-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

للشجرة ربٌّ يحميها

للشجرة ربٌّ يحميها

إلى غاية الساعة، لا يوجد كلامٌ جاد، قابلٌ للفعل الصارم، في قضية إعادة الحياة لغاباتنا المحروقة، فبعد أن طال الخرابُ أزيد من 100 ألف هكتار من رئة البلاد في عام الحزن الأخضر، صرنا في حاجة إلى جراحةٍ دقيقة وعميقة ومرحلة نقاهة وإعادة تأهيل، وفي كل الأحوال إلى ثورة خضراء تعيد بالقوة لغاباتنا لونَها الذي تحوّل إلى رماد وسواد. وليس للجزائر من حلّ سوى الأخذ من تجارب بعض البلاد التي حوّلت أراضيها التي أبادتها النيران إلى جنات خضراء، أو التعاون والتنسيق مع البلاد المتوسطية مثل تركيا وإسبانيا وإيطاليا التي اكتوت بالنيران في هذا الصيف الحار جدا في سبيل عمل متقن نجني فيه ثمارَ جهد الغرس، بظلالٍ وارفة.

لا يمكننا سوى أن نحترم بلاد الحبشة التي أطلق رئيسُ وزرائها منذ سنتين التحدي الكبير لغرس حوالي خمسة ملايير شجرة على مراحل، من بينها 350 مليون شجرة تم غرسها في يوم واحد في صائفة 2019، في يوم احتفال كبير، منحت فيه الحكومة للإثيوبيين عطلة مدفوعة الأجر، وشارك في اليوم الأخضر الأممُ المتحدة والاتحاد الإفريقي ومشاهير الفن والرياضة، وما لا يقل عن 35 مليون إثيوبي، جعلوا من بلدهم الذي خنقه الجفاف وقتلته المجاعة منذ ثلاثين سنة، نموذجا في التحدي، وإعادة بلادهم إلى ما كانت عليه في بداية القرن الماضي عندما كانت الغابات تمثل أكثر من ثُلث مساحة البلاد، قبل أن تتدهور وتنزل إلى ما دون الأربعة بالمئة، بفعل زحف الصحراء وأيادي المجرمين من باعة الخشب والفحم والعقار.

ما حدث في هذا الصيف الحزين، يفرض علينا أن نشعر بالخطر الذي يهدد أبناءنا، فقد اشتركت الحرائق مع التغيُّر المناخي، وحوّلت حياة الجزائريين إلى جحيم لا يطاق، ووضعتنا على بُعد ثوان من الصحراء، وإذا لم نسبق الزمن، فإن القادم سيكون أسوأ، لأن الجفاف والنار لا تفسير لهما سوى نهاية الحياة.

يتفق الجزائريون على أنَّ غالبية الحرائق التي دمّرت معنوياتهم كانت بفعل فاعل، ويعلمون بأن الفاعل “هم” نفر، لا يزيد عددُهم عن العشرات، بينما يبلغ تعداد الجزائريين قرابة الخمسة والأربعين مليون نسمة، فكيف لا يغلب الملايين بتحدّيهم وغرسهم للأشجار الغابية والمثمرة هذه الشرذمة التي لا تحلو لها الحياة إلا بالنار؟!

لا نتمنى أن تبقى قضية التشجير، مجرد اقتراحات أو جدل عقيم عن توقيت غرس الفسيلات وسط “جثث” الأشجار وفي مقبرة الغابة، ولا نتمنى أن تُخطف القضية من جمعيات أو تُمنح لبلديات، بعضها تلتقط الصور أكثر من الغرس، وأخرى سبق لها وأن تورّطت في تحويل الحدائق والمزارع إلى إسمنت مع سبق الإصرار والترصد، فالقضية صراحة حسّاسة ومصيرية، وحان الوقت لأن تصبح قضية أمّة، فيها وبها ولأجلها: “نكون أو لا نكون”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • زيد

    من طبيعتي أن أنتقد أو أبدي أفكارا أخرى عن مواضيع شتى في جريدة الشروق . لكن موضوع هذا المقال اليوم أثار إعجابي و لا يمكنني إلا أن أشكركم عليه. مختصر و هادف برسالته القوية.

  • لزهر

    من الخطأ الكبير إعادة تشجير كل المناطق العارية التي أصبحت مكشوفة بفعل الحرائق. وفق دراسة طبوغرافية البحث عن مناطق هروب وعبور و إختفاء و تجمع لأنه ليس سوى الحرائق هناك السيول الجارفة و الرياح و الثلوج و الفيروسات التي ستستفيق بفعل تغيرات المناخ لذالك المشروع لا بد أن يكون متكامل على المدى البعيد و لا ننسى أيضا توقيف زحف الرمال من الجهة الأخرى بغرس أشجار صحراوية و نقل مياه البحر إليها.