرّك، لكنّه لا همّة له في معرفة سنن النبيّ العملية في العبادات والأخلاق.. وطرف آخر في مقابل هؤلاء يهتمّون بسنن العبادات وما يتعلّق بالمظهر والسّمت من الشّمائل، لكنّهم يشنّعون بشدّة على من كلّ من يبثّ أشواقه ويعبّر عن حبّه وشوقه للحبيب وعن تمنّيه الوقوف أمام حجرته الشّريفة ليكون بجسده أقرب ما يكون من الجسد الشّريف وتطأ قدماه تلك البقاع الطّاهرة التي وطئتها أشرف وأطهر قدمين.

شابنا المنتمون إلى هذا الطّرف الأخير، يتعاملون مع الحبيب المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- كأنّه ساعي بريد بلغ رسالةً ورحل! وواجب الأمّة هو النّظر في الرّسالة دون الاهتمام بالمرسَل! وهذا مسلك مخالف للفطرة التي فطر الله عليها قلوب عباده المسلمين الذين تخفق قلوبهم بمحبّة الحبيب والشّوق إلى لقائه، وما من أحد منهم إلا وهو يتمنّى لو تتشرف شفتاه بتقبيل يد الحبيب وقدمه وتكتحل عيناه برؤيته في المنام؛ فهذه الأشواق من أعمال القلوب التي لا تترجم بالطاعة والاتّباع فقط، إنّما بأقوال وأعمال وأحوال، حلالها حلال وحرامها حرام، وهذا ما فهمه الصّحابة رضي الله عنهم، حينما جمعوا بين اتّباع حبيبهم وطاعته، وبين إجلالهم وتعظيمهم له بأقوال وأحوال ومواقف سطرها التاريخ على صفحاته بأحرف من دموع، ومن ذلك ما رواه البخاري عن عروة بن مسعود في نقله لِما كان من أمر الصّحابة في مفاوضات صلح الحديبية، حيث قال: “فوالله ما تنخم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له”، وقبله في غزوة أحد سطرت إحدى نساء الأنصار موقفا سجّلته كتب السّيرة على صفحاتها بأحرف من ذهب، حينما استقبلت جثامين ابنها وأبيها وزوجها وأخيها وقيل لها: استشهدوا، فما كان منها إلا أن سألت في لهفة: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان قد أشيع أنه قُتل؟ قالوا: خيراً، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأُشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: “كل مصيبة بعدك جلل”، أي: هينة.

وقبل ذلك، في غزوة بدر حينما كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يعدل صفوف أصحابه وفي يده قدح، فمر بسواد بن غزية وهو مستنتل من الصف، فطعن رسول الله في بطنه بالقدح وقال: “استوِ يا سواد بن غزية”. قال: يا رسول الله، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق، فأقدني. فكشف رسول الله عن بطنه، ثم قال: “استقد”. فاعتنق غزية النبيّ وقبَّل بطنه. فقال: “ما حملك على هذا يا سواد؟”، قال: يا رسول الله، حضر ما ترى فلم آمن القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسَّ جلدي جلدك.. فدعا له رسول الله بخير، وقال له خيرًا.

وهكذا كان العلماء والأعلام، يبثّون أشواقهم ويسبلون دمعاتهم إذا ذكر الحبيب، فهذا مثلا الإمام الحسن البصري -رحمه الله- كان إذا حدّث بحديث الجذع بكى وقال: “يا معشر المسلمين، الخشبة تحنّ إِلى رسول اللَّه -صلى الله عليه وآله وسلم شوقًا إلى لقائه، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه”.. وهذا الإمام أيوب السختياني كان إذا ذُكر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بكى حتى يرحمه جلساؤه، ومحمد بن المنكدر سيد القراء، لا يكاد يُسأل عن حديث من أحاديث النبيّ حتى يبكي.. أمّا إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فكان يرفض الركوب على دابة في المدينة تعظيما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتلميذه عبد الرحمن بن القاسم العتقي يُذكر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فيُنظَر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيد آل البيت الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر -عليهما الرضوان- كان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذُكر عنده النبي صلى الله عليه وآله وسلم اصفرَّ لونه.

وعلى هذا النّهج كان كثير من العبّاد والصّالحين، يذرفون الدّموع شوقا إلى حبيبهم، وتتملّكهم الرّهبة إذا وقفوا في مواجهة القبر الشّريف؛ يودّ أحدهم لو قدّم أهله وماله ليرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.. ولعلّ في أمثالهم قال الحبيب غليه الصّلاة والسّلام: “مِن أشد أمتي لي حبا، ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله” (مسلم).

هذه المشاعر والأحاسيس والأشواق، لا توزن بميزانٍ ولا يطلب لها دليل، ولا يلام صاحبها ولا يعاتب فيها، ما دامت لم تخالف الشّرع، وهي شيء يقذف الله منه في قلوب المسلمين ما شاء، ويرحم بها من شاء، ففي الصّحيحين عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رجلا قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: “ويلك! وما أعددت لها؟”، قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله، قال: “أنت مع من أحببت”، قال أنس: “فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بها”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!