-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

للحق ثمن

للحق ثمن

يتساءل الكثير اليوم عن جدّية وعدالة الإحتكام إلى القواعد القانونية النّاظمة للعلاقات الدولية والهادفة لإرساء مبادئ الحق والعدل والمساواة والسّيادة.
والتساؤل الذي يطرح نفسه: أيّ عدالة في هذه القواعد عندما تُصوِّتُ أغلبية الدّول في المنتظم الأممي وأجهزة عدالته على ضرورة إيقاف المجزرة في غزّة ثم تتصدّى دولة واحدة للجميع بالرّفض فتستمر الإبادة تحت سمع الجميع وبصرهم؟
وأيّ عدالة أو مساواة عندما تُعتَبر الدّول المساعِدة للمقاومة في فلسطين شريكة في العمل الإرهابي مثلا في حين لا يجرؤ أحد على اعتبار الغرب عموما وأمريكا خصوصا شريكا فاعلا وأصيلا في مجزرة الإبادة في غزّة وهي تُغذّي الكيان الصهيوني بأطنان القنابل المدمِّرة ثم تحميها على المستوى الدبلوماسي والسياسي والقضائي من العقاب.
يبدو أنّ صحوة الضّمير عند الجماهير في مختلف أصقاع الأرض قد تجاوزت ازدواجية المعايير المُمارَسة اليوم في التّعامل الدّولي. ومُلِئت شوارع لندن وواشنطن ونيويورك وباريس ومدريد وروما وبون وغيرها بالجماهير المُندِّدة بسياسات حكوماتها الحامية لحيوانية الصّهاينة بل والمُغذية لها بالمال والسّلاح والتّدليس الإعلامي والتبرير الدبلوماسي.
أنا هنا لا أحبّ أن أتعرّض لبعض من ينتسبون إلى العالم العربي والإسلامي والذين اختاروا بيع شَرفِهم فطبَّعوا مع المجرمين من آل صهيون، فهؤلاء يصدق فيهم قول المقاوم التاريخي شي غيفارا: “إذا استطعت أن تُقنِع الذّبابة بأنّ الزّهور أفضل من القمامة، حينها تستطيع أن تُقنع الخونة أنّ الوطن أغلى من المال”. وهؤلاء لا يمكن أن ينقلبوا نحلا يوما ما.
و ليعلموا أنّ الحياة مواقف وتجارب، فيها شهْدُ النّحل وسموم العقارب، وفيها شهامة الغريب وخذلان القريب.
لقد حان الوقت إلى صقل الأذهان مرّة واحدة وللأبد بمقولة ابن خلدون: “لو خيّروني بين زوال الطُّغاة وزوال العبيد لاخترتُ من دون تردُّد زوال العبيد، لأنّ العبيد يصنعون الطّغاة”.
ولم يذبحنا عدوُّنا إلّا باستعباد طُغاتنا لنا. كما أنّ طغاة الدّول في المجتمع الدولي يمارسون كل منكراتهم بكيانات تحمل لقب الدول ولكنها تمثل طائفة العبيد في الأسرة الدّولية.
إنّك تؤمن يقينا أنّ مثل هؤلاء العبيد هم السبب المباشر في نكباتنا المتكررة وهزائمنا المتلاحقة، وهل هناك عبودية وإذلال أكبر من تصريح مسؤول في السُّلطة الفلسطينية عندما يقول “إنّ إسرائيل وُجِدت لتبقى”؟!
أنا جزائريٌّ فخور بانتسابي إلى وطني لأنّ جينات مقاومة الظّلم ترسّخت فينا وأصبحت معتقَدا مقرونا بوجودنا إلى الحدّ الذي يصدق فيه قول الشاعر:
لا تسقني ماء الحياة بذِلّةٍ بل فاسقني بالعِزِّ كأس الحنظل
ماء الحياة بذِلّةٍ كجهنّم وجهنّم بالعِزِّ أفضل منزل
إنّ البقاء على هذا الثبات، والعمل على ترسيخه والاستمرار فيه يتطّلب منّا أن نبني مجتمعنا على المستويين الأفقي والعمودي على قواعد العمل الجاد المُنتِج والمُتقَن، وعلى تكريس مبادئ الحق والعدل في القول والفعل لتكريس استقلالنا، وتوفير وسائل عيشنا بكرامة، والدّفاع على وجودنا باقتدار. ولا يتأتّى ذلك إلّا بنبذ كل صور التّزلّف المصلحي والتّهريج السّياسي المُقرف، وحماية الانتماء الوطني من سوق المُزايدات السّياسوية، لنُنتِج غذاءنا ودواءنا وسلاحنا وفاءً لأولئك الذين فضّلوا الموت بعِزّة على العيش الرّخيص تحت مظلّة الإذلال المصلحي والطّغيان السّلطوي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!