-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

للخروج من النفق!!

التهامي مجوري
  • 1004
  • 2
للخروج من النفق!!

علق الأخ العزيز الأستاذ أجمد بلوذنين، على مقالي حول المنهج والوعي لدى شباب الصحوة من خلال كتاب السنة للشيخ الغزالي، بأن الوضع الآن أعقد من مشكلات الصحوة، لكون المسألة وجودية وليست خاصة بفصيل واحد، ومن ثم تمنى الأستاذ لو أنني طرحت وصفات للخروج من المأزق.

ورغم أن الموضوع الذي نشرته وقرأه الأستاذ أحمد، محدود ومنحصر في مسألة منهجيىة خاصة بفصيل في مرحلة تاريخية لا تزال تعاني منها الأمة إلى اليوم، ومع ذلك وجدتني متفاعلا مع الموضوع، لغايتين:

أولاهما: أن همنا اليومي الذي نبحث فيه جميعا في كتاباتنا وقراءاتنا ونقاشاتنا يدندن دائما حول الخروج من هذا المأزق الذي تعاني منه الأمة منذ قرون، وهو المأزق الإجتماعي، الثقافي، السياسي، الذي جر علينا مئات الويلات “الفرعية” التي كنا ولا زلنا نظن أنها هي الأصل والفرع والمركز والأطراف، في حين أن المشكلة عادة لها أصل واحد والباقي فروع وأعراض له، بحيث لا يمكن الخروج من المأزق ما لم نصل إلى هذا الأصل؛ لأن مناقشة الأعراض لا تأتي بالحل مهما كانت قدراتنا العلمية والفكرية والعملية أيضا، ما لم تناقش في إطار أصل كلي، وكيفية التغلب عليه.

والثانية: هي المأزق الإنساني الذي تعاني منه كل البشرية، حيث أن المنظومة الفكرية التي تقود العالم اليوم هي في مأزق حقيقي على المستوى الفكري، بحيث أن الكثير من عقلاء العالم الغربي يحذرون من كارثة إنسانية إذا استمرت الأمور على هذا النحو الذي نحن عليه، وسواء في ذلك الذين تكلموا عن كوارث ما بعد الحداثة، أو الذين أعلنوا عن إخفاقات الفكر الذي يقود العالم اليوم منذ أكثر من قرن، ولكن بحكم أن الحيز المخصص لهذا المقال لا يتسع لكل ذلك، أخصص حديثي هنا لمشكلتنا نحن، أي مشكلة الأمة الإسلامية، وهي التي ذكرنا طرفا منها في المقال المذكور.

إن بداية الخروج من المأزق في تقديري تبدأ من أصل لا نزال نغفل عنه وهو الوعي، الذي يتكلم عنه كل الناس، ولكن القليل منهم من يدرك معناه، فضلا عن إعماله في الواقع والاستفادة منه… ألا ترى المثقفين يتكلمون عن الوعي؟ والسياسيون يذكرونه ويتكلمون عنه كأصل يجب الاهتمام به؟ وكذلك الأئمة والإعلاميون وغيرهم وغيرهم… كلهم يتكلمون عن الوعي؟ بعضهم يتكلم عن العلم على أساس أنه هو الوعي، وبعضهم الآخر يتكلم عن الوعي وهو يقصد الفكر، وبقضهم يقصد الأخلاق وهو يتكلم عن الوعي…إلخ، فما هو هذا الوعي الذي يتكلمون عنه؟

وقبل تعريفي للوعي أريد أن أطرح قضية لمستها في مجتمعاتنا الإسلامية وأنا أستقرئ واقع مستويات الوعي فينا، فلمست حقيقة، وأريد اختبارها من خلالكم، ولكم الحكم.

عندما أتكلم في الشأن العام مع الناس، ألاحظ أن الجميع يناقش الموضوع بلغة واحدة وبمستوى واحد، العامي والمتعلم والجامعي والشاب والشيخ، الجميع يعبر عن مكنوناته بلعن النظام السياسي، وبسب الطبقة السياسية، وبالحديث عن اختلالات السوق، غلاء البطاطا والزرودية…إلخ.

هل هذا طبيعي؟

لا شك أنهم يتوصلون إلى نتائج واحدة، إذا احترمت المبررات الموضوعية في البحث عن الحقيقة، ولكن الطرق لا بد أن تكون مختلفة؛ لأن طبيعة العامي ليست كاالمتعلم وطبيعة المتعلم ليست كالعالم وطبيعة الشاب ليست كالكهل والشيخ…إلخ؛ لأن لكل واحد من هؤلاء لغته التي يفهم بها ويفهِّم الناس بها.

وعندما تكون نفس اللغة والأسلوب عند الجميع، فمعنى ذلك أنهم الكل سواء، في التدني وفي العلو، وذلك يعبر عن خلل، وهذا الخلل في تقديري هو بسبب غياب الوعي، أو غياب طرف من أطرافه؛ لأن الوعي واحد لدى الجميع وإن اختلف في مستواه من شخص لآخر أو من مجموعة لأخرى؛ مثل المعرفة تماما هي للجميع، مع الاختلاف في مستويات التعبير عنها.

نعود إلى موضوع الوعي الذي نرى أن غيابه هو جوهر المأساة التي نعيش فيها.

الوعي: هو “إدراك الشيء والشعور بالمسؤولية تجاهه انطلاقا من المكانة والدور”.

إن الإنسان بطبيعته التي خلقه الله عليها، له مكانة، فهو زوج وزوجة وأب وأبن وعامل ومدير ومعلم وأستاذ وتاجر ومسؤول، ومكانته هذه هي موقعه في السلم التراتبي الإجتماعي، ووجود هذه المكانات يترتب عنها الكثير من المسؤوليات المتبادلة –حقوق وواجبات- ولكن واقعنا لا يشعرنا بالمسؤولية كاملة في ذلك، وإنما يشعرنا بما لنا من حقوق لدى الآخرين، وليس بحقوق الغير التي علينا، فالوالد لا يشعر بأن عليه واجبات تجاه أبنائه بالقدر الكافي، بقدر ما يشعر بأن عليهم واجب طاعته واحترامه وتبجيله، والمعلم والمسؤول والمدير…، كلهم لا يشعرون بواجباتهم تجاه غيرهم بقدر ما يشعرون بما على غيرهم من واجبات لهم؛ بينما المكانة تقتضي أن يكون للإنسان دور منوط به، والدور يتطلب جملة من الإلتزامات تفرضها المكانة –حقوق وواجبات-، وكل إخلال بهذه الالتزامات يخل بالضرورة بالمكانة، بمعنى أن الدور الذي ينبغي على الفرد القيام به، يكون وفق المكانة التي يكون عليها في المجتمع، وإلا وقع الخلل الذي تنبني عليه آلاف المشكلات التي تظهر منفصلة عن بعضها البعض مثل ذرات الرمال في الرياح العاتية.

أما الإدراك فيعبر عن عموم المعرفة التي ينبغي أن ينطلق منها المرء في أي موقع وفي أي دور يقوم يه، وفي ذلك مستويات، فكل مكانة تحتاج إلى مستوى من المعرفة تؤهله لأن يحيط بالشيء الذي بين يديه ويريد ومعالجته.

على أن الإنسان بفطرته يمتلك مفاتيح المعرفة بالطبيعة التي خلق عليها، ومن ثم فإن مقادير المعرفة التي يحتاج إليها ويقتضيها الوعي، فيدرك بها الواقع وفق المكانة التي هو فيها والدور الذي يجب أن يقوم به، ساكنة فيه سواء بالتوارث الاجتماعية والأعراف الجارية، أو بالعادات المحدثة أو بالتعليم والتثقيف الذي تقوم به المؤسسات…إلخ، لا أن يتحجج بالجهل وعدم المعرفة وخروقات الآخرين؛ لأن المطلوب في تحديد المسؤوليات في المجتمعات، الجميهع مسؤول على كل ما يقع في المجتمع والشعور بذلك، وذلك حاصل بمستويات متفاوتة ومختلفة.

ويضاف إلى المستوى من المعرفة لا بد من شعور بالمسؤولية تجاه الموضوع المراد معلاجته، فالوالد لا بد من أن يشعر بأن واجبه رعاية أسرته أبناء وزوجة ووالدين…إلخ، والمعلم يشعر بأنه مسؤول على تعليم الطلبة وإعطائهم ما يستحقون في كل مرحلة، وكذلك العامل والمدير والمسؤول في أي موقع كان.

تلك هي المسألة، وذلك هو الوعي بأبسط معانيه وأدقها في تقديري، وكل تجاوز لذلك يؤدي حتما إلى الإخفاق والبقاء في النفق، ولو استقرأنا واقعنا الحركي في مجتمعاتنا لوجدنا أن التضحيات التي تقدم في عالمنا الإسلامي كبيرة جدا ولكنها لم تحقق المطلوب؛ بل إن الأمة حققت خلال قرنين من الزمان الكثير من التضحيات والبطولات النادرة، ولكنها لم تحقق أدوارا تاريخية بقدر التضحيات المبذولة [من محاضرة: حركة الإصلاح بين الدور البطولي والدور التاريخي]، أو على الأقل لم تحققه بالصورة الطلوبة؛ لأنه يفتقد إلى شرط من شروط النجاح أو الفوز أو تقرير الحقيقة، إما أننا ندرك الواقع ومخاطره ولكننا لا نشعر بالمسؤولية تجاه ما يقع من مآسي…، أو أننا نشعر بالمسؤولية ولكننا لا ندرك مفاصل القضايا لتعقدها أو لضعف إمكاناتنا أو جهلنا أو لخلل لا نعرفه، أو أننا لا نحس بالمكانات التي نحن عليها فلا نشعر بأن علينا واجبات وأدوار يجب القيام بها، أو أننا نقوم بأفعال إخلاصا لمبادئنا، ولكن على غير هدى من الله وبتقصير في العلم والصدق في طلب الصواب.

لا شك أن الإرادة قائمة والقدرة يوجد منها الكثير، ولكن غياب المنهجية في حركاتنا لا يؤهلنا للتمكن من الخروج من المأزق، ولو كنا نحنّ لذلك ونتمناه، والآماني لا تصنع الحقائق. وما أجمل التعبير القرآني في وصف هذه الحال التي نحن عليها بكل أسف (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) [التوبة 46]، هذه سنة كونية ليست خاصة بفصيل معين وإنما هي للمجتمع الإنساني قاطبة الذي يريد الخروج من المأزق المظلم عليه أن يعد العدة الكاملة لذلك، وإذا ما قصر لسبب من الأسباب، لضعف أو لجهل وللامابالاة أو لتهاون، لا يمكن أن يحقق المطلوب وذلك هو معنى كراهية الله لانبعاثهم.

ألا تلاحظون معي أن في بلادنا تيارات فكرية وسياسية، مدارها على ثلاثة توجهات كما هو معلوم، توجه إسلامي، وتوجه علماني، وتوجه وطني، هذا هو التقسيم الدارج بين الناس…، هل من المعقول أن تنقسم هذه التيارات الثلاثة إلى مائة حزب سياسي؟

وهذا التقسيم ليس ثقافيا أو فكريا، وإنما هو سياسي، فالولايات المتحدة الأمريكية لها حزبان رئيسيان، أحدهما في السلطة وآخر في المعارضة!!.

ونزول عند الواقع يمكن أن نسلم بشرعية وجود هذه التيارات الثلاثة، التي من المفروض أن لها تصورات لثلاثة مشاريع سياسية، وما زاد عن ذلك لا يعتبر، إلا كما يعتبر الحشو في كلام الناس، أما عندما نجد لكل تيار مجموعة من المشاريع الحزبية، فمعنى ذلك أن هناك خلل، سواء أن واحدا من كل تيار هو الصحيح، والباقي مشاريع زائفة، أو أن جميع الناشطين مبرمجين على موجة واحدة مثلما يبرمج الممثل عندما يصعد خشبة المسرح.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • مواطن

    نحن أصلا لسنا داخل النفق وإنما في التيه لانه لوكنا في النفق معناه اننا نعرف أن النفق له نهاية وفتحة الخروج منه كالخروج من الليل إلى النهار.

  • خالد

    « الوعي » كان فيما مضى أهم صفة من صفات النخبة و لكنه تحرر منها بعدما تكلست بمرور الوقت و الآن يعيش متنقلا بين عامة الناس لعل و عسى !